البواطن البواطن النيات النيات الإخلاص الإخلاص
فإن عليكم من الله عينًا ناظرة.
[ ٨٣ ]
المنطلق الأول
(الإخلاص وصدق النية)
قال تعالى: " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء " [البينة /٥].
وقال ﷺ: "بشر هذه الأمة بالسناء والتمكين في البلاد، والنصر والرفعة في الدين، ومن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب " (١)
فانظر - أخي في الله وحبيبي - إلى هذا الربط الخطير بين التمكين والإخلاص فبه تعلم ما سبب تأخر التمكين.
إنَّ من أخطر الأسباب التي تحول بين الأمة وبين التمكين في هذا العصر الذي يعاني فيه المسلمون من الهوان: " فساد النية "
يا أيها العامل لنصر الدين، الآمل حصول التمكين، أخلص النية لله تعالى، وإلا فالنار النار.
أيها المتفقه
لماذا نتعلم؟ لماذا نتفقه؟ لماذا نطلب العلم؟
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ١٣٤)، وابن حبان (٢/ ١٣٢) برقم (٤٠٥)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٤٦) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (٢٨٢٥).
[ ٨٥ ]
قال ﷺ:" من طلب العلم ليباهي به العلماء، ويمارى به السفهاء، أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار " (١).
فهذا الحديث الخطير قاضٍ بأنَّ على طالب العلم أن يصحح نيته في طلبه، فلا يكون إلا لله وحده، يبتغى عنده الرضوان، ويرجو لديه الثواب، لا ليرتفع به في أعين الناس، ويعلو به فوق أعناقهم، ويركب به أكتافهم، ولكن:
كيف يصحح طالب العلم نيته؟ أو بمعنى آخر ماذا ينوي؟
قال ابن جماعة: حسن النية في طلب العلم بأن يقصد به وجه الله تعالى والعمل به، وتنوير قلبه، وتحلية باطنه، والقرب من الله تعالى يوم القيامة، والتعرض لما أعد لأهله من رضوانه، وعظيم فضله. قال سفيان الثوري: ما عالجت شيئًا أشد عليَّ من نيتي. ولا يقصد به الأغراض الدنيوية؛ من تحصيل الرياسة والجاه والمال، ومباهاة الأقران، وتعظيم الناس له، وتصديره في المجالس ونحو ذلك، فيستبدل الأدنى بالذي هو خير.
قال أبو يوسف ﵀: يا قوم أريدوا بعملكم الله تعالى، فإني لم أجلس مجلسًا قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلسًا قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة (٢٥٣) في المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (٦١٥٨).
[ ٨٦ ]
والعلم عبادة من العبادات، وقربة من القرب، فإنْ خلصت فيه النية قُبِل وزكَّا، ونمت بركته، وإن قصد به غير وجه الله تعالى حبط وضاع، وخسرت صفقته، وربما تفوته تلك المقاصد، ولا ينالها فيخيب قصده، ويضيع سعيه " أهـ (١)
فيا أيها المتفقه:
أخلص نيتك، وطهر قلبك من الرياء، واقصد وجه الله بتوجهك تكسب خيري الدنيا والآخرة، وإلا فالخسار والدمار وخراب الديار.
عن أبي أمامة قال: قال ﷺ: " إنَّ روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته " (٢)
انتبه - أيها المتفقه - فإنَّك تطلب الخير من الله، وما عند الله لا ولن ينال إلا بطاعته.
قال ﷺ: " إنما الأعمال بالنيات - وفي رواية مسلم " بالنية " - وإنما لكل امرئ ما نوى" (٣)
_________________
(١) تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم ص (٦٩،٧٠).
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٠٨٥).
(٣) متفق عليه. أخرجه البخاري (١) ك بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، ومسلم (١٩٠٧) كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: " إنما الأعمال بالنية "، وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال.
[ ٨٧ ]
فالنية هي الأصل، والله الحسيب والرقيب، مطلع على السرائر والضمائر، لا تخفي عليه خافية،. وكم من عمل يتصور بصورة أعمال الدنيا فيصير بحسن النية من أعمال الآخرة، وكم من عمل يتصور بصورة أعمال الآخرة فيصير بسوء النية من أعمال الدنيا فلتحذر.
قال عبد الله الأنطاكي: من طلب الإخلاص في أعماله الظاهرة، وهو يلاحظ الخلق بقلبه، فقد رام المحال؛ لأنَّ الإخلاص ماء القلب الذي به حياته، والرياء يميته.
فلا بد إذًا للنجاة في الآخرة، وللانتفاع بالعلم في الدنيا، والنفع به، من الإخلاص، رزقنا الله وإياكم إياه.
ولكن الإخلاص عزيز.
قال بعض السلف: أعز شئ في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر.
وكان من دعائهم: اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه ثم عدت فيه، واستغفرك مما جعلته لك على نفسي ثم لم أف لك به، واستغفرك مما زعمت أنى أردت به وجهك فخالط قلبي منه ما قد علمت.
ومن أجل تلك العزة والندرة للإخلاص أحذر إخواني.
فيا أيها المتفقه ..
احذر أن تكون منافقًا، وأنت لا تشعر، مرائيًا من حيث لا تعلم، احذر الشهوة الخفية، فإنَّ كثيرًا من طلاب العلم سقطوا لمَّا
[ ٨٨ ]
غفلوا عن تلك الشهوات الخفية، وهي عند الله من الكبائر، ولعلها أكبر من الزنى وشرب الخمر، وهذه الشهوات الخفية تهجم على قلب المتعلم صغيرًا كان أو كبيرًا، مشهورًا كان أو مغمورًا، فتفسد عمله، وتخيِّب قصده، عافانا الله وإياكم منها. .
إنها شهوة الترفع وحب الظهور، شهوة كسب الاحترام والتوقير.، شهوة طلب الشهرة وأن يشار إليه بالبنان.، إنها مصيبة اتخاذ العلم وسيلة لنيل غرض من أغراض الدنيا؛ لبناء الأمجاد الشخصية، والعلو على الناس، والاستعظام عليهم، واحتقار الآخرين وازدرائهم، وعيبهم والتشنيع عليهم، شهوة حب التصدر، وأن ينشغل الناس به، وينقادوا إليه، ثم تكون النتيجة: الكبر.، الغرور.، العجب.، الأنانية، وحب الذات،. وعبادة النفس، والانتصار لها، والغضب لها،. وعبادة الهوى.
وهذه - والله - بليات نعوذ بالله منها، تسقط بسببها سماء إيمانك على أرضه، فلا تقوم للقلب قائمة، وواللهِ إنَّ القلب ليقشعر من مجرد تعديد هذه الأمراض، عافانا الله وإياكم منها.
ولعمر الله إنَّ قضية الرياء والشهوة الخفية لهي الطامة الكبرى، والمصيبة العظمى، فشوب النيات يورث الرياء والشرك، والرياء مدخل النفاق، والمعصية بريد الفسق، وهما دهليز الكفر.
ولكن تُرى: كيف تدخل هذه الأمراض على القلوب؟
[ ٨٩ ]
يقول أبو الحسن الماوردى: " وقلما تجد بالعلم معجبًا، وبما أدرك مفتخرًا، إلا من كان فيه مقلًا مقصرًا؛ لأنه قد يجهل قدره، ويحسب أنه نال بالدخول فيه أكثره.، فأما من كان فيه متوجهًا، ومنه مستكثرًا، فهو يعلم من بعد غايته والعجز عن إدراك نهايته ما يصده عن العجب به. (١)
وقد قال الشعبي: العلم ثلاثة أشبار: فمن نال شبرًا منه شمخ بأنفه، وظن أنَّه ناله، ومن نال منه الشبر الثاني صغرت إليه نفسه، وعلم أن لم ينله، وأما الشبر الثالث فهيهات لا يناله أحدًا أبدًا.
هكذا بان لك - أخي في الله - السبب الحقيقي لهذا الداء العضال والمرض الخطير، ويرحم الله علماء السلف فقد كانوا أعلم الناس بأسباب النجاة، نعم - والله - أُتِىَ المعجب من جهله، ونعوذ بالله من الجهل وأهله.
وأنا إذ أحذرك من تلك الشهوة الخفية فلا بد أن أذكر لك - حبيبي في الله - بعض مظاهرها؛ لأنها قد تخفي على الكثير إلا من وفقه الله.
فمن مظاهر هذه الشهوة الخفية:
١. أن يشتغل المتفقه بفرض الكفاية عن فرض العين؛ وأن يشتغل بعلوم الاجتهاد قبل أن يتفقه في دين الله ﷿.
فتجد المسكين بلا عقيدة صحيحة، ولا معرفة صادقة بأسماء الله وصفاته، ولا إلمام بتصحيح العبادات الظاهرة والباطنة، ومع ذلك هو
_________________
(١) أدب الدنيا والدين ص (٨١).
[ ٩٠ ]
عاكف على علوم الآلات، ويهجم على النصوص ويستنبط ويرجح بين الأقوال، ويرد على العلماء ويتعصب، ويغضب لنفسه ورأيه، لا لدين الله ﷿، فهذا هو الخذلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال في مختصر منهاج القاصدين: " وأنت تجد الفقيه يتكلم في الظهار واللعان والسبق والرمي، ويفرع التفريعات التي تمضي الدهور ولا يحتاج إلى مسألة منها، ولا يتكلم في الإخلاص، ولا يحذر من الرياء، وهذا عليه فرض عين؛ لأنَّ في إهماله هلاكه، والأول فرض كفاية، ولو أنَّه سئل عن علة ترك المناقشة للنفس في الإخلاص والرياء لم يكن له جواب " (١)
٢) ومن المظاهر كذلك: الجرأة على الفتوى وتعجل التدريس.
قال الله تعالى: " آلله أذن لكم أم على الله تفترون " [يونس/٥٩]
ومن تأمل سير السلف يعرف حقًا كيف كان هؤلاء الأكابر أكثر الناس علمًا وورعًا، فكانوا يهابون مما يقتحمه المتعالمون في هذه الأيام، ومما يقع فيه علماء السوء من شواذ المسائل.
قال أبو داود في مسائله: ما أحصى ما سمعت أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم فيقول لا أدري.
قال: وسمعته يقول ما رأيت مثل ابن عيينة في الفتوى أحسن فتيا منه، كان أهون عليه أن يقول لا أدري.
_________________
(١) مختصر منهاج القاصدين ص (٢٧).
[ ٩١ ]
وقال عبد الله ابنه في مسائله سمعت أبي يقول وقال عبد الرحمن بن مهدي سأل رجل من أهل الغرب مالك ابن أنس عن مسألة فقال لا أدري فقال يا أبا عبد الله تقول لا أدري قال نعم فأبلغ من ورائك أني لا أدري.
وقال عبد الله: كنت أسمع أبي كثيرًا يسأل عن المسائل فيقول: لا أدري، ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف، وكثيرا ما كان يقول: سل غيري فإن قيل له من نسأل قال سلوا العلماء ولا يكاد يسمي رجلا بعينه.
يقول ابن القيم: وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره، فإذا رأى أنها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى. (١)
قال عبد الرحمن ابن أبي ليلى: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله ﷺ، أراه قال: في المسجد، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا.
وقال سحنون بن سعيد: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه
_________________
(١) إعلام الموقعين لابن القيم (١/ ٣٣،٣٤)، المدخل لابن بدران (١/ ١٢٠) ط مؤسسة الرسالة.
[ ٩٢ ]
فأين هؤلاء الأصاغر المتعالمون من أدب سلفنا الصالح، ولكنها الشهوة الخفية، وأين هؤلاء من الشروط والأسس التي وضعها سلفنا لحفظ جناب الدين من المتفيقهين.
قال الإمام أحمد: " لا ينبغي للرجل أن يعرض نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال:
إحداها:: أن تكون له نية، أي أنْ يخلص في ذلك لله تعالى، ولا يقصد رياسة ولا نحوها، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور، إذ الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى.
الثانية: أن يكون له حلم ووقار وسكينة، وإلا لم يتمكن من فعل ما تصدى له من بيان الأحكام الشرعية.
الثالثة: أن يكون قويًا على ما هو فيه وعلى معرفته، وإلا فقد عرض نفسه لعظيم.
الرابعة:: الكفاية وإلا أبغضه الناس، فإنه إذا لم تكن له كفاية احتاج إلى الناس، وإلى الأخذ مما في أيديهم فيتضررون منه.
الخامسة: معرفة الناس. (١)
ولعلك إن فتشت فيمن حولك عمن تنطبق فيه تلك الأوصاف لا يسعفك عد عشرة على أصابع اليدين ولا حول ولا قوة إلا بالله.
_________________
(١) كشاف القناع للبهوتي (٦/ ٢٩٩) ط دار الفكر.
[ ٩٣ ]
فحذار حذار من فتنة التصدر، وطلب الشهرة والجاه، فإنها - لعمر الله - قتالة للقلب، مفسدة له، دالة على سوء النوايا، وإنما من ابتلي بذلك صبر، ومن استراح من هذا شكر لو تعلمون.
٢. ومن العلامات أنه يشتهي المناظرة، ويبحث عن الجدل، ويكثر الكلام، ويهرف بما لا يعرف
قال الله تعالى: " وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا " [الكهف /٥٤]
وقال رسول الله ﷺ: أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الْجَنّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقاّ، وَبِبَيْتٍ في وَسَطِ الْجَنّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كان مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ في أعْلَى الْجَنّةِ لِمَنْ حَسّنَ خُلُقَهُ " (١)
قال الأوزاعي: إذا أراد الله بقوم شرا فتح عليهم الجدل، ومنعهم العمل.
قال معروف بن فيروز الكرخي: إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح له باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرًا فتح له باب الجدل، وأغلق عنه باب العمل. (٢)
وقال بعض السلف: إذا رأيت الرجل لجوجًا مماريًا معجبًا برأيه فقد تمَّت خسارته.
وإنما يعطى الجدل الفتانون، فما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل، وما يشتهي المناظرة إلا الباحثون عن أعراض الدنيا الزائلة،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٨٠٠) ك الأدب، باب في حسن الخلق، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (٤٠١٥).
(٢) اقتضاء العلم العمل ص (٧٩).
[ ٩٤ ]
وإنما كان الرجل من السلف لا يقع في المناظرة إلا اضطرارًا، وما زلَّ من زلَّ في هذا الباب إلا بسبب الرياء والسمعة، وإنما كان همُّ الأوائل الأعمال لا الأقوال، وصار قصارى همُّ بعضنا الآن الكلام طلبًا للظهور.
وقال رسول الله ﷺ: " بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فان من ورائكم أياما الصبر فيهن القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم." (١)
وهذه وصية نبوية غالية، تشير إلى أمراض خطيرة، وأوبئة دوية:
شح مطاع، هوى متبع، دنيا مؤثرة، عجب وإعجاب بالرأي
فيا لها من أمراض قتَّالة، وأوبئة فتَّاكة، تفتك بالدين، وتقتل الإخلاص، وإنَّما المرض العضال الحامل على كل هذا والمؤدي إليه: حب الظهور، وشهوة التصدر، والرغبة في الشهرة، والعلو على الأقران، فنسأل الله العافية من أمراض القلوب، ونسأله هو العلي القدير أنْ يرزقنا الإخلاص، وأنْ يجمعنا على الصالحين من عباده في الدنيا والآخرة.
عن عبد الله بن المبارك قال: قيل لحمدون بن أحمد: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟!!
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٠٥٨) ك التفسير، باب ومن سورة المائدة، وقال: حسن غريب.
[ ٩٥ ]
قال: لأنَّهم تكلموا لعز الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعز النفوس، وطلب الدنيا، ورضا الخلق.
قال أبو قلابة لأيوب السختياني: يا أيوب إذا أحدث الله لك علمًا فأحدث لله عبادة، ولا يكونن همك أن تحدث به الناس.
قال الحسن البصري: همة العلماء الرعاية، وهمة السفهاء الرواية.
فإذا لم تجد القول موافقًا للعمل فاعلم أنه نذير النفاق.
قال عبد الله بن المعتز: علم المنافق في قوله، وعلم المؤمن في عمله.
وحكى الذهبي - رحمه الله تعالى - عن أبى الحسن القطان - رحمه الله تعالى - قوله: أُصبت ببصري، وأظن أنى عوقبت بكثرة كلامي أيام الرحلة.
قال الذهبي: " صدق والله، فقد كانوا مع حسن القصد وصحة النية غالبًا يخافون من الكلام، وإظهار المعرفة. واليوم يكثرون الكلام مع نقص العلم، وسوء القصد ثم إن الله يفضحهم، ويلوح جهلهم وهواهم واضطرابهم فيما علموه فنسأل الله التوفيق والإخلاص. أهـ
وعن معمر بن راشد قال: إنَّ الرجل يطلب العلم لغير الله فيأبى عليه العلم حتى يكون لله.
[ ٩٦ ]
قال الذهبي - رحمه الله تعالى ـ: " نعم يطلبه أولًا، والحامل له حب العلم، وحب إزالة الجهل عنه وحب الوظائف، ونحو ذلك، ولم يكن عَلِم وجوب الإخلاص فيه، ولا صدق النية، فإذا علم حاسب نفسه، وخاف من وبال قصده، فتجيئه النية الصالحة كلها أو بعضها، وقد يتوب من نيته الفاسدة، ويندم، وعلامة ذلك أنه يُقْصِر من الدعاوى وحب المناظرة، ومن قَصْدِ التأثير بعلمه، ويُزْري على نفسه، فإن تَكَثَّر بعلمه، أو قال أنا أعلمُ من فلان فبعدًا له ".
قال الأصبهاني:
اعمل بعلمك، تغنم أيها الرجل لا ينفع العلم إن لم يحسن العمل
والعلم زين، وتقى الله زينته والمتقون لهم في علمهم شغل
وحجة الله يا ذا العلم بالغة لا المكر ينفع فيها لا ولا الحيل
تعلم العلم واعمل ما استطعت به لا يلهينك عنه اللهو والجدل
٤) ومن العلامات الولع بالغرائب وتعمد البحث عن المهجور من الأقوال.
فبمجرد أن يتصيد مسألة من هنا أو هناك، سمعها في مجلس، أو من شريط، أو قرأها في صحيفة، أو في كتاب، يوالي ويعادى على تلك
[ ٩٧ ]
المسألة.، وأكثر الناس اليوم لا علم له إلا ببعض المسائل، وليتها بالنافعة، وإنما شواذ المسائل، وغريب الآراء، والمهجور من الأقوال، وكأن الشعار "خالف تُعرف" فالخلاف عنده أشهى من الاتفاق.
كنت في صحبة شيخنا العلامة ابن عثيمين، وسألته عن مسألة يدندن حولها الكثيرون، فغضب الشيخ وأخذ يقول: من ذا الذي يحيي هذه المسائل بعد أن ماتت؟ وأخذ يردد ذلك.
فالولع بالغريب والشاذ من الأقوال، وإحياء المسائل المهجورة والتي حسمها أهل العلم منذ زمن بعيد، كل ذلك - إن كان عن عمد - يدل على خلل واضح، وسوء قصد بين، لا سيما إذا كان الأمر زلَّ فيه عالم من العلماء، ومن هنا حذر أهل العلم من تتبع هذه المسائل التي أسموها بـ " الطبوليات " إذ قيل: " زلة العالم مضروب لها الطبل ". (١)
٣. ومن المظاهر الشغب على المخالف والزهو بالمتبع.
فإنك تراه يشغب على من خالفه، ويعاديه، وينفر منه، ويفرح بالمدح، ويزهو بكثرة الاتباع، وبالضد تتميز الأشياء، وتلك من نتاج العصبيات والحزبيات، لعدم تحقيق عقيدة الولاء والبراء فيصير الولاء للمتبع، والبراء للمخالف، وما كان هذا هدي السلف في الخلاف، لا سيما في الفروع، ومن أهم علامات الصادق استواء المدح والذم عنده، فإن لم يكن كذلك فليتهم نفسه.
_________________
(١) حلية طالب العلم ص (٧) للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد.
[ ٩٨ ]
قال الإمام الذهبي - رحمه الله تعالى ورضى عنه - في سير أعلام النبلاء (١): عن عبد الرحمن بن مهدى عن طالوت: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: ما صدق الله عبد أحب الشهرة.
قلت (أي الذهبي ﵀): علامة المخلص الذي قد يحب الشهرة، ولا يشعر بها، أنه إذا عوتب في ذلك لا يحرد، ولا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلىَّ عيوبي، ولا يكن معجبًا بنفسه، لا يشعر بعيوبها، بل يشعر أنه لا يشعر، فإن هذا داء مزمن " أهـ
وما أغلاه من كلام، وصدق من قال: الذهبي ذهبي الكلام، حقًا إنه كلام أغلى من الذهب، فالمخلص إذا اتهم لم يكابر، لم يشمخ بأنفه، ولم تأخذه العزة بالإثم فيقول: أنا .. أنا .. أنا، وإنما يخضع ويذعن، ويخاف ويخشى، ويتهم نفسه، ويسيء الظن بها، ويقول: ويلى، وويل أمي، إنْ لم يرحمني ربى.
وعن الفضيل بن عياض قال: يا مسكين، أنت مسيء وترى أنَّك محسن، وأنت جاهل وترى أنَّك عالم، وتبخل وترى أنَّك كريم، وأحمق وترى أنَّك عاقل، أجلك قصير، وأملك طويل.
قال الذهبي - رحمه الله تعالى ـ: " قلت: إي والله صدق، وأنت ظالم وترى أنَّك مظلوم، وآكل للحرام وترى أنَّك متورع، وفاسق وتعتقد أنَّك عدل، وطالب العلم للدنيا وترى أنَّك تطلبه لله ". (٢)
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٩٣) فائدة: وهذا الكتاب من أفضل كتب التربية بعد كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، ودائمًا ما ننصح طلبة العلم بالنظر فيه، وتتبع أخبار السلف، ومحاولة التأسي بهم،
(٢) سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٤٠).
[ ٩٩ ]