التزكية في اللغة: من الزكاة، وأصل الزكاة:" الطهارة والنماء والبركة والمدح "
وهذا المعنى اللغوي هو المقصود من التزكية اصطلاحًا، فهذه المعاني الثلاثة مرتبة: التطهير، النماء، الصلاح.
فالتخلية أو التطهير لازم أولًا؛ لأننا نعيش في عصر كثر فيه الخبث، وما من أحد يعيش في المجتمع إلا أصابه من هذا الخبث بقدر اختلاطه ومعاشرته لأهل مجتمعه، فإذا أذَّن مؤذن الفلاح، وسمع العبد داعي النجاح " حي على الفلاح " وأذن الله له بتوبة، وبدأ طريق الالتزام، وعرف طريق المسجد، ودله أهل الخير على طلب العلم، فلا بد من التطهير للتخلص من رواسب الجاهلية (١) التي مر بها في أوليات حياته، لا بد من تطهير قلبه أولًا. .
ثم لا بد من تنمية جوانب الخير فيه، قال ﷺ: " إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" (٢) فبعد تطهير جوانب الإثم والضلال تتميم جوانب الخير والبر والأخلاق فتكون النتيجة الصلاح الدائم.
_________________
(١) تكلمنا في غير ما موضع عن قضية " التخلص من رواسب الجاهلية " ولي في ذلك محاضرات مسجلة تحت هذا الاسم، وراجع في ذلك كتاب " كيف أتوب؟ " ص (١١٦) في الحديث عن خلع العادات، و" إلى الهدى ائتنا " ص (١١٦ - ١٢٦)، ولنا كتاب خاص في هذا الموضوع يسَّر الله إخراجه.
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٢/ ٣٨١) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٣٤٩).
[ ١٧٢ ]
التزكية لماذا؟
إذا أردنا أن نشرب ماءً صالحًا فلا بد من تطهير الإناء وجلي الوعاء، ووعاء العلم وإناؤه القلب. . قال تعالى: " بل هو آيات بينات في صدور الذين أُتوا العلم " [العنكبوت/٤٩] وقال تعالى: " أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدًا رابيًا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبدٌ مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال " [الرعد / ١٧]
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - " فهذا هو المثل المائي، شبه الوحي الذي أنزله لحياة القلوب بالماء الذي أنزله من السماء، وشبه القلوب الحاملة له بالأودية الحاملة للسيل، فقلب كبير يسع علمًا عظيمًا، كواد كبير يسع ماء كثيرًا، وقلب صغير كواد صغير يسع علمًا قليلًا، فحملت القلوب من هذا العلم بقدرها، كما سالت الأودية بقدرها، ولما كانت الأودية ومجاري السيول فيها الغثاء ونحوه مما يمر عليه السيل، فيحتمله السيل، فيطفو على وجه الماء زبدًا عاليًا يمر عليه متراكبًا، ولكن تحته الماء الفرات الذي به حياة الأرض، فيقذف الوادي ذلك الغثاء إلى جنبتيه، حتى لا يبقى منه شيء، ويبقى الماء الذي تحت الغثاء، يسقي الله تعالى به الأرض فيحيى به البلاد والعباد والشجر والدواب، والغثاء يذهب جفاء، يجفى ويطرح على شفير الوادي.
[ ١٧٣ ]
فكذلك العلم والإيمان الذي أنزله في القلوب، فاحتملته فأثار منها بسبب مخالطته لها ما فيها من غثاء الشهوات، وزبد الشبهات الباطلة يطفو في أعلاها واستقر العلم والإيمان والهدى في جذر القلب، فلا يزال ذلك الغثاء والزبد يذهب جفاء، ويزول شيئًا فشيئًا حتى يزول كله، ويبقى العلم النافع والإيمان الخالص في جذر القلب، يرده الناس فيشربون ويسقون ويمرعون.
وفي الصحيح من حديث أبى موسى عن النبي قال: " مثل ما بعثني الله تعالى به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضًا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فانبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها طائفة أجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه دين الله تعالى ونفعه ما بعثنى الله به، فعَلِم وعَّلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " (١). أهـ (٢)
فانظر - رحمك الله - إلى هذا الحديث فهو يصف لك الحال الذي نود شرحه، فقد شبه لك فيه رسول الله ﷺ العلم بالغيث، والقلب بالأرض " كمثل غيث أصاب أرضًا "، فكما ينزل الغيث على الأرض ينزل العلم على القلب، فلو أنَّ غيثًا أصاب أرضًا بها حنظل، إذًا لزاد الغيثُ الحنظلَ مرارةً، ولو أنَّ غيثًا أصاب أرضًا بها شوك إذًا لزاد الغيثُ الشوك توهجًا، وهكذا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٩) ك العلم، باب فضل من علم وعلَّم، ومسلم (٢٢٨٢) ك الفضائل، باب بيان مثل ما بعث به النبي من الهدى والعلم.
(٢) الوابل الصيب ص (٦٨، ٦٩) ط دار الكتب العلمية.
[ ١٧٤ ]
ولو أنَّ العلم نزل على قلب به كِبر لزاد به القلب تكبرًا، وكذلك لو كان في القلب عُجب أو غرور أو حب رياسة وظهور، فإنه يزيد بالعلم ما فيه، وتصديق هذا من كتاب الله ﷿ قوله تبارك اسمه: " وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانًا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا وهم يستبشرون، وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسًا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون " [التوبة /١٢٤ - ١٢٥]
فالآية الواحدة تكون للمؤمن شفاء وللظالم خسارًا، تزيد المؤمن إيمانًا، وتزيد المنافق مرضًا في قلبه، وهذه من آيات الله، فإن نزل العلم على قلب فيه تواضع زاده تواضعًا، وإن دخل العلم على قلب فيه كبر زاده كبرًا وغرورًا.
وقال تعالى: " وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا " [الإسراء/٨٢]
ثمَّ قال جل وعلا: " قل كل يعمل على شاكلته " [الإسراء/٨٤]
فلا بد من تطهير القلب وإعداده، وإلا فستكون فتنة، وكم رأينا على الساحة وبين طلبة العلم من كان في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضًا، نسأل الله العافية، وتمام العافية، ودوام العافية لجميع المسلمين والمسلمات.
ولذلك كان السلف - رضوان الله عليهم - لا يُعَلِّمون أحدًا العلم حتى يروِّضُوا نفسه سنين كثيرة، ويظهر لهم صلاحُ نيته.
[ ١٧٥ ]
قال الإمام النووي في " مقدمة المجموع ": وقد كان عبد الرحمن بن القاسم المصري الفقيه المالكي المتوفى بمصر سنة ١٩١ هـ يقول: " خدمت الإمام مالك عشرين سنة، كان منها ثمان عشرة سنة في تعليم الأدب، وأخذت منه العلم في سنتين "
وقد كان الإمام مالك يقول: " ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم ما نفع، وعمل به صاحبه ".
وكان الإمام الشافعي يقول: " قال لي الإمام مالك يا محمد اجعل عملك دقيقًا، وعلمك ملحًا ".
فانظر - رحمك الله - ماذا يصلح الدقيق من الملح، إنها قطرات من الملح على أكوام من الدقيق فاعمل.
وكان عبد الله بن المبارك يقول: " من حمل القرآن، ثم مال بقلبه إلى الدنيا، فقد اتخذ آيات الله هزوًا، وإذا عصى حامل القرآن ربَّه ناداه القرآن في جوفه: - والله - ما لهذا حُمِلت، أين مواعظي وزواجري؟ وكل حرف منى يناديك ويقول: لا تعص ربك.
وكان الإمام أحمد بن حنبل إذا رأى طالب العلم لا يقوم من الليل يكف عن تعليمه، وقد بات عنده أبو عصمة ليلة من الليالي، فوضع له الإمام ماء للوضوء، ثم جاءه قبل أن يؤذن للصبح فوجده نائمًا، والماء بحاله فأيقظه.
وقال: لم جئت يا أبا عصمة؟ فقال: جئت أطلب الحديث.
[ ١٧٦ ]
قال: كيف تطلب الحديث، وليس لك تهجد في الليل، اذهب من حيث جئت.
وكان الإمام الشافعي يقول: " ينبغي للعالم أن يكون له خبيئة من عمل صالح فيما بينه وبين الله تعالى، فإن كل ما ظهر للناس من علم أو عمل قليل النفع في الآخرة، وما رؤى أحدٌ في منامه فقال: غفر الله لي بعلمي إلا قليلٌ من الناس.
فاقبل - أيها المتفقه - على تزكية نفسك وتطهير قلبك؛ لكى يزكو علمك وتنتفع.
قال ﷿: " قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى " [الأعلى/١٤ - ١٥]
وقال تعالى: " قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها " [الشمس/٩ - ١٠]
فائدة مهمة
قد يكون الأوجب في هذا الزمان أن يتواكب الأمران، التزكية مع التعلم؛ لأن غالب أهل الزمان يبدؤون الطلب متأخرين، والعمر قصير؛ فلذلك اطلب العلم، واحرص على التزكية معه، وليسيرا في خطين متوازيين.
يقول ابن الجوزى - رحمه الله تعالى ـ:
[ ١٧٧ ]
فصل: لا يصلح العلم مع قلة العمل.
رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب، إلا أن يمزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين؛ لأنهم تناولوا مقصود النقل، وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمراد بها، وما أخبرتك بهذا إلا بعد معالجة وذوق لأني وجدت جمهور المحدثين وطلاب الحديث همة أحدهم في الحديث العالي وتكثير الأجزاء.
وجمهور الفقهاء في علوم الجدل وما يغالب به الخصم، وكيف يرق القلب مع هذه الأشياء؟
وقد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته وهديه لا لاقتباس علمه؛ وذلك أن ثمرة علمه هديه وسمته، فافهم هذا، وامزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف والزهاد في الدنيا؛ ليكون سببًا لرقة قلبك. (١)
وقال في موضع آخر: