أنْ يعرفوا الله: الله جل وعلا الذي يعبدونه، الله الذي استسلموا له بالإسلام، أن يعرفوا الله. من خلال عقيدة صحيحة صافية سليمة نقية واضحة.
وأن يعرفوا رسوله: فيعرفوه معرفة حقيقية؛ ليتبعوه، وليحبوه، وليوالوه، وليقتدوا ويتأسوا به، ولا يتركوا شيئًا من سنته وعمله إلا عملوه.
وأن يعرفوا ما تلزم معرفته من أمر الدنيا والدين إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وللوسائل حكم المقاصد.
قال النبي ﷺ: " طلب العلم فريضة على كل مسلم" - وفي رواية " على كل مؤمن " (١)، وتأتى هذه الأهمية بعد قضية الإيمان بالله ﷿، فأول واجب على كل مسلم الإيمان بالله تعالى، ويليه العلم؛ لأنَّك بالتعلم تصحح إيمانك وعقيدتك، وتصحح عملك، فالتعلم هو الوسيلة التي يتمكن بها المكلف من تصحيح إيمانه، ومن تصحيح عمله.
والتعلم له طريقان بحسب طاقة الناس:
١) فمن كان قادرًا على تلقى العلم من شيوخه بالجلوس عند ركبهم، ودراسة العلوم عليهم، وجب عليه أن يتعلم الحد الواجب من العلوم بهذه الطريقة.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (١٠/ ٢٤٠)، والصغير (١/ ١٦)، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١٠/ ٣٧٥، ١١/ ٤٢٤) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٩١٣).
[ ٧٦ ]
٢) ومن لم يكن قادرًا على ذلك فليتعلم بطريقة السؤال؛ يسأل أهل الذكر وأهل العلم عن المسائل الضرورية التي يصحح بها عمله، ويصحح بها إيمانه ..
قال الله تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إنْ كنتم لا تعلمون " [النحل /٤٣]
وقال ﷺ " فإنَّما شفاء العي السؤال " (١)
وقد سلك أصحاب رسول الله ﷺ كلا المسلكين، كلٌ على قدر طاقته، وعلى قدر إمكاناته، فالمهاجرون والأنصار الذين كانوا معه في المدينة النبوية المباركة أكثرهم تلقوا العلم من فم رسول الله ﷺ، ومن لم يسمعه من فمه ﷺ يسمعه عمن سمعه منه ﷺ،. وكانوا يتناوبون على سماع العلم منه ﷺ.
في الصحيحين عن عبد الله بن عباس عن عمر ﵄ قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ، ينزل يومًا، وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك .. " (٢)
وكثير من المسلمين في عهده الذين لم يستطيعوا التعلم بهذه الطريقة تلقوه بطريق السؤال، كانوا يأتون رسول الله ﷺ من كل حدب
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري (٨٩) ك العلم، باب التناوب في العلم، ومسلم (١٤٧٩) ك الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء.
[ ٧٧ ]
وصوب يسألون عن الضروري من أمور دينهم، فيجيبهم ﷺ بأوجز وأبلغ عبارة، فيفهمون المراد، ويرجعون إلى بلادهم وأقوامهم، يبادرون إلى العمل.
فهذا رجل من ثقيف يأتي بعد أن امتن الله على قبيلته فدخلت في الإسلام لكن ذلك كان في فترة متأخرة، فيرغب في الخير الذي حصَّله من سبقه، فيسأل النبي سؤالًا جامعًا، ويجيبه النبي بإجابة بليغة وجيزة.
عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك - وفي رواية "غيرك " - قال: قل آمنت بالله فاستقم " (١)
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يفرحون بمجيء أحد من الأطراف، خاصة إذا كان من البادية؛ لأنهم كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن مسائل كان الصحابة يتهيبون من سؤاله ﷺ عنها.
ولذلك قال أنس: كنا نهاب أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء،
وكان يعجبنا أن يأتيه الرجل من أهل البادية فيسأله، ونحن نستمع. (٢)
وذلك بعد أن أنزل الله تعالى قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم" [المائدة/١٠١]
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٨) ك الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام.
(٢) أخرجه أبو يعلى في مسنده (٦/ ٨٠).
[ ٧٨ ]
بل وحتى النساء كن يحرصن على سؤاله ﷺ، وتعلم أمور الدين منه ﷺ، فكانت المرأة من الصحابيات إذا استحيت أن تسأله مباشرة، سألته بواسطة بعض أمهات المؤمنين إذا كان الأمر يتعلق بشيء مما يستحي منه النساء، وأما في غير ذلك فيسألنه ﷺ، ويحرصن على تلقي العلم منه.
في صحيح مسلم عن عائشة أنَّ أسماء ﵄ سألت النَّبي ﷺ عن غسل المحيض فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها فقالت أسماء: وكيف تطهر بها!! فقال: سبحان الله تطهرين بها.
فقالت عائشة: كأنها تخفي ذلك تتَّبعين أثر الدم.
وسألته عن غسل الجنابة فقال: تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء.
فقالت عائشة نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. (١)
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٣٢) ك الحيض، باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيضة فرصة من مسك.
[ ٧٩ ]
وانظر إلى حرص النساء على تعلم العلم منه ﷺ، جاءته أسماء بنت يزيد بن السكن ﵂ وهو بين أصحابه فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، واعلم - نفسي لك الفداء - أنه ما من امرأة كانت في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا أو لم تسمع إلا وهي على مثل رأيي، أنَّ الله بعثك إلى الرجال والنساء كافة، فآمنا بك وبإلهك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات قواعد بيوتكم، ومفضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمع، والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجًا أو معتمرًا أو مرابطا حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، أفما نشارككم في هذا الخير يا رسول الله؟!!
فالتفت النبي ﷺ إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال: سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مساءلتها عن أمر دينها من هذه!!
قالوا: يا رسول الله ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا. فالتفت النبي ﷺ إليها، ثمَّ قال: انصرفي أيتها المرأة، واعلمي من ورائك من النساء أنَّ حسن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته يعدل ذلك كله.
قال: فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر استبشارا. (١)
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٧/ ٣٦٣ - ٣٦٤)، (٢٩/ ٦٦).
[ ٨٠ ]
فهذه طريقتهم في طلب العلم وحرصهم عليه وحسن سؤالهم عن شئونهم الحقيقية، وتوصيفهم الصحيح لواقعهم بعد فهمهم الدين، فلم يكونوا يفترضون الأمثلة، ولا يطرحون الأمثلة للترف العلمي والفكري، فتعلموا ونقلوا الدين بأمانة، فوصلنا الدين من خلال هؤلاء الصحابة العلماء الأجلاء كاملًا مكملًا، فلا تجد ثغرة في ديننا ولا مسألة إلا وعندك منها علمًا، فجزى الله رسوله ﷺ عنَّا وعن أمة الإسلام خير الجزاء، وجزى صحابته خير الجزاء، وإنما أعرضوا عمَّا لا ينفع، وهذا ما علمه لهم رسول الله ﷺ: لما جاءه رجل يقول: متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها.
فأحاله على ما ينفع، ودله على أن يسأل عمَّا يفيده في دينه، وينفعه في آخرته، فأين اليوم أنت - أخي طالب العلم - من هؤلاء، وكيف تطلب؟ وعمَّ تسأل؟ وفيم تبحث؟!!!
ـ إخوتاه أحبتي في الله ـ
إنَّ قضية التعلم اليوم، قد دخلها دخن كثير، وشابتها شوائب كثيرة، ما بين خرافات موروثة من التاريخ، نقلها أهل الزيغ والعناد لا أهل العلم المتخصصون، وما بين انحرافات صنعتها أصابع معاصرة، أصابع مشبوهة، غير مخلصة، لها أغراض مريبة،
[ ٨١ ]
فما بين الخرافات الموروثة من ركام التاريخ، وما بين انحرافات المعاصرين وقع المتفقهون في تعب وحيرة، إذ بغيتهم وغايتهم معرفة الله ﷿، وعبادته بما شرع على لسان رسوله ﷺ. وهذه يجب أن تكون غاية كل مسلم يريد التفقه.، ولكن الطريق فيه كثير من المكاره والعقبات، خاصة بعد أن دخلها هذا الدخن في عصرنا الحاضر.
فهناك حاجة ماسة للمتفقهين إلى معرفة معالم الطريق الصحيح للتفقه في دين الله ﷿. فهاك عشرة منطلقات على طريق التعلم عسى أن تكون ومضات تضئ طريق الطلب، أو علامات تصحح السير.
[ ٨٢ ]