لما رأيت رأي نفسي في العلم حسنًا، فهي تقدمه على كل شيء، وتعتقد الدليل، وتفضل ساعة التشاغل به على ساعات النوافل، وتقول: أقوى دليل لي على فضله على النوافل: أنِّي رأيت كثيرًا ممن شغلتهم نوافل الصلاة والصوم عن نوافل العلم، عاد ذلك عليهم بالقدح في الأصول، فرأيتها في هذا الاتجاه على الجادة السهلة والرأي الصحيح. إلا أنى رأيتها واقفة مع صورة التشاغل بالعلم فصحْت بها:
فما الذي أفادك العلم؟ أين الخوف؟ أين القلق؟ أين الحذر؟ أو ما سمعت بأخبار أخيار الأحبار في تعبدهم واجتهادهم؟
_________________
(١) صيد الخاطر ص (١٧٠ - ١٧١)
[ ١٧٩ ]
أما كان رسول الله ﷺ سيد الكل، ثم إنه قام حتى تورمت قدماه؟
أما كان أبو بكر ﵁ شجي النشيج، كثير البكاء؟
أما كان في خد عمر ﵁ خطان من آثار الدموع؟
أما كان عثمان ﵁ يختم القرآن في ركعة؟
أما كان على ﵁ يبكى بالليل في محرابه حتى تخضل لحيته بالدموع؟ ويقول: يا دنيا غُرى غيرى!!
أما كان الحسن البصرى يحيا على قوة القلق؟
أما كان سعيد بن المسيب ملازمًا المسجد فلم تفته صلاة في جماعة أربعين سنة؟
أما صام الأسود بن يزيد حتى اخضر واصفر؟
أما قالت بنت الربيع بن خثيم له: ما لي أرى الناس ينامون وأنت لا تنام؟
فقال: إنَّ أباك يخاف عذاب البيات؟
أما كان أبو مسلم الخولاني يعلق سوطًا في المسجد يؤدب به نفسه إذا فتر؟
أما صام يزيد الرقاشي أربعين سنة وكان يقول: وا لهفاه!! سبقني العابدون، وقطع بى.
أما صام منصور بن المعتمر أربعين سنة؟
[ ١٨٠ ]
أما كان سفيان الثوري يبكى الدم من الخوف؟
أما كان إبراهيم بن أدهم يبول الدم من الخوف؟
أما تعلمين أخبار الأئمة الأربعة في زهدهم وتعبدهم؛ أبى حنيفة، ومالك، والشافعى، وأحمد؟
فاحذرى من الإخلاد إلى صورة العلم، مع ترك العمل به، فإنها حالة الكُسالى الزَّمْنَى.
وخذْ لكَ مِنْك عَلَى مُهْلَةٍ وَمقبلُ عَيْشِكَ لمْ يدبر
وَخِفْ هَجْمَةً لا تُقيلُ العَثارَ تَطْوى الوُرود عَلَى المُصْدِر
ومثِّل لِنَفْسِكَ أيُّ الرَّعيل يَضمُّكَ فِي حلبَةِ المحشَر (١)
بقي أمر مهم للغاية ألا وهو: كيف تزكو قلوبنا؟ (٢)
وهذا - لعمر الله، أمر خطير، ولكنَّه يسير على من يسَّره الله عليه.
فأول ذلك:
١) الإخلاص وقد سبق الإشارة إليه في الانطلاقة الأولى.
_________________
(١) صيد الخاطر (٧٢، ٧٣).
(٢) سيأتي في " المنطلق العاشر " منهجًا كاملًا في التربية فانظره هنالك.
[ ١٨١ ]
٢) إصلاح الفرائض.
فما تقرَّب العبد لربه بأحبّ إليه مما افترض عليه، فأصلح الصلوات المكتوبات بالمواظبة عليها في جماعة، لا تفوتك تكبيرة الإحرام خلف الإمام، وأحضر قلبك في صلاتك، ولا تلتفت، وهكذا فأصلح ما افترض عليك.
٣) مجموعة أعمال صالحة ثابتة بمنهجية في المداومة والتدرج، وشرط ذلك أنْ تكون هذه الأعمال على سنَّة النبي محمد ﷺ.
٤) الإقلاع عن المعاصي فورًا
فالمعاصي تميت القلوب، وتفسد العلم، فلابد من الإقلاع عن المعاصي ودوام التوبة وخصوصًا المعاصي القلبية من كبر وعجب وغرور، فإياك والمعاصي فإنَّها قتَّالة.
٥) العمل بالعلم
فكلَّما تعلمت شيئًا اعمل به، ولا تكتب أو تسمع حديثًا إلا وعملت به، ولو لمرة واحدة، واحذر التفريط في ذلك، فكل علم لم تعمل به حجة عليك، فليكن العمل همَّك، وانظر لأثر العلم فيك.
٦) الاهتمام بأحوال القلب من الانكسار لله، وصدق اللجأ إليه، وإقبال القلب عليه في طلب محبته ورضاه، وعمومًا أطلْ النظر إلى قلبك، وتدبر حالك.
[ ١٨٢ ]
كيف حال قلبك مع الله؟! كيف حال قلبك بعد الطاعة وحال الطاعة؟
كيف حال قلبك عند المعصية وبعد المعصية؟
كيف حال قلبك عند سماع القرآن؟ كيف حال قلبك في الصلاة؟
كيف حال قلبك عند سماع أخبار من هو أفضل منك في أمور الآخرة؟ وكيف حاله عند سماع أخبار من هو دونك؟
كيف حال قلبك عند رؤية العصاة؟ كيف حال قلبك عند مشاهدة أهل البلاء؟
كيف حال قلبك في الخلوة مع القدرة على المعصية؟
كيف حال قلبك عندما تعرض عليه فعل طاعة؟ تأمل دومًا حال قلبك، أصلح الله قلبي وقلبك.
٧) مطالعة سير الصالحين والعلماء العاملين، فإنَّ لها فضلًا في بعث الهمَّة على تزكية النفس.
فلا تغفل عن تزكية النفس، فالنفوس تتفاوت، فلكلٍ منها ما يصلحها، فانظر إلى ما يُصلح قلبك فاعمل به، وسل الله العافية.
قال صاحب مختصر منهاج القاصدين: فأمَّا علم المعاملة، وهو علم أحوال القلب كالخوف والرجاء والرضا والصدق والإخلاص
[ ١٨٣ ]
وغير ذلك فهذا العلم ارتفع به كبار العلماء وبتحقيقه اشتهرت أذكارهم كسفيان وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد.
وإنَّما انحطت رتبة المسمين بالفقهاء والعلماء عن تلك المقامات لتشاغلهم يصور العلم من غير أخذ على النفس أنْ تبلغ إلى حقائقه وتعمل بخفاياه " أهـ (١)
_________________
(١) مختصر منهاج القاصدين ص (٢٧) ط دار عمَّار بتحقيق على حسن عبد الحميد.
[ ١٨٤ ]