قال ﷺ: " إنَّ الله تعالى جميل يحب الجمال، ويحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها " (١)
٢) ومن علامات الهمة العالية " الحرص " فاحرص على الطلب فإنَّه من أعظم القُرب.
قال ﷺ: " احرص على ما ينفعك " (٢)
وأعظم ما تحرص عليه وتجود بنفسك لأجله: " طلب العلم "، والحرص أمارة تعظيم القلب، ولذلك أنصحك باستفراغ الوسع في " طلب العلم ".
قال الإمام النووي في وصيته لطالب العلم: " ينبغي أن يكون حريصًا على التعلم، مواظبًا عليه في جميع أوقاته، ليلًا ونهارًا، وسفرًا وحضرًا، ولا يذهب من أوقاته شيئًا في غير العلم إلا بقدر الضرورة لأكل ونوم قدرًا لابد له منه ونحوهما، كاستراحة يسيرة لإزالة الملل، وشبه ذلك من الضروريات، وليس بعاقل من أمكنه درجة ورثة الأنبياء ثمَّ فوتها " (٣)
وسأضرب لك الأمثال؛ لتستنفر همتك فتعلو من حضيض الدنايا الدنيوية، إلى قمم المنن الإلهية، فقد كان سلفنا ﵏ يحرصون على العلم وجمعه حرصًا ليس له نظير.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٧٤٣).
(٢) جزء من حديث أخرجه مسلم (٢٦٦٤) ك البر والصلة والآداب، باب في الأمر بالقوة وترك العجز. والاستعانة بالله، وتفويض المقادير لله.
(٣) المجموع شرح المهذب (١/ ٣٧) ط دار الفكر.
[ ١١٦ ]
قال ابن أبى حاتم: سمعت المزني يقول: قيل للشافعي كيف شهوتك للعلم؟
قال: أسمع بالحرف - أي بالكلمة - مما لم أسمعه، فتود أعضائي أن لها سمعًا تتنعم به، مثل ما تنعمت به الأذنان.
فقيل له: كيف حرصك عليه؟ قال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال.
فقيل له: فكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدَها ليس لها غيره.
وقد كان ابن عباس ﵁ يأتي أبواب الصحابة في حرِّ الظهيرة يسألهم عن الحديث.
فروى الخطيب البغدادى وابن عبد البر عن ابن عباس ﵁ أنه قال: " إن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتى بابه، وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، تسفي الريح علىَّ من التراب، فيخرج فيقول: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك؟!! ألا أرسلت إلىَّ فآتيك؟ فأقول: أنا أحق أن آتيك، فأسأله عن الحديث ".
وهذا ابن معين - رحمه الله تعالى - خلف له أبوه ألف ألف درهم، فأنفقها كلها على تحصيل الحديث حتى لم يبق له نعل يلبسه، وكان حريصًا على لقاء الشيوخ والسماع منهم خشية أن يفوتوه ..
[ ١١٧ ]
قال عبد بن حميد: سألني يحيى بن معين عن حديث أوَّلَ ما جلس إليَّ، فقلت: حدثنا حماد بن سلمة. فقال لو كان من كتابك، فقمت لأخرج كتابي، فقبض على ثوبي، ثم قال: أمله عليَّ، فإنَّي أخاف أن لا ألقاك، فأمليته عليه، ثمَّ أخرجت كتابي فقرأته عليه.
ومن أئمة التابعين مكحول الشامي (ت ١١٢ هـ) ﵀ يقول: أعتقت بمصر فلم أدع بها علمًا إلا حويته فيما أرى، ثم أتيت العراق، ثمَّ المدينة فلم أدع بهما علمًا إلا حويته فيما أرى، ثم أتيت الشام فغربلتها.
يا سبحان الله، انظر إلى علو الهمة، والطواف بالبلاد والتجوال، وجمع العلم وإحرازه، ويا لعجبي من " فغربلتها " !!
وقد بلغ حرصهم على الطلب أنَّ أحدهم كان ينزل به الهم والحزن، ويصيبه المرض، إذا فاته شيء من العلم.
فقد ذكروا حديثًا لشعبة لم يسمعه، فجعل يقول: " واحزناه!! " وكان يقول: إنِّي لأذكر الحديث يفوتني فأمرض.
فما يحزن القلب إلا إذا فاته عظيم عنده، محبوب لديه، لمَّا جاء إخوة يوسف ليأخذوه ليلعب قال أبوهم: " إنِّي ليحزنني أن تذهبوا به " [يوسف / ١٣] فكذلك كل محبوب يحزن القلب لفراقه، فإذا فاتك من العلم شيء فلم تحزن لفواته فاتَّهم نيتك، واعلم أنَّ بالقلب من العلائق ما قد حال بينك وبين أبواب العلم.
[ ١١٨ ]
أيها المتفقه:
أين حرصك على طلب العلم، وصبرك على تحصيله، وإن كلفك ذلك الغالي والنفيس، أين تبكيرك لمجالس العلم؟ تالله إنَّك ترى من يبكر لحضور درس قبل وقته بساعة أو ساعتين يظل يراشقك بنظراته ممتنًا عليك أنَّه أتى مبكرًا لحضور الدرس، وما كان هذا حال سلفنا.
هذا جعفر بن درستويه يقول: كنا نأخذ المجلس في مجلس عليّ بن المديني وقت العصر، اليوم لمجلس غدٍ، فنقعد طول الليل، مخافة أن لا نلحق من الغد موضعًا نسمع فيه.