الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، والذي يفتح للناس أبواب العلم والحكمة والفهم، ويصرف عنهم أبواب الشبهات التي هي شراك الشيطان وشباكه.
والصلاة والسلام على خير خلقه الذي بعث للناس معلمًا، فكان العلم في القرآن الذي نزل عليه، والسلوك والعمل الذي عمل به، والسمت والهيئة التي كان عليها ﷺ، فكان العلم والإيمان قرينين، وكانت الخشية هي الثمر المستطاب للعلم النافع الصحيح، قال تعالى: " إنَّما يخشى الله من عباده العلماء " [فاطر/٢٨].
ورضي الله عن الصحابة الكرام الذين ورثوا العلم من النبي ﷺ، فكانوا للناس أمنًا وأمانًا، كما قال ﷺ: " وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى على أمتي ما يوعدون "
وقال ﷺ مبينًا صفة الفرقة الناجية ـ: ما أنا عليه وأصحابي ". (١)
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٦٤١) ك الإيمان عن رسول الله، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، وقال: حسن غريب، وحسنه الألباني (٥٣٤٣) في صحيح الجامع.
[ ١١ ]
وفي حديث البخاري ومسلم يقول ﷺ: " من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم، والله يعطي، ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ".
" والفقه ": الفهم في العلم، " والله يعطي " يعني فهمًا في العلم الذي قسمه النبي ﷺ، " وظاهرين على الحق " يعني عارفين للعلم عاملين به، مستقيمين عليه، فلا بقاء للأمة إلا بالعلم، فإذا ضاع العلم ضاعت الأمة، كما روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمرو أن النبي ﷺ قال: " إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا " (١)
ولقد صنَّف العلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد كتاب " حلية طالب العلم " جمع فيه الوصايا الطيبة والمنهج الرصين لطالب العلم ليسير عليه، وكتب كثير من شيوخ العلم الكتب الضافية في ذلك، ومع ذلك لا يزال المسلم في حاجة إلى وصايا في طلب العلم، فترى القوم بين مستفت على ترتيب الطلب، وسائلٍ عن رؤوس العلم ومهامه، وسائل عن طرق تحصيل العلم وسبل تيسيره، وسائلٍ عن علاج عيوب الفهم وعن اجتناب النسيان.
فجاء هذا الكتاب الطيب الذي نقدم له - نفع الله به - جامعا لشتات هذه المسائل.
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخار ي (١٠٠) ك العلم، باب كيف يقبض العلم، ومسلم (٢٦٧٣) ك العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن.
[ ١٢ ]
وأحب أن ألفت النظر في هذا المقام إلى أنَّ شيوخنا السابقين من المؤسسين لدعوة السنة في مصر قاموا في مطلع القرن السابق ووسطه، فوجدوا من حولهم نار البدعة ودخن المعاصي قد أصابت الناس، فصار الدين غريبًا بين أهله في نصه ومنطقه، وفي عمله وتمثيله، وفي هيئته وسمته، فقاموا - كالذي يطفئ حريقًا - يتتبعون اللهب ثمَّ أثر الدخان حتى خمد الحريق، فظن كثير ممن عاصرهم وسار سيرتهم أن هذا هو طريق العلم الذي ربى شيوخنا عليه طلبتهم، والذي يريدونه من تلامذتهم، وأنَّ من خالف ذلك فقد خالف الشيوخ المعلمين، وهذا فهم غير صحيح؛ فإنَّ شيوخ السنة إنما يقربون العلم لأهل عصرهم بحسب حاجتهم إليه، ويراعون حال الناس فيعطونهم ما يحتاجون إليه، ولا يقدمون على التوحيد شيئًا، ولا يأخذون علوم الشرع من غير طريق الأئمة قبلهم، حيث فهم السلف للقرآن والسنة وهجران البدعة.
واليوم وقد أثمر الله ثمارًا جليلة من وراء جهاد الشيوخ قبلنا وجب علينا الرجوع إلى المنهجية في العلم، وأن نجعل منطلقاتنا في ذلك منهج سلف الأمة في العلم والعمل، فالله نسأل أن يوفق المسلمين لتعلم دينهم ونشره في الناس في كافة أرجاء الأرض، وإنَّ ذلك يبدأ - ولابد - من المسلمين خاصة في البلاد الناطقة بلغة القرآن.
وبعد فهذا الأخ الفاضل الشيخ / محمد حسين يعقوب - الذي جعل الله لكلماته القبول في الناس في مواعظه وأشرطته - يكتب كتابًا سماه (منطلقات طالب العلم) فصَّل فيه حول الإخلاص وصدق النية
[ ١٣ ]
ثمَّ علو الهمة في الطلب والتغلب على شتى الهموم، ثمَّ ماذا نتعلم؟ ثمَّ أفرد فصلًا لتزكية النفوس، وأوصى بالسلفية وفهم السلف، وبيَّن التقليد ومعناه وحكمه، ثمَّ مصدر العلم وطرق التلقي، فقسَّم كتابه إلى منطلقات عشرة، سهلة المنال، عذبة المقال، فنوصي أحبابنا بالتدبر في القراءة، والكتاب ليس لينتهي إليه القارئ بل لينطلق منه لطلب العلم والسعي لجمعه.
والله من وراء القصد
وكتبه
محمد صفوت نور الدين
[ ١٤ ]