قال لقمانُ لابنهِ: اصبرْ نفسك لمن هو فوقَك في العلمِ ولمن هو دونَك، فإنَّما يَلْحَقُ بالعلماءِ مَن صَبَر لهم ولازمهم واقتبس مِن علمِهم في رفقٍ (٣).
قال ابنُ ماجه -﵀-: جاء يحيى بنُ معينٍ إلى أحمدَ بنِ حنبلٍ، فبَيْنَا هو عندَه إذ مَرَّ الشافعيُّ على بغلتِه، فوثَب أحمدُ يُسَلِّمُ عليه وتَبِعَه فأبطأ، ويحيى جالسٌ، فلمَّا جاء قال يحيى: يا أبا عبدِ اللهِ، لِمَ هذا؟ فقال: دَعْ عنك هذا، إنْ أردتَ الفقهَ فالزمْ ذَنَبَ البغلةِ (٤).
_________________
(١) رواه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (ص ٢٠٦).
(٢) "جامع بيان العلم وفضله" (١/ ١٢٧).
(٣) المصدر نفسه (١/ ١٠٧).
(٤) "سير أعلام النبلاء" (١٠/ ٨٦ - ٨٧).
[ ٢٨٦ ]
وهذا يحيى بن معين -﵀- يَرْفِسُه أبو نعيمٍ الفضلُ بنُ دكينٍ -﵀- ويرمي به؛ لأنه أراد أن يختبرَه، فيقول يحيى -﵀-: واللهِ لرفستُه لي أحبُّ إليَّ مِن سَفْرتي (١).
وقال الشافعيُّ -﵀-: قيل لسفيانَ بنِ عيينةَ: إنَّ قومًا يأتونك من أقطارِ الأرضِ تغضبُ عليهم، يوشكُ أن يذهبوا أو يتركوك. فقال للقائل: هم إذًا حمقى مثلُك، إن تركوا ما ينفعُهم لسوءِ خُلُقي.
-أيها المتفقه-، قد علمتَ أنَّ العلمَ لا يُنالُ إلا بذلِّ النَّفْسِ، فلابُدَّ لك من صبرٍ، فبدونه لن تنالَ غايتَك، ومن ذلك أن تصبرَ على شدةِ العلماءِ، فإنَّ من النَّاسِ مَن لا يحسنُ تزكيتُه إلا بالشديدِ من الأقوالِ والأفعالِ، وقد يَرَى شيخُك فيك ما لا تراه من نفسِك من الآفاتِ المهلكاتِ، فيشتدُّ عليك رأفةً بك وحرصًا عليك، فَتَدَبَّرْ!