كيف تتكون هذه الملكة؟
لتكوين الملكة الفقهية شروط هي:
أولًا: الاستعداد العقلي والقلبي والشخصي للمتفقه.
فأما استعداده العقلي فينبغي أن يكون المتفقه ذكيًا، قوي المدارك، يعرف مقتضى الكلام ومعناه، عنده ملكة جيدة في الحفظ والاستذكار، ولذلك كانوا يبدأون بحفظ القرآن لصقل هذه الملكة عند طالب العلم، وليعتاد ذلك منذ الصغر وتقدير مقوماته الإدراكية، فضلًا عن النور الذي يبعثه القرآن في صدره.
وأما استعداده القلبي والخلقي فأعني أن يكون المتفقه صافي النفس من أدران الدنيا وشوائبها، مخلصًا في طلب الحق والمعرفة، عدلا يجتنب المعاصي ويلتزم بالطاعات، متحليًا بصفات المروءة
وقد كان سلفنا الصالح يختبرون المتعلم أولًا، فإن وجدوا فيه خلقًا رديئًا منعوه؛ لئلا يكون آلة فساد، وإن وجدوه مهذبًا علموه، ولا يطلقونه قبل الاستكمال خوفًا على فساد دينه ودين غيره.
أما استعداده الشخصي فإن تكوين الملكة الفقهية يحتاج إلى كبير همة وجد ومثابرة وصبر على ذل التعلم، فالمتفقه لا يترك لحظة دون تعلم واستكثار من ميراث النبوة، وتعاهده بالحفظ، والمذاكرة المستمرة
قالوا: العلم ما ثبت في الخواطر لا ما حوته الدفاتر.
[ ٣٢٧ ]
ثانيًا: المعلم الحاذق القدوة
لا شك أنَّ وجود المعلم المربي من أركان هذا البناء، فنحن في حاجة إلى شيخ متقن لعلمه متمكن فيه ملم بآفات النفوس ويحسن تهذيبها، وفي ظل افتقاد الأمة لهذا الرجل القدوة تظل الإشكالية مطروحة، ومن هنا علينا إيجاد هذه النماذج في الأمة، والبحث عنها، والاستكثار منها، وتأهيل القائمين على العملية التعليمية وفق منهج علمي صحيح ليكثر سواد هؤلاء المعلمين.
فمن شرطه:
١) أن يكون معروفًا بالديانة والستر والصيانة، وإلا فإنَّ أخطر وبال على طالب العلم أن يتلقى تعليمه من أهل المعاصي والفسوق، فيشب الفتى متلطخًا بما رباه عليه أستاذه بحاله قبل مقاله.
قال محمد بن سيرين: إنما هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
٢) أن يكون بصيرًا بطريقة التلقين والتعليم بحسب مرحلة الطالب وقدرته، ماهرًا في عرض المادة العلمية، لديه القدرة على الإيضاح بوسائل شتى، عاملًا على صقل مواهب تلاميذه.
[ ٣٢٨ ]
ثالثًا: اتباع منهج علمي أصيل
من المقومات الأساسية للملكة الفقهية وجود منهج دراسي أصيل يتلقاه المتفقه في مراحل دراسته، ويتمثل في العلوم الأساسية التي ينبغي له أن يدرسها وهي:
١) معرفة القرآن وعلومه.
فالقرآن أقوى شيء في تكوين الملكة الفقهية، وبناء الأخلاق والنفوس، قال الشاطبي ﵀: " إن الكتاب قد تقرر أنَّه كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه، وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير واستدلال عليه لأنه معلوم من دين الأمة، وإذا كان كذلك لزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة، وطمع في إدراك مقاصدها، واللحاق بأهلها: أن يتخذه سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي نظرًا وعملًا، لا اقتصارا على أحدهما، فيوشك أن يفوز بالبغية، وأن يظفر بالطلبة، ويجد نفسه من السابقين وفي الرعيل الأول " (١)
فالقرآن الكريم لا يخلق بكثرة النظر، وكلما نظر الإنسان فيه ازداد علمًا وفقهًا، فعلى المتفقه أن يحفظ القرآن الكريم أولًا وقبل أي شيء
_________________
(١) الموافقات (٣/ ٣٤٦)
[ ٣٢٩ ]
آخر، ويتقن تلاوته، فيلم بعلم التجويد، ولا يتعجل ويرمي إلى دراسة الفقه وعلومه قبل أن يكون أتم حفظ القرآن الكريم.
ثمَّ ينهل من معين علومه قسطًا فيعرف الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، والقراءات القرآنية.
٢) معرفة السنة وعلومها.
فيبدأ بحفظ بعض المتون المختصرة كالأربعين النووية ونحوها ليتسع محصوله من السنة شيئًا فشيئًا بعد ذلك.
ويلم بعلوم الحديث، فيعرف " أسباب ورود الحديث " و" الناسخ والمنسوخ " و" الجرح والتعديل " يلم من ذلك بطرف.
وثمَّ مسالة مهمة في هذا وجب التنبيه عليها، وهي أنَّ الصحوة لما قامت وبينت أهدافها في لزوم رجوع الأمة إلى المعين الصافي من الكتاب والسنة، واكب ذلك اهتمام عظيم بعلوم السنة بفضل مجدد العصر عليه رحمات الله الشيخ / محمد ناصر الدين الألباني، وكثر الباحثون في هذا المجال بفضل الله تعالى، ولكن مع ظهور الفهارس العلمية ناهيك عن التقنيات الحديثة الآن دخل في هذا المضمار من ليس أهلًا له، والشيخ ﵀ شنَّ عليهم حملات متتابعة تشهد بذلك مقدمات مصنفاته الأخيرة، ولكن اختلط الحابل بالنابل، وصار ديدن
[ ٣٣٠ ]
البعض لا يخرج عن فلك " مصطلح الحديث " و" تحقيق وتخريج الأحاديث " تحت الزعم بأنَّه نشر للسنة، والواقع يكذب ذلك، ومن ثمَّ لابد من ترشيد طلاب العلم في هذا الجانب، فلا يكون جل اهتمامه في علم واحد، ويترك حفظ القرآن وتعلم أبواب الفقه والإلمام بالأصول وإتقان اللغة، ولعل هذا من واجبات " الجيل الثاني " الذي لم تبدُ بعدُ معالمه منذ رحل العلامة الشيخ الألباني ﵀
وعلى طالب العلم أنْ يبدأ في التعرف على كتب السنة وطرق مصنفيها، ليعرف كيفية استخراج الحديث من هذه الكتب، وفي ظل وجود الحاسب الآلي وغيره من التقنيات الحديثة فإني لا أنصح بالتعامل مع هذه الوسائل إلا بعد أن يكتسب طالب العلم مهارة التخريج من الكتب، وهذا ليس من قبيل التعسير، بل هذا من محض التجربة، نعم نحن لا نقلل من هذه التقنيات وأنها وسيلة بحثية جيدة، لكن لا يبدأ بها طالب العلم، وإلا فإنها ستهدم ملكة البحث والتنقيب عنده، والتي لها من المزايا ما لا يدركه إلا من جرب ذلك.
فاجمع بين الأمرين، تدرب جيدًا مع الكتب، ثمَّ استخدم هذه التقنيات بعد أن يرسخ قدمك، فسوف تجد من المنفعة ما لا يعرفه إلا خبير بهذا الشان.
وينبغي أن تمتد صلتك بالمتون إلى الشروح، والانتفاع بما فيها من علم غزير، وعادةً سوف تكون هذه المراجع بغيتك في فترة لاحقة، ولكن في البداية استأنس بها، ثمَّ عندما تستكمل أدواتك فسوف يعظم قدر هذه الكتب عندك بعد ذلك.
[ ٣٣١ ]
٣) معرفة علوم اللغة.
ينبغي للمتفقه أن يلم بعلوم اللغة من نحو وصرف وبلاغة وأدب؛ ليتمكن من فهم نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية حق الفهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " إنَّ تعلم اللغة العربية من الدين، وإنَّه فرض واجب لفهم مقاصد الكتاب والسنة ومراد الشارع من خطابه، فإنَّ فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهمان غلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " (١)
أما الشاطبي ﵀ فيقول: " الشريعة عربية، وإذا كانت عربية فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم؛ لأنهما سيان في النمط ما عدا وجوه الإعجاز، فإذا فرضنا مبتدئًا في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة، أو متوسطا فهو متوسط في فهم الشريعة، والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية فإن انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة، فكان فهمه فيها حجة كما كان فهم الصحابة وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حجة، فمن لم يبلغ شأوهم فقد نقصه من فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم، وكل من قصر فهمه لم يعد حجة ولا كان قوله فيها مقبولا، فلا بد من أن يبلغ في العربية مبلغ الأئمة فيها كالخليل وسيبويه والأخفش والجرمي والمازني ومن سواهم " (٢)
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم ص (٢٠٧)
(٢) الموافقات (٤/ ١١٥).
[ ٣٣٢ ]
فالشاطبي ﵀ جعل مدار علوم الاجتهاد على أمرين:
١) الإلمام بعلوم اللغة ٢) البصر بمقاصد الشريعة.
ولكنه يرى أنَّه ينبغي أن يستفرغ المتفقه الوسع في تحصيلهما حتى يصل في اللغة - مثلًا - كما يقول هو: إلى درجة الخليل وسيبويه والاخفش ونحو من فحول علماء اللغة.
وإن كان في هذا نوع تجوز إلا أنه يفيدنا هنا خطورة دور اللغة وصلتها الوثيقة بالعلوم الشرعية.
وعلى كل حال ينبغي لطالب العلم أن يبدأ بدراسة متن من متون النحو كالأجرومية ثمَّ يثني بكتاب كـ " قطر الندى " أو " شذور الذهب " لابن هشام، ثمَّ يترقى إلى شروح ألفية ابن مالك كشرح ابن عقيل أو الأشموني وحاشية الصبان عليها، إلى أن يصل لدراسة " مغني اللبيب " لابن هشام أيضًا.
وفي الصرف يحفظ الشافية، ويلم بشروحها.
وفي البيان يبدأ بالكتب اليسيرة كالبلاغة الواضحة، وينتقل للمتون كتلخيص المفتاح للخطيب القزويني، ومن اخطر ما كتب في هذا الفن كتب عبد القاهر الجرجاني لا سيما " دلائل الإعجاز " و" أسرار البلاغة "
[ ٣٣٣ ]
٤) دراسة الفروع الفقهية.
وهي دراسة الفقه بمعناه "التشريعي " بمعرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية في كتاب الله أو سنة رسول الله أو الإجماع أو بالقياس وغيرها من الأدلة الشرعية.
والمتفقه ينبغي أن يحفظ مختصرًا في الفقه على مذهب من المذاهب، يتلقاه على شيخ حاذق، ثمَّ بعد ذلك يبدأ في التوسع مرحليًا، وقد رتب أهل العلم الكتب التي يبدأ بها طالب العلم ثم بماذا يثني في مرحلة التوسط ثمَّ ماذا يقرأ في مرحلة الاستقصاء والانتهاء وهكذا
فمثلًا: في الفقه الحنبلي ألف ابن قدامة ﵀ " عمدة الأحكام " للمبتدئ ثمَّ " المقنع " لمن هو أعلى منه ثمَّ " الكافي " ثم في النهاية " المغني " وهكذا.
وينبغي على طالب العلم ألا يتعدى مرحلة دون أن يصل إلى رسوخ القدم فيها، ولا عليه أن يتعرض للفقه المقارن في البداية فإنَّه مدعاة لتشويش ذهنه بالخلافيات فتدبر ذلك فكم زلت أقدام بسبب عدم سماع النصيحة في ذلك فإلى الله المشتكى.
٥) الإلمام بعلم أصول الفقه والقواعد الفقهية
وهذا أهم العلوم للفقيه، وهو الآلة التي يتوصل بها للاجتهاد، وهذه الدراسة تكون بعد أن يلم طالب العلم
[ ٣٣٤ ]
بمختصر من المختصرات الفقهية، وبعد أن يلم بطرف من العلوم اللغوية إذ منهما يستمد.
" واعلم أنَّ هذا الفن طويل عميق، لا تحصل البضاعة منه إلا في مدة متطاولة " (١) وقد أدخل المتأخرون فيه من الكلاميات والجدليات ما جعله يعسر على كثير من شداة هذا الفن، ولكن ثمة جهود تبذل الآن لتنحية مثل هذه الكلاميات عن صلب العلم، وهناك بعض الكتب الجيدة في هذا الباب.
والفائدة التي تعود على المتفقه من تعلمه الأصول أنَّه ينمي ملكته فتبدأ في حصر المتفرقات وضبطها، وتربي عنده ملكة الاستنباط، وتبصره بطريقة التعامل مع النصوص لاستخراج الحكم الفقهي.
٦) معرفة مقاصد الشريعة الإسلامية.
ونعني بها المعاني الملحوظة في الأحكام الشرعية، ومن المعلوم أن المتفقه لا يدرك ذلك إلا بعد أن يغوص في العلوم الشرعية حتى يبدأ في فهم سنن الله الكونية والدينية ويستصحب ذلك
_________________
(١) ترتيب العلوم للمرعشي ص (١٥٧) ط دار البشائر الإسلامية.
[ ٣٣٥ ]
فتعينه على الترجيح بين الأدلة المتعارضة والجمع بينهما، ورد المتشابه إلى المحكم، وقراءة الواقع وتدبره وفق أصول صحيحة، وكم من مسائل فقهية لا يمكنك أن تنتهي فيها إلى رأي جازم دونما استصحاب هذه المقاصد الشرعية.
ومن البدهي أن نقول: إنَّ الإمام الشاطبي هو فارس هذا الميدان، وقد سطر من بعده الطاهر بن عاشور وعلال الفاسي بعد الدراسات القيمة أيضًا، لكن ما ينبغي التنبيه إليه أنْ إحاطة المتفقه بهذه المقاصد على الوجه المرجو لا تكون إلى بعد رسوخ قدمه في العلوم الشرعية - كما تقدم بيانه - فانتبه.
٧) فهم الواقع المعاصر.
لابد للمتفقه أن يكون ملمًا بواقعه المعاصر، مدركًا للتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تحدث في زمانه، ولا يجوز له بحال من الأحوال تجاهلها، لأنَّه حينئذٍ لن يكون محيطًا بفقه الواقعة فيصعب أن ينزل النص لهذا الواقع الذي يجهله، وهنا تتخبط أقدام، والله المستعان أن يظهر في الأمة من يعوضنا من ذهب من علمائنا الأفذاذ، والذين استقامت عندهم الرؤيتان، وأن ينبت من جيل " الصحوة " علماء في شتى المجالات، حتى تتبين الأمور في ظل هذه
[ ٣٣٦ ]
الغيوم التي يفرزها " الغزو الثقافي " و" الحملات العلمانية " الداعية إلى فصل الدين عن الحياة، وتقديم العقل على النقل، ومواجهة أهل الدين بالتقدم التقني الغربي وأنَّه كان من نتاج العلمانية في أوروبا يوم فصلوا الدين عن الدولة، إلى غير ذلك من هذه المهاترات التي تحتاج إلى فرسان في كل ميدان، يذبون عن دين الله، ويقيمون الحجة على الناس، فانتبه أيها المتفقه فلست بمعزل عن عصرك وإقليمك.