التَّزكية مع التَّعلم
[[لا بد من تزكية القلب وتطهيره في البداية؛ لتحصيل العلم النافع والعمل الصالح، أو مواكبة التزكية مع الطلب فهما من المهمات الخطيرة في عصرنا.]]
[ ١٦٧ ]
المنطلق الرابع
(التزكية)
من الشروط التي عرفها العلماء بالاستقراء في أحوال الرسل بلزوم توافرها في كل رسول من عند الله: الفطنة، ومن استقرأ أحوال الرسل عرف أهمية هذا الشرط وتوافره، فنجد الرسل أنفع الناس للناس، وهم أعلم الناس بما يصلح الناس وينفع الناس، وبالفعل علَّموه للناس.
قال رسول الله ﷺ: " إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم " (١)
أضف إلى ذلك حرصهم صلوات الله عليهم وسلامه على هداية الناس، انظر إلى خليل الله أبى الأنبياء إبراهيم ﵇ وهو يقول: " ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم " [البقرة/١٢٩].
إنه سؤال له مغزاه انظر إلى قوله " فيهم " وقوله " منهم "، ثمَّ الغرض من إرسال هذا الرسول فيهم:
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه مسلم (١٨٤٤) ك الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول.
[ ١٦٩ ]
١) يتلو عليهم آياتك.
٢) يعلمهم الكتاب والحكمة.
٣) ويزكيهم.
وسبحان الملك القدوس العليم الحكيم، يشاء الله جل وعلا أن يستجيب دعاء خليله إبراهيم قال تعالى: " كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون " [البقرة/١٢٩].
وقال جل وعلا: " لقد مَّن الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين " [آل عمران/ ١٦٤].
ويقول تعالى: " هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين " [الجمعة /٢]
فهذه ثلاث آيات من القرآن تفيد استجابة الله تعالى دعاء إبراهيم ﷺ، وامتنان الله بذلك على المؤمنين، ولكن لاحظ كيف رتب الله وظيفة الرسول المبعوث ﷺ ترتيبًا آخر على غير نسق طلب إبراهيم صلى الله عليه وسلم، والله أعلم بما يصلح عباده، فطلب إبراهيم لوظيفة الرسول:
١) يتلو عليهم آياتك.
[ ١٧٠ ]
٢) يعلمهم الكتاب والحكمة.
٣) ويزكيهم.
أما امتنان الله ففي:
١) يتلو عليهم آياتنا.
٢) يزكيهم.
٣) يعلمهم الكتاب والحكمة.
ولم يتخلف هذا الترتيب في آية واحدة من الثلاثة، ولا رابعة من جنس هذه الآيات في القرآن كله.، وهذا يدل - إنْ دل - على شيء واحد، وهو أهمية تزكية القلب قبل التعلم، وتوحي بشيء من هذا أوائل سورة المزمل: قال تعالى: " يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلًا نصفه أو انقص منه قليلًا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلًا إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا " [المزمل/١ - ٥]
فقيام الليل نوع من أنواع التزكية؛ لأن التزكية عند أهل السنة والجماعة بكثرة العبادة؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، وما تزكية القلب إلا بزيادة الإيمان.، فقيام الليل تزكية للقلب استعدادًا لتلقى العلم (القول الثقيل).
[ ١٧١ ]