وسِير علماءِ السلف مليئةٌ بالأخبارِ عن رَدِّهم عطايا الملوك والأمراءِ، وحفظِهم لجنابِ العلمِ، الدنيا تحتَ أقدامِهم لا يَسْعَوْن إليها، قد أَضَرَّ ببعضِهم الفقرُ فلم يَمُدَّ يدَه، ولا ابتاع بعلمِه شيئًا.
فهذا سَيِّدُ التابعين سعيدُ بن المسيب -﵀- كان له في بيتِ المالِ بضعة وثلاثون ألفًا عطاءً، فكان يُدعى إليها فيأبى، وكان يتَّجرُ في الزيت، ويحمل إهابَ الشاةِ على ظهرِه، ويقول: لا خيرَ فيمن لا يريدُ جمعَ المالِ من حِلِّه، يُعطي منه حقَّه، ويكُفُّ به وجههُ عن النَّاس (١).
وهذا الخليلُ بنُ أحمدَ الفراهيديُّ إمامُ العَربيةِ ومبتكرُ عِلمِ العروضِ، كان وَرِعًا متقشفًا متعبدًا، أقام في خُصٍّ له بالبصرةِ لا يقدرُ على فلسينِ، وتلامذته يكسبون بعلمِه الأموالَ، وكان كثيرًا ما يُنشد:
وإذا افتقَرتَ إَلى الذَّخَائر لَمْ تَجدْ ذُخرًا يكونُ كَصَالحِ الأعمالِ (٢)
وهذا الإمام أحمد الحبيبُ إلى قلوب المؤمنين، ربَّما يحتاجُ، ولو أشار ببنانِه لأتته العَطَايا من كُلِّ حَدَبٍ وصَوْبٍ، ولكنَّه كان يقول: عزيزٌ عليَّ أن تُذيبَ الدنيا أَكبَادَ رجالٍ وَعَت صدورُهم القرآنَ ..
_________________
(١) "حلية الأولياء" (٢/ ١٧٣)، "سيرة السلف ومناقبهم" (ص ١٢٩)، وانظر سيرة هذا الإمام العَلَم في مقدمة كتاب "فقه الإمام سعيد بن المسيب" (١/ ٥ - ١٥٠) د/ هاشم جميل عبد الله. ط رئاسة ديوان الأوقاف بالعراق.
(٢) "سير أعلام النبلاء" (٧/ ٤٣٠ - ٤٣١).
[ ٢٤١ ]
وكان ينسخُ بأُجرةٍ، ويلتقط السنبلَ الذي تُخطِئُه المناجل، ويرهن نعلَه عند الخباز على طعام أخذه منه، ويبيع غزلًا تغزله له زوجه، ولربما أراد أن يرقع ثوبَه فلا يجد رقعةً، وربما يأخذ الكِسَرَ، ينفضُ الغبارَ عنها ويصيرها في قصعةٍ ويصبُّ عليها الماءَ، ثم يأكلها بالملحِ، فهذا طعامُه.
وأرك -أيها المتفقه- ربَّما تهمسُ أو تحدثك نفسُك تقولُ: هؤلاء سَلفُ الأمةِ، وقد تبدَّلَ الزمانُ، فإني آتيك بشهداء من عَصْرك يقيمون عليَّ وعليك الحُجة.
فقد رأيتُ بعيني رأسي شيخَنا العلامةَ ابنَ عثيمين وهو يمشي حافيًا، وهو من هو، وفي أي بلدة كان، وكان يأكل الخبزَ الجافَّ بالماءِ، ويُطعمُ إخوانه اللحمَ.
ومن علاماتهم أيضًا: