فطالبُ العلم عفيفُ اللسانِ، ذليلُ النفْسِ، بغيتُه رضا رَبِّه، ووسيلتُه إلى ذلك الأخذُ عن أهلِ العلمِ والفضلِ، فكلُّهم ذوو شأنٍ عندَه ومكانةٍ، لا يَحُطُّ من قَدْرِ أحدِهم، لا يُنْصِتُ لفاحشِ القولِ فيهم، بل
_________________
(١) "جامع بيان العلم وفضله" (١/ ١٥٨).
(٢) "وفيات الأعيان" لابن خلكان (١/ ٣٠٤).
[ ٢٨٩ ]
يَرُدُّ غيبتَهم، وإن لم يستطعْ فارق تلك المجالسَ التي تعقدُ في "تصنيفِ العلماءِ" و"النيلِ منهم" و"القدحِ في ذواتِهم أو آرائِهم"، وهي مجالسُ لا تبوءُ بصاحبِها إلى خيرٍ البتةَ.
فالقدحُ في العلماءِ مُحَرَّمٌ؛ لأنهم من المسلمين، والنبيُّ - ﷺ - قال: "إنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ كحرمةِ يومِكم هذا في شهرِكم هذا في بلدِكم هذا" (١).
ولمَّا كان القدحُ في العلماءِ مَطِيَّةً للقدحِ في الدينِ ازدادتْ حُرمةُ ذلك الصنيعِ شرعًا، إذ قاعدةُ الشريعةِ الأصيلةُ أنَّ للوسائلِ حكمَ المقاصدِ، فمتى ما أَفْضَتِ الوسيلةُ لمحرمٍ فإنها تُحَرَّمُ تبَعًا لأثرِها وما ينتجُ عنها.
لذلك كان سَابُّ الصحابةِ زنديقًا؛ لأنَّ انتقاصَ الصحابةِ انتقاصٌ للرسولِ - ﷺ -، إذ ما أقبحَ بالرجلِ أن يصحبَه صحابةُ السُّوءِ (٢).
وتواترت الآثارُ عن السَّلفِ في رميهم القادحَ في أهلِ العلمِ من التابعين فمن بعدَهم بالزندقةِ، وهذا محمولٌ على الكلامِ في العالمِ بظلمٍ وهوى.
وكان السَّلفُ يعظمون قدرَ العلماءِ، وَيرَوْن مَن اسْتَخَفَّ بهم على سبيلِ الهَلَكَةِ.
_________________
(١) متفق عليه. أخرجه البخاري (٦٧) ك العلم، باب قول النبي - ﷺ -: "رب مبلغ أوعى من سامع"، ومسلم (١٦٧٩) ك القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال.
(٢) انظر "تاريخ بغداد" (١٠/ ١٧٤).
[ ٢٩٠ ]
قال ابنُ المباركِ -﵀-: فإنَّه من اسْتَخَفَّ بالعلماءِ ذَهَبَت آخرتُه. (١)
فالاستخفافُ بالعلماءِ إيذاءٌ لهم، وهم أولياءُ اللهِ تعالى، ومَن آذى أولياءَ اللهِ تعالى أَوْشَكَ أن تتنزلَ عليه لعناتُ اللهِ تعالى ومقتُه.
- وفي الحديث القدسي: "مَنْ عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحربِ" (٢).
- ولقد قال رجل من المنافقين: ما رأيتُ مثلَ قُرَّائِنا هؤلاءِ أرغبَ بطونًا، ولا أكذبَ لسانًا، ولا أجبنَ عندَ اللقاءِ. فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦].
فرَدَّ اللهُ على اعتذارِهم غيرِ المقبولِ، وجَعَل استهزاءَهم بالرسولِ - ﷺ -
وصحبِه استهزاءً به سبحانَه، وهذا يدلُّ على خطورةِ الأمرِ.
ثمَّ إنَّ القدحَ في العلماءِ والاستخفافَ بهم من جملةِ الغِيبةِ المنهيِّ عنها، وغِيبةُ العالمِ أعظمُ من غِيبةِ غيرِه لِعِظَمِ قدرِه، ولعلَّ من أفضلِ ما قيل في هذا الأمرِ كلمةَ الإمامِ الحافظِ ابنِ عساكرَ الدمشقيِّ -﵀-.
قال: اعلم يا أخي -وفقني اللهُ وإياك لمرضاتِه، وجَعَلَنا ممن يخشاه ويتقيه حَقَّ تقاتِه- أنَّ لحومَ العلماءِ مسمومةٌ، وعادةُ اللهِ في هَتْكِ أستارِ
_________________
(١) "السير" (١٧/ ٢٥١).
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) ك الرقاق. باب التواضع.
[ ٢٩١ ]
منتقصيهم معلومة، لأنَّ الوقيعةَ فيهم بما هم منه بَراءٌ أمرُه عظيمٌ، والتناولُ لأعراضِهم بالزورِ والافتراءِ مَرْتَعٌ وخيمٌ، والاختلافُ على ما اختاره اللهُ منهم لنشرِ العلمِ خلق ذميم، وما وقع فيهم أحد بالثَّلْبِ إلا ابتلاه الله قبل موته بموت القلبِ (١).
وكم أورث القدحُ في العلماء من بلايا!! ألم تَرَ إلى تسلطِ الأصاغرِ وإعجابِهم بآرائِهم دونَ مَن سواهم؟! ألم تَرَ الجرأةَ على التَّعدي على أهلِ العلمِ سلفًا وخلفًا؟ ألم تَرَ آفاتٍ كالعُجبِ والكِبرِ والخيلاءِ تَسْرِي كسريانِ الدمِ في العروقِ بين طلبةِ علمٍ في بدايةِ الأمرِ، ألم تَرَ مَن يقولُ: فلانٌ لا يُعتدُّ بتصحيحِه وتضعيفِه، وفلان لا يؤبه بقولِه، والحافظُ فلان كان على بدعةِ ضلالةٍ، والإمامُ فلان أخطأ في كيت وكيت، يا هذا مَالَك أنت بمثلِ ذلك؟ إنما شأنُك أن تتلقى وتتعلمَ، واتركْ شأنَ الأكابرِ لمن يماثلونهم، أمَّا أنت فعليك بخاصَّةِ نفسِك، فإنَّك مشمولٌ بسترِ اللهِ، ولو هَتَك السترَ لَبَانَ عَوَارُك، فلا تأمَن عاقبة مكرِ اللهِ تعالى.