قد ذكر العلامة عبد الرحمن بن قاسم النجدي صاحب حاشية الروض المربع في بداية حاشيته أصول وقواعد وتنبيهات على أصول الأحكام ننقلها هنا لأهميتها.
قال - رحمه الله تعالى ـ: قال شيخ الإسلام وغيره:
١) وقول بعض الأئمة كالأربعة وغيرهم ليس حجة لازمة، ولا إجماعًا باتفاق المسلمين، إذا خرج من خلافهم متوخيًا مواطن الاتفاق مهما أمكنه كان آخذًا بالحزم.، وعاملًا بالأولى.، وكذلك إذا قصد في مواطن، وتوخي ما عليه الأكثر منهم، والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد، فإنه قد أخذ بالحزم والأحوط والأولى، ما لم يخالف كتابًا ولا سنة.
٢) وكل مسألة دائرة بين نفي وإثبات لا بد فيها من حق ثابت في نفس الأمر أو تفصيل، وإن كان لا يمكن أن يعمل فيها بقول يجمع عليه، لكن - ولله الحمد - القول الصحيح عليه دلائل شرعية، تبين الحق.
٣) وأجمع المسلمون على أن الله أعطى نبيه محمد ﷺ جوامع الكلم.، فتكلم بالكلمة الجامعة العامة التي هي قضية كلية، وقاعدة عامة، تتناول أنواعًا كثيرة.، وتلك الأنواع تتناول أعيانًا لا تحصى، وبهذا الوجه تكون النصوص محيطة بأحكام أفعال العباد، ولا ينكر ذلك إلا من لم يفهم معاني النصوص
[ ٢١٧ ]
العامة وشمولها.، وقال تعالى: " اليوم أكملت لكم دينكم " [المائدة /٣]، وقال ﷺ: "وتركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك (١) ".
٤) ولما كان كثير من المسائل لا يعرفها كثير من الناس، أمروا بسؤال أهل العلم بالأحكام، قال تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " [النحل /٤٣]، وقال ﷺ "ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال" (٢)، فالواجب على المكلف إذ لم تكن فيه أهلية لمعرفة الدليل من الكتاب والسنة سؤال أهل العلم.، وليس المراد التقليد المذموم.، وهو أن يقلد الرجل شخصًا بعينه في التحريم والتحليل بغير دليل، بل المراد الاقتداء الذي لا يعرف الحق إلا به، وهو الاقتداء بمن يحتج لقوله بكتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ، وليس في الحقيقة بمقلد، بل متبع لتلك الأدلة الشرعية، مجتهد فيما اختاره. داخل تحت قوله " واجعلنا للمتقين إماما " [الفرقان /٧٤] أئمة نقتدي بمن قبلنا، ويقتدي بنا من بعدنا ..
٥) وكل قول صحيح فهو يخرج على قواعد الأئمة الأربعة بلا ريب، فقد اتفقوا على أصول الأحكام،. فإذا تبين رجحان قول وصحة
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٤٣) في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (٤١).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٣٦) ك الطهارة، باب في المجروح يتيمم، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٣٢٥)
[ ٢١٨ ]
مأخذه خرجه على قواعد إمامه. فهو مذهبه، وقد صرحوا بأن النصوص الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها ولا ناسخ. وكذا مسائل الإجماع لا مذاهب فيها.، وإنما المذاهب فيما فهموا من النصوص،. أو علمه أحد دون أحد، أو في مسائل الاجتهاد ونحو ذلك.، واتفقوا على أنه لا يجوز أن يقال: قول هذا صواب دون قول هذا إلا بحجة.
٦) أقوال أهل العلم يحتج لها بالأدلة الشرعية. لا يحتج بها على الأدلة الشرعية، وتذكر وتورد في المعارضات والالتباس.، والعلم بها من أسباب الفهم عن الله ورسوله.
فإنهم قصدوا تجريد المتابعة للرسول ﷺ، والوقوف مع سنته، ولم يلتفتوا إلى خلاف أحد، بل أنكروا على من خالف سنة رسول الله ﷺ، كائنًا من كان، ولا يجوز تعليل الأحكام بالخلاف، فإن تعليلها بذلك علة باطلة في نفس الأمر،.فإن الخلاف ليس من الصفات التي يعلق الشارع بها الأحكام في نفس الأمر، وإنما ذلك وصف حادث بعد النبي ﷺ، وليس يسلكه إلا من لم يكن عالمًا بالأدلة الشرعية في نفس الأمر؛ لطلب الاحتياط.
٧) فضل الأئمة الأربعة وكذا غيرهم من أئمة الدين، ووجوب توقيرهم واحترامهم، والتحذير من بغضهم وازدرائهم قد تظاهرت به الآيات وصحيح الأخبار والآثار، وتواترت به الدلائل العقلية والنقلية وتوافقت.
[ ٢١٩ ]
وهم أهل الفضل علينا، ونقلوا الدين إلينا، وعول جمهور المسلمين على العمل بمذاهبهم، من صدر الإسلام إلى يومنا هذا،.بل لا يعرف العلم إلا من كتبهم، ولم يحفظ الدين إلا من طريقهم.، فيجب احترامهم وتوقيرهم، والاعتراف بقدرهم، وتحسين الظن بهم،. فهم من خيار الأمة، وخلفاء الرسول ﷺ، ومعرفة أقوالهم سبب للإصابة ومعرفة الحق، لا سيما أهل الحديث فإنهم أعظم الناس بحثًا عن أقواله ﷺ، وأفعاله، وتقريراته، وطلبًا لعلمها، وأرغب الناس في اتباعها، وأبعد الناس عن اتباع ما يخالفها.
ومقدمهم الإمام أحمد بن حنبل الذي قال فيه شيخ الإسلام وغيره: أحمد أعلم من غيره بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين، ولا يكاد يوجد له قول يخالف نصًا، كما يوجد لغيره، لكن لا ندعي فيه ولا في أحد منهم العصمة، ولا نتخذهم أربابًا من دون الله، وما وجد في بعض كتبهم من خطأ فمردود على قائله، مع إحسان الظن به.
والفقهاء المنتسبون إليهم لم يختاروا مذاهبهم عند عدم الدليل إلا عن اجتهاد لا عن مجرد تقليد، كما ظنه من لم يحقق النظر في مصنفاتهم، ومع ذلك فليسوا بمعصومين. " (١).
ثمَّ أشار إلى مسألتنا هذه - أعني التمذهب - وبين القول الفصل فيها، وأنَّ التمذهب غير واجب، كما أنَّ اتباع الهوى غير مشروع، وإنما ندور مع الدليل حيث دار، وليس معنى هذا أنْ تهجر المذاهب كما
_________________
(١) حاشية الروض المربع ص ١١.
[ ٢٢٠ ]
يظن بعضنا، إذ فرق بين كونه غير واجب وبين القول بحرمته، وإنما نقول: إنَّ التمذهب للناشئ في الطلب أمر جيد يضبط له العلم، ثمَّ عندما ترسخ قدمه، ويعرف الحق بأدلته، فإنما يلزمه الدليل، لاسيما والأمر قد يشتبه على الكثيرين، مع الاختلاف الأصولي حول بعض الأدلة، ناهيك عن الاختلاف في الدلالات وتعيين بعضها دون الآخر.
يقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم النجدي: " ولا يجب التزام مذهب معين إلا قول رسول الله ﷺ، ومن التزام مذهبًا معينًا ثم فعل خلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه، ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك، ومن غير عذر شرعي يبيح له فعله،. فإنما يكون متبعًا لهواه، فإنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجبًا أو محرمًا، ثم يعتقد الواجب حرامًا والمحرم واجبًا بمجرد هواه، كمسألة الجد، وشرب النبيذ، وأما إذا تبين له ما يوجب رجحان قول على قول بالدليل، أو رجحان مفت فيجوز بل يجب، والعاجز إذا اتبع من هو من أهل العلم والدين، ولم يتبين له أن قول غيره أرجح، فهو محمود مثاب، والله الموفق للصواب."
إخوتاه ..
لقد كان من الإيجابيات التي تذكر للعمل الإسلامي المعاصر أنه كسر حاجز التقليد، وحمل على عاتقه تجديد العمل بالأدلة الشرعية، وأزال الغبار عن كتب السنة بعد أن أوشكت أن
[ ٢٢١ ]
تكون نسيًا منسيًا، وقد يكون من بين الآثار الجانبية لهذا العمل بعض الغلو الذي تتسم به غالبًا ردود الأفعال، فإذا كان بعض الناس يوجبون التقليد، حتى على المتخصصين من أهل العلم، جاء من أبناء العمل الإسلامي من يحرمه حتى على العامة.
وإذا كان الناس لا يعرفون أدلة على الفقه إلا مقالات الأئمة، فقد جاء من أهل العمل الإسلامي من يرد مقالات الأئمة كافة ويقول: " هم رجال ونحن رجال ".، ويشترط لصحة الفتوى أن تكون مصحوبة بالدليل، وإلا فهي رد، مهما كانت مرتبة السائل ومرتبة المسئول.
والذي عليه سلف الأمة - وهو قول الجمهور - أنَّ التقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد، قال تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر " [النحل /٤٣ - ٤٤] فهذه الآية نص وجوب رجوع الجاهل إلى أهل الذكر، وسؤالهم عما لا يعلمه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " والذي عليه جماهير الأمة أنَّ الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد ". (١)
قال ابن قدامة: " وأما التقليد في الفروع فهو جائز إجماعًا، فكانت الحجة فيه الإجماع؛ ولأن المجتهد في الفروع إما مصيب وإما مخطئ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢٠٢).
[ ٢٢٢ ]
مثاب غير مأثوم، .. فلهذا جاز التقليد فيها بل وجب على العامي ذلك " (١)
وقال أيضًا: " وذهب بعض القدرية إلى أنَّ العامة يلزمهم النظر في الدليل في الفروع أيضًا، وهو باطل بإجماع الصحابة، فإنهم كانوا يفتون العامة ولا يأمرونهم بنيل درجة الاجتهاد، وذلك معلوم بالضرورة والتواتر من علمائهم وعوامهم.
ولأن الإجماع منعقد على تكليف العامي الأحكام، وتكليفه رتبة الاجتهاد يؤدي إلى انقطاع الحرث والنسل، وتعطيل الحرف والصنائع، فيؤدي إلى خراب الدنيا.
ثم ماذا يصنع العامي إذا نزلت به حادثة، إن لم يثبت لها حكم إلى أن يبلغ رتبة الاجتهاد فإلى متى يصير مجتهدًا، ولعله لا يبلغ ذلك أبدا، فتضيع الأحكام، فلم يبق إلا سؤال العلماء، وقد أمر الله تعالى بسؤال العلماء في قوله تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " [النحل /٤٣] (٢)
ويقول الرازي في المحصول: " يجوز للعامي أن يقلد المجتهد في فروع الشرع خلافًا لمعتزلة بغداد " ثم استدل على ذلك بقوله: " لنا وجهان: الأول: إجماع الأمة قبل حدوث المخالف؛ لأن العلماء في كل عصر لا ينكرون على العامة الاقتصار على مجرد أقاويلهم، ولا يلزمونهم أن يسألوهم عن وجه اجتهادهم " (٣)
_________________
(١) روضة الناظر ص٣٨٢ ط جامعة الإمام محمد بن سعود.
(٢) روضة الناظر ص (٣٨٣).
(٣) المحصول (٦/ ١٠١) ط جامعة الإمام محمد بن سعود.
[ ٢٢٣ ]
يقول محمد الأمين الشنقيطي: " ولم يخالف في جواز التقليد للعامي إلا بعض القدرية، والأصل في التقليد قوله تعالى: " ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " [التوبة/١٢٢]، وقوله تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " [النحل /٤٣] وإجماع الصحابة عليه " (١)
فلابد للعامي الذي لم يبلغ رتبة الاجتهاد أن يتبع قول إمام من الأئمة حتى لا يتفرد بفهم ليس له سلف في مسألة من المسائل، وإلا كان مبتدعًا في الدين، ومتبعًا لغير سبيل المؤمنين في هذه المسألة، قال تعالى: " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا " [النساء/١١٥]