١ - أن تراعيَ تخصصَه: حيث يغلبُ على العالم فن من فنونِ العلمِ، فيكونُ لقولِه في هذا الفن من الاعتبارِ ما ليس لقولِ غيرِه.
قال ابنُ عباسٍ -﵄-: خَطَب عُمر بنُ الخطابِ -﵁- النَّاسَ بالجابيةِ، وقال: يا أيها الناسُ، مَن أراد أن يَسألَ عن القرآنِ فليأت أُبيَّ بنَ كعبٍ -﵁- ومَن أراد أن يَسألَ عن الفرائضِ فليأت زيدَ بنَ ثابتٍ -﵁- ومَن أراد أن يَسألَ عن الفقهِ فليأت معاذَ بنَ جبل -﵁-.
٢ - أن تراعيَ عُمُرَهُ وسِنَّه.
فكلما كان العالم أقدمَ كان في العادةِ أكثرَ رسوخًا، إذ العلمُ تراكميٌّ، فيزدادُ بمرورِ الوقتِ، ويصيرُ للعالم الأَسَنِّ من التجاربِ والمعرفةِ ما ليس لغيرِه. لذلك ذَمَّ السَّلفُ الأخذَ عن الصغارِ، إذ ذلك من أشراطِ الساعةِ.
قال عُمر -﵁-: فسادُ الدينِ إذا جاء العلمُ من قِبَلِ الصغيرِ استعصى عليه الكبيرُ، وصلاحُ الناسِ إذا جاء العلمُ من قِبَلِ الكبيرِ تابعه عليه الصغيرُ (١).
_________________
(١) رواه القاسم بن أصبغ في "مصنفه" بسند صحيح صححه الحافظ في "الفتح" (١٣/ ٣٠١).
[ ٢٨٨ ]
وقال -﵁-: ألا وإنَّ الناس بخيرٍ ما أخذوا العلمَ عن أكابرِهم، ولم يَقُم الصغيرُ على الكبيرِ، فإذا قام الصغيرُ على الكبيرِ فقد (١) - أي هلكوا.
ويَصْدُقُ في ذلك قولُ القائلِ:
متى يصلُ العطاشُ إلى ارتواءٍ إذا اسْتَقَت البحارُ مِن الرَّكايا (٢)
والشريعةُ جاءت بالمحافظةِ على قدرِ الكبيرِ، فهو المُقدَّمُ للإمامةِ في الصلاةِ عند التَّساوي في القراءةِ والعلمِ، فواجبُ الأحداثِ أن يتفرغوا للطلبِ والتَّلقي، فهذا زمانُ الأخذِ فانْهَلْ، أمَّا الكبيرُ فزمانُه زمانُ الإنفاقِ، فَلْيَجُد ولا يَبْخَلْ.
ومِن أَسَفٍ أنْ تَرَى بعضَ الناسِ يأخذُ عن بعضِ طلبةِ العلمِ الصغارِ ما يتعارضُ مع ما يَرَاه الأَجِلَّةُ من العلماءِ، وأن يحفظَ لطالبِ العلمِ من الحقوقِ ما لا يحفظُ لغيرِه من أكابرِ العلماءِ، فاحفظْ -أيها المتفقه- للعلماءِ مراتبَهم.