إذا كان تكوين الملكة الفقهية يحتاج إلى أركان ثلاثة: المتفقه والمعلم والمنهج، فإنَّ تنمية هذه الملكة لتحصل على أتم وجه يحتاج إلى الممارسة العملية، ووضع المتفقه أمام مشكلات عصره، ومحاولة تقويم طريقته في علاج تلك المشكلات.
فبعد أن مرَّ بفترة من التأهيل النظري نحتاج إلى وضعه في مواجهة الواقع، كأن تربى عنده ملكة الاجتهاد الجزئي بتكليفه ببحث مسألة من المسائل، ودراستها دراسة متأنية، وهنا نقف على مدى إمكانياته، ولا يتم ذلك قبل التأهيل، أعيد ذلك وأكرر؛ لأننا نعاني في هذا الزمان من قلة الصبر، واستعجال قطف الثمار قبل نضوجها.
من الأمور التي تنمي الملكة عنده أيضًا، تعويده الموازنة بين المصالح والمفاسد.
[ ٣٣٧ ]
فيعرف المصلحة الشرعية المعتبرة ومتى يقدمها، ومتى يدرأ المفسدة قبل جلب المصلحة، هذه تطبيقات فقهية لازمة، وله أن يستأنس بكتاب " قواعد الأحكام في مصالح الأنام " للعز بن عبد السلام، و" ضوابط المصلحة " للبوطي
كذلك تعويده طرق الجمع بين الأدلة التي تبدو مختلفة عند الوهلة الأولى ومن أفضل ما يستعين به في ذلك كتاب " تأويل مختلف الحديث " لابن قتيبة.
كذلك تعويده الحوار الفقهي وقراءة المناظرات الفقهية التي تقوي الملكة عنده، ولكن يُحَذَّر هنا من التعصب أو الجدل البيزنطي الممقوت، بل يناقش بدليل، لا ينتصر لمذهب إلا سنة المصطفى ﷺ، ولا ينتقص من مخالف بل يقول دائمًا: قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول مخالفي خطا يحتمل الصواب.
ومما يقوي الملكة عنده الرحلة إلى العلماء، والاستكثار منهم، فكلما زاد شيوخه اتسع علمه.