نَعَمْ؛ العلماءُ بَشرٌ يُخطئون وُيصيبون، وأَبَى اللهُ تعالى أن تكونَ العصمةُ إلا لرسولِه - ﷺ -. وقد يُبْصِرُ طالبُ العلمِ خطأَ شيخِه، وقد تخرجُ فتوى لأحدِ العلماءِ فيعارضُها جماهيرُ العلماء فيتبينُ لطالبِ العلمِ عن طريقِ نَصْبِ الأدلةِ أنَّ هذا العالمَ أخطأ في هذا الأمرِ، فَتُرى كيف يتعاملُ مع هذا الواقعِ حينئذٍ.
_________________
(١) "تبيين كذب المفترى" (ص ٢٨).
[ ٢٩٢ ]
أكبرُ المزالقِ التي تَزِل فيها أقدامُ بعضِ طلبةِ العلمِ أنه إذا تبين له خطأ شيخِه انحطَّ قدرُه في قلبِه، ويبدأ في الجرأةِ عليه، ولربَّما نال منه في غيبتِه، لا سيمَّا في المسائلِ التي تُسَمَّى بالطبوليات، لأن زلةَ العالمِ مضروبٌ لها الطَّبلُ.
وهدي السَّلفِ على خلافِ ذلك، فالشأنُ حينئذٍ أن تلتمسَ للعالمِ العُذْرَ، واضربْ لخطئه ألفَ "لَعَلَّ"، فإنها المأمنُ من الوقيعةِ في أهلِ العلمِ.
ولله دَرُّ الإمامِ الذهبي عليه رحَمات اللهِ وبركاته؛ فقد ضربَ لنا مئاتِ الأمثلةِ على حسنِ الخلق وكيفية التعاملِ مع أخطاءِ العلماءِ والردِّ عليها في كتابهِ القيم "سيرُ أعلام النبلاءِ" ومن ذلك هذا الموقفُ الطيبُ حين ساقَ خبرًا: أَنَّ وكيعًا -﵀- كان يصومُ في الحضرِ والسفرِ ويختمُ القرآنَ كلَّ ليلةٍ فقال معلقًا:
"قلتُ: هذه عبادة يخضعُ لها، ولكنها من مثلِ إمامٍ من الأئمةِ الأثَرية مفضولَة، فقد صحَّ نهيُه ﵇ عن صومِ الدَّهر، وصحَّ أنه نهى أن يُقرأَ القرآنُ في أقلَّ من ثلاث، والدِّين يُسْرٌ، ومتابعةُ السُّنَّةِ أولى، فرضيَ الله عن وكيع، وأينَ مثلُ وكيع؟ ومعَ هذا فكان مُلازِمًا لشُربِ نبيذِ الكوفة الذي يُسْكِرُ الإكثارُ منه فكان مُتأَوِّلًا في شُربه، ولو تركه تورُّعًا، لكان أولى به، فإنَّ مَنْ تَوَقَى الشُبهات، فقد استبرأَ لدِينِهِ وعِرْضِه".
أمَّا إذا كان الخطأ لم يحدثْ، وتناقل الأحداثُ مثلَ هذه الأباطيلِ، فهذا يدلُّ على سوءِ الطَّوِيَّةِ، وجَهْلٍ بقدرِ العلماءِ، إذ التثبتُ أولُ خصالِ أولي العلمِ.
[ ٢٩٣ ]
ذكر الإمامُ الذهبي -﵀- أنَّ أبا كاملٍ البصريَّ قال: سمعتُ بعضَ مشايخي يقولُ: كنَّا في مجلسِ ابنِ خَنْب فأملى في فضائل عليٍّ -﵁- بعدَ أنْ كانَ أمْلىَ فَضَائلَ الثَّلاثةِ، إذْ قالَ أبو الفَضْلِ السُّلَيمانيُّ وصاح، أيها النَّاسُ، هذا دَجَّالٌ فلا تكتبوا، وخرج من المجلسِ؛ لأنه ما سَمِع بفضائلِ الثلاثةِ.
قال الذهبي -﵀-: وهذا يدلُّ على زَعَارَّةِ السُّليمانيِّ وغلظتِه، اللهُ يسامحُه (١).
ومن البلايا الشائعةِ رَمْيُ أهلِ العلمِ بالابتداعِ بدونِ علمٍ، وعادةً لا يكونُ للقائلِ بهذا مِن دليلٍ أو بُرهانٍ، والعِبرةُ في ذلك لقولِ الأئمةِ لا إلى رأي آحادِ النَّاسِ.
وقد رُمِي الإمامُ الشافعيُّ والإمامُ أحمدُ ببدعةِ التَّشَيُّعِ، وحاشاهما، وإنَّما يُشاعُ حَسَدًا أو جَهْلًا أو افتراءً للوقيعةِ، ولم يَخْلُ للأسفِ من هؤلاءِ زمانٌ.
أو يُرمى العالمُ بعدمِ المعرفةِ بالواقعِ، كما يدندنُ بذلك العلمانيون الخبثاءُ للنيلِ من أهلِ الدينِ.
يقول شيخنا الكريم سماحةُ الشيخِ -عبدُ العزيزِ بنُ بازٍ - ﵀-: الواجبُ على المسلمِ أن يحفط لسانَه عمَّا لا ينبغي، وألا يتكلمَ إلا عن بصيرةٍ، فالقولُ أن فلانًا لم يَفْقَه الواقعَ، هذا يحتاجُ إلى علمٍ، ولا يقولُه إلا مَنْ عندَه علم حتى يستطيعَ الحكمَ بأنَّ فلانًا يَفْقَه الواقعَ، أمَّا أَنْ يقولَ هذا جُزافًا، ويحكمَ برأيِه على غيرِ دليلٍ، فهذا منكرٌ عظيم لا يجوزُ (٢).
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" (١٥/ ٥٢٤).
(٢) مجلة رابطة العالم الإسلامي عدد (٣١٣).
[ ٢٩٤ ]
فإياك وهذا السبيلَ -أيها المتفقه- لا تجمعُ الزَّلاتِ، ولا تقلُ إلا خيرًا، وإلا فاصمتْ فإنها الوصيةُ النبويةُ الذَّهبيةُ.