بعض الناس يسمع الأمر بالإخلاص، فيظن أنَّ الإخلاص أن يقول: نويت أتعلم لله، أو مثل ذلك، وما مثله إلا كمثل رجل جائع، وأمامه طعام، وهو يقول: نويت أن آكل. فهل بهذا يشبع؟!! الإخلاص شيء آخر، الإخلاص: انبعاث القلب إلى جهة المطلوب التماسًا.
وقال بعضهم: الإخلاص تغميض عين القلب عن الالتفات إلى سوى الله تعالى.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٢٨).
[ ١٠٣ ]
وقيل: الإخلاص سر بين الله وبين العبد، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله
فالإخلاص تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين، فمتى أفردت ربك بالطاعة، ونسيت رؤية الخلق بدوام نظرك إلى الخالق، فقد تحقق لك الإخلاص. ولكن كيف؟ هذه هي القضية.
كيف أخلص؟
إذا سألت كيف أنوي نية صالحة، وأخلص النية لله تعالى؟!
فالجواب كما قال أبو حامد الغزالي - رحمه الله تعالى ـ: " اعلم أن النية والإرادة والقصد عباراتٌ متواردة على معنى واحد، وهو حال وصفة للقلب يكتنفها أمران: علمٌ وعمل، العلم يقدُمُهُ؛ لأنه أصله وشرطه، والعمل يتبعه؛ لأنه ثمرته وفرعه؛ وذلك لأن كل عمل - أعنى كل حركة وسكون اختياري - فإنه لا يتم إلا بثلاثة أمور: علم، وإرادة، وقدرة؛ لأنه لا يريد الإنسان ما لا يعلمه، فلا بد أن يعلم، ولا يعلم ما لم يرد، فلا بد من إرادة.، ومعنى الإرادة انبعاث القلب إلى ما يراه موافقًا للغرض، إما في الحال، أو في المآل.
فقد خلق الإنسان بحيث يوافقه بعض الأمور، ويلائم غرضه ويخالفه بعض الأمور، فيحتاج إلى جلب الموافق الملائم إلى نفسه، ودفع الضار المنافي عن نفسه، فاضطر بالضرورة إلى معرفة وإدراك للشيء المضر
[ ١٠٤ ]
والنافع حتى يجلب هذا، ويهرب من هذا، فإنَّ من لا يبصر الغذاء، ولا يعرفه لا يمكنه أن يتناوله، ومن لا يبصر النار لا يمكنه الهرب منها، فخلق الله الهداية والمعرفة، وجعل لها أسبابًا، وهي الحواس الظاهرة والباطنة.
فالنية عبارة عن الصفة المتوسطة، وهي الإرادة وانبعاث النفس بحكم الرغبة والميل إلى ما هو موافق للغرض، إما في الحال وإما في المآل، فالمحرك الأول هو الغرض والباعث، والغرض الباعث هو: القصد المنْوِىُّ، والانبعاث هو القصد والنية، وانتهاض القدرة لخدمة الإرادة بتحريك الأعضاء هو العمل " أهـ
فالإخلاص تنقية القلب من الشوائب قليلها وكثيرها، حتى يتجرد فيه قصد التقرب، فلا يكون فيه باعث سواه، واحذر فإنَّ الشيطان قد يحاصر العبد، ويحبط له كل عمل، ولا يكاد يخلص له عمل واحد، وإذا خلص له عمل واحد فقد ينجو به العبد.
قيل لسهل التستري ﵀: أي شيء أشد على النفس؟!!
قال: الإخلاص إذ ليس لها فيه نصيب. .
فالنفس تحب الظهور والمدح والرياسة، وتميل إلى البطالة والكسل، وزينت لها الشهوات ولذلك قيل: تخليص النيات على العمال أشد عليهم من جميع الأعمال.
وقال بعضهم: إخلاص ساعة نجاة الأبد، ولكن الإخلاص عزيز.
وقال بعضهم لنفسه: اخلصي تتخلصي.
[ ١٠٥ ]
وقال: طوبى لمن صحت له خطوة لم يرد بها إلا وجه الله.
كان سفيان الثوري يقول: قالت لي والدتي: يا بُني لا تتعلم العلم إلا إذا نويت العمل به، وإلا فهو وبال عليك يوم القيامة.
وقد قيل لذي النون المصري - رحمه الله تعالى ـ: متى يعلم العبد أنه من المخلصين؟
فقال: إذا بذل المجهود في الطاعة، وأحب سقوط المنزلة عند الناس.
وقيل ليحيى بن معاذ - رحمه الله تعالى ـ: متى يكون العبد مخلصًا؟
فقال: إذا صار خلقه كخلق الرضيع، لا يبالي من مدحه أو ذمه.
وللعلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - كلام نفيس في مسألتنا هذه فيقول: " لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس، إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت، فإذا حَدَّثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء، فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص.
فإنْ قلت: وما الذي يسهل علىَّ ذبح الطمع، والزهد في الثناء والمدح؟
قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقينًا أنه ليس من شيء يطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه، لا يملكها غيره، ولا يؤتى العبد منها شيئًا سواه، فاطلبه من الله.
وأمَّا الزهد في الثناء والمدح، فيسهله
[ ١٠٦ ]
عليك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين، ويضر ذمه ويشين، إلا الله وحده، كما قال ذلك الأعرابي للنبي ﷺ: إن مدحي زين، وذمي شين، فقال: " ذاك الله ﷿ ". (١)
فازهد في مدح من لا يزينك مدحه، وفي ذم من لا يشينك ذمه، وارغب في مدح مَن كل الزين في مدحه، وكل الشين في ذمه، ولن يُقدَر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمتى فقدت الصبر واليقين كنت كمن أراد السفر في البر في غير مركب.
قال تعالى: " فاصبر إنَّ وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون " [الروم / ٦٠]
وقال تعالى: " وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون " [السجدة/٢٤]