نماذج من أقوال السلف
كان الحسن البصري كثيرًا ما يعاتب نفسه ويوبخها فيقول: تتكلمين بكلام الصالحين القانتين العابدين، وتفعلين فعل الفاسقين المنافقين المرائين، والله ما هذه صفات المخلصين.
وكان يوسف بن أسباط يقول: ما حاسبت نفسي قط إلا وظهر لي أنني مراءٍ خالص.
كان سفيان الثوري يقول: كل شئ أظهرته من عملي فلا أعده شيئًا؛ لعجز أمثالنا عن الإخلاص إذا رآه الناس.
وكان الفضيل بن عياض يقول: إذا كان يُسأل الصادقين عن صدقهم، مثل إسماعيل وعيسى ﵉، فكيف بالكاذبين أمثالنا؟!!
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: من أراد أن يأكل الخبز بالعلم فلتبك عليه البواكي.
وقال الذهبي ﵀: ينبغي للعالم أن يتكلم بنية وحسن قصد، فإن أعجبه كلامه فليصمت، وإن أعجبه الصمت فلينطق، ولا يفتر عن محاسبة نفسه فإنها تحب الظهور والثناء.
[ ١٠٠ ]
وقال على بن بكار البصري الزاهد (ت ٢٠٧ هـ) - رحمه الله تعالى ـ: " لأن ألقى الشيطان أحب إليَّ من أن ألقى حذيفة المرعشي، أخاف أن أتصنع له، فأسقط من عين الله ".
وفي ترجمة هشام الدستوائي قال عون بن عمارة: سمعت هشاما الدستوائي يقول: والله ما أستطيع أن أقول أنِّي ذهبت يومًا قط أطلب الحديث أريد به وجه الله ﷿.
قلت - أي الذهبي ـ: والله ولا أنا، فقد كان السلف يطلبون العلم لله فنبلوا، وصاروا أئمة يقتدى بهم، وطلبه قوم منهم أولا لا لله، وحصلوه ثم استفاقوا، وحاسبوا أنفسهم، فجرهم العلم إلى الإخلاص في أثناء الطريق.
كما قال مجاهد وغيره: طلبنا هذا العلم، وما لنا فيه كبير نية، ثم رزق الله النية بعدُ.
وبعضهم يقول: طلبنا هذا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله.
فهذا أيضًا حسن، ثم نشروه بنية صالحة.
وقوم طلبوه بنية فاسدة لأجل الدنيا، وليثنى عليهم، فلهم ما نووا.
قال ﷺ: من غزا ينوي عقالًا فله ما نوى. (١)
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٥/ ٣١٥) والنسائي (٦/ ٢٤) والحاكم في المستدرك (٢/ ١٠٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٠١).
[ ١٠١ ]
وترى هذا الضرب لم يستضيئوا بنور العلم، ولا لهم وقع في النفوس، ولا لعلمهم كبير نتيجة من العمل، وإنما العالم من يخشى الله تعالى.
وقوم نالوا العلم، وولوا به المناصب فظلموا، وتركوا التقيد بالعلم، وركبوا الكبائر والفواحش فتبًا لهم، فما هؤلاء بعلماء!!
وبعضهم لم يتق الله في علمه، بل ركب الحيل، وأفتى بالرخص، وروى الشاذ من الأخبار.
وبعضهم اجترأ على الله، ووضع الأحاديث فهتكه الله، وذهب علمه، وصار زاده إلى النار. وهؤلاء الأقسام كلهم رووا من العلم شيئًا كبيرًا، وتضلعوا منه في الجملة، فخلف من بعدهم خلف بان نقصهم في العلم والعمل، وتلاهم قوم انتموا إلى العلم في الظاهر، ولم يتقنوا منه سوى نزر يسير، أوهموا به أنهم علماء فضلاء، ولم يدر في أذهانهم قط أنهم يتقربون به إلى الله؛ لأنهم ما رأوا شيخًا يقتدى به في العلم، فصاروا همجًا رعاعًا، غاية المدرس منهم أنْ يحصل كتبا مثمنة يخزنها، وينظر فيها يوما ما، فيصحف ما يورده، ولا يقرره، فنسأل الله النجاة والعفو، كما قال بعضهم: ما أنا عالم، ولا رأيت عالمًا. (١)
وفي ترجمة ابن جريج: قال الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وابن جريج: لمن طلبتم العلم؟!! كلهم يقول: لنفسي. غير أنَّ ابن جريج فإنَّه قال: طلبته للناس.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٧/ ١٥٢ - ١٥٣).
[ ١٠٢ ]
قال الذهبي ﵀ تعليقًا على هذا الخبر: " قلت: ما أحسن الصدق، واليوم تسأل الفقيه الغبي لمن طلبت العلم؟!! ".
فيبادر ويقول: طلبته لله، ويكذب إنَّما طلبه للدنيا، ويا قلة ما عرف منه " أهـ (١)
رحمك الله أيها الذهبي، فماذا كنت تقول لو أدركت بعض ما نحن فيه؟!! وكأني به قد أبصر عيوبنا في هذا الزمان، من قلة العلماء، وعدم وجود المربي الأسوة، فصار فينا هؤلاء الهمج الرعاع، دينهم الكذب، فرحماك ربنا، وعافيتك أوسع لنا.
وفي كتاب المحدث الملهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قال: من خلصت نيته في الحق، ولو على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله.