أيها المتفقه ..
من خطب الحسناء لم يُغله المهر، وأنت - تالله - طالب لنعيم الدنيا والآخرة فلا تكلَّ ولا تملَّ فدونك رياحين الجنَّة، " من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنَّة " (١)
يقول ابن الجوزى: " تأملت عجبًا، وهو أن كل شيء نفيس خطير يطول طريقه، ويكثر التعب في تحصيله، فإنَّ العلم لما كان أشرف الأشياء لم يحصل إلا بالتعب والسهر والتكرار، وهجر اللذات
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٩٩) ك الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر.
[ ١١٩ ]
والراحة، حتى قال بعض الفقهاء: بقيت سنين أشتهي الهريسة ولا أقدر، لأنَّ وقت بيعها وقت سماع الدرس ".أهـ
ولذلك قال ابن القيم - رحمه الله تعالى ـ: " وأما سعادة العلم فلا يورثك إياها إلا بذل الوسع، وصدق الطلب، وصحة النية " (١)
فالمكارم منوطة بالمكاره، والسعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة، ولا تقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد.
قال مسلم في صحيحه: قال يحيى بن كثير: " لا ينال العلم براحة الجسم ".
وقد قيل: من طلب الراحة ترك الراحة.
يقول الشافعي - رحمه الله تعالى ـ: " حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار منه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله تعالى في إدراكه نصًا واستنباطًا، والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه ".
أيها المتفقه ..
اعلم أنَّ علوم الإسلام العظيمة لم تُدَوَّن على ضفاف الأنهار، وتحت ظلال الأشجار والأثمار، وإنما دونت باللحم والدم، وظمأ الهواجر، وسهر الليالي على السراج الذي لا يكاد يضيء نفسه، وفي ظل العرى والجوع وبيع الثياب، وانقطاع النفقة في بلد الاغتراب، والرحلة المتواصلة الملاحقة، والمشاق الناصبة
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (١/ ١٠٨) ط دار الكتب العلمية.
[ ١٢٠ ]
المتعانقة، والصبر على أهوال الأسفار، وملاقاة الخطوب والأخطار، والتيه في البيد، والغرق في البحار، ولفقد الكتب العزيزة الغالية والأسفار، وحلول الأمراض والأسقام، مع البعد عن الأهل والزوجة والأولاد والدار، ومع فرقة الأقارب والأحباب والأصحاب وفقد الاستقرار، فما أثر كل ذلك في أمانة علم أهلها، وما نقص من متانة دينهم، وما وهن من قوة شكيمتهم، وما خضعتهم الضائقة الخانقة مع قوتها إلى قبول الذل والهوان.
علو همَّة السلف في الرحلة في طلب العلم (١)
ومن تمثل سير سلفنا الصالح، ونظر في معاناتهم في طلب العلم هانت عليه كل شدة، واحتقر نفسه أمامهم، فقد كابدوا من الصعاب ما يفوق التخيل، وتركوا البلاد والأولاد وهجروا اللذات والشهوات، وجابوا مشارق الأرض ومغاربها سعيًا وراء حديث واحد، أو لقاء شيخ أو معرفة مسألة، وأنت - اليوم - تجزع من قراءة ساعة، وتتكاسل عن سبر صفحات قليلة، وتتوافر لك سبل المعرفة فما تمد لها يدًا، فحالك - تالله - حال عجيبة، فانظر إلى هؤلاء الأفذاذ كيف طلبوا العلم عساك تنتفع بذلك.
_________________
(١) وقد صنَّف كثير من أهل العلم في أهمية الرحلة منها " كتاب الرحلة " للخطيب البغدادي، يقول الشيخ أبو غده عنه: وكتاب الرحلة للخطيب كتاب نافع مهماز للمتخلفين عن الرحلة، فاقرأه لعلك ترحل. [صفحات من صبر العلماء ص ٤٤]
[ ١٢١ ]
قيل للإمام أحمد: رجلٌ يطلب العلم يلزم رجلًا عنده علم كثير أو يرحل؟
قال: يرحلُ، يكتب عن علماء الأمصار، فيشامُّ النَّاس، ويتعلم منهم.
وقيل له مرةً: أيرحلُ الرجل في طلب العلم؟
فقال: بلى والله شديدًا، لقد كان علقمة بن قيس النخعي، والأسود بن يزيد النخعي، - وهما من أهل الكوفة بالعراق - يبلغهما الحديث عن عمر فلا يقنعهما حتى يخرجا إليه - إلى المدينة المنورة - فيسمعانه منه "
قال ابن خلدون في المقدمة: " إنَّ الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة: مزيد كمال في التعليم، والسبب في ذلك أنَّ البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما يتحلون به من المذاهب والفضائل، تارة: علمًا وتعليمًا ولقاءً. وتارةً: محاكاة وتلقينًا بالمباشرة. إلا أنَّ حصول الملكات عن المباشرة والتلقين، أشدُّ استحكامًا وأقوى رسوخًا، فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها - وتفتحها ـ
والاصطلاحات أيضًا في تعليم العلوم مخلِّطة على المتعلم، حتى لقد يظنُّ كثير منهم أنَّها جزء من العلم، ولا يدفع عنه ذلك إلا مباشرته لاختلاف الطرق فيها من المعلمين.
فلقاء أهل العلوم، وتعدد المشايخ: يُفيده تمييز الاصطلاحات بما يراه من اختلاف طرقهم فيها، فيُجرِّد العلم عنها، ويعلم أنَّها أنحاء تعليم وطرق توصيل، وتنهض قواه إلى الرسوخ والاستحكام في الملكات، ويصحح معارفه ويميزها عن سواها، مع تقوية ملكته بالمباشرة
[ ١٢٢ ]
والتلقين، وكثرتهما من المشيخة عند تعددهم وتنوعهم، وهذا لمن يسَّر الله عليه طرق العلم والهداية.
فالرحلة لابد منها في طلب العلم، لاكتساب الفوائد والكمال، بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال، " والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " [البقرة / ٢١٣] (١)
أيها المتفقه ..
شأن الرحلة قديم تليد، بداية من رحلة نبي الله موسى الكليم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم، وقد قصَّ الله خبر رحلته في القرآن الكريم، مع عبده الخضر وما كان في رحلته من العوائق والغرائب، فبقيت الرحلة سنة نبوية وشعار طلبة العلم إلى يوم الدين.
وهؤلاء صحابة الرسول منهم من قطع مئات الأميال ليلقاه ويتثبت من صدق نبوته، ومنهم من سافر إليه من البلاد البعيدة ليسأله عن مسألة وقعت له.
فهذا عقبة بن الحارث سافر من مكة إلى المدينة ليلقى رسول الله ﷺ يسأله عن مسألة رضاع وقعت له.
فعن عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج.
_________________
(١) المقدمة ص ٥٤٢ ط دار القلم.
[ ١٢٣ ]
فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني، ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة فسأله، فقال رسول الله ﷺ: " كيف وقد قيل؟! " ففارقها عقبة، ونكحت زوجا غيره. (١)
وهذا جابر بن عبد الله ﵁ رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد.
روى البخاري في الأدب المفرد أن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، فابتعت بعيرًا، فشددت إليه رحلي شهرًا، حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فبعثت إليه أنَّ جابرًا بالباب فرجع الرسول فقال: جابر بن عبد الله!! فقلت: نعم.
فخرج فاعتنقني، قلت: حديث بلغني لم أسمعه خشيت أن أموت أو تموت . فذكر الحديث " (٢)