قد يقع هذا بين عدوين، بين قرينين في فن واحد، بين زوجين يكره كل منهما الآخر، ولكن لا يتصور أن يقع بين الوالد والولد، ولكنه قد يقع فعلا، حين يفشل الوالد في التربية، وبناء العلاقة الوالدية على أساس من الحب والتفاهم، والأمثلة الواقعية على فساد الحوار بين والد وولد عديدة، ولكن لأدعها إلى نص تاريخي، حمل صورا من الاتصال السلبي؛ كالسخرية، والسباب، والإفحام، والتوقع السئ، والهزيمة الساحقة أمام الولد العاق:
قال الأصمعي: كان رجل من بني تميم يقال له: (حنظلة) وكان له ابن يقال له: (مرة)، وكان يكثر الخلاف عليه، فكان أبوه ربما قاتله، فقال له ذات يوم:
ـ إنك لمر.
ـ أعجبتني حلاوتك يا حنظلة.
ـ اسكت فأنت والله خبيث كاسمك.
ـ أخبث مني والله من أسماني.
ـ فو الله يا بني لقد تشاءمت بك يوم ولدت.
ـ ما ورثته عن كلالة.
ـ ما أظنك من الناس.
ـ من أشبه أباه فما ظلم أمه، والشوك لا يجتنى منه العنب.
ـ لا بل أشبهت أمك عليها لعنة الله.
ـ والله ما كانت بأردأ من زوجها.
ـ ما أحوجك إلى أدب جيد.
ـ أحوج مني إليه من أدبني.
[ ٥٦ ]
ـ لقد كنت حريصا على صلاحك دهري.
ـ فو الله يا أبة ما أتيت من عجز ولكن الله سبحانه أعطاك على قدر نيتك.
ـ لقد ساءت حالك منذ تركت الدعاء لك وأقبلت على الدعاء عليك.
ـ مادح نفسه يقرئك السلام.
ـ دعني من هذا فو الله لأستقبلن من أمرك ما كنت له مضيعا.
ـ إذا والله لا يتردد في بيتك إلا الريح.
ـ والله ما جرأك على هذا أحد غيري.
ـ فلُم إذا نفسك ولا تلمني.
ـ ويحك ما تستحي مني؟!
ـ ما أحسن الحياء في مواضعه.
ـ والله لقد اجتمعت فيك خلال رديئة.
ـ فضل رداءتك يا أبة.
ـ أبوك الشيطان الرجيم.
ـ قل لنفسك ما شئت.
ـ لقد دفنت أخاك ساعة ولدت.
ـ أعجبني كثرة أعمامي يا مبارك.
ـ والله إنك لمغيظي بجوابك.
ـ من تكلم أجيب، ومن سكت سلم.
ـ ويلك قم عني.
ـ إن أعفيتني عن معاتبتك قمت.
ـ ما يزداد كلامك إلا غلظا.
ـ والله ما يقصر عن الجواب إلا أحمق.
ـ اخسأ ويلك يا كلب.
ـ الكلب لا يلده إلا كلب.
ـ ليس شيء أحسن من السكوت عنك.
[ ٥٧ ]
ـ إذا لا يدعك كثرة فضولك.
ـ قم فو الله ما أراك تصلح أبدا.
فقام وهو يقول وكيف يصلح من أنت أبوه.
هذا النص مخزون للتربية السلبية، والاتصال الفاشل، والحوار الممرض، ويستحق كثيرا من التأمل.
حين تريد تعليمه:
قل له:
- دعني أستمتع بالشرح لك.
- هل يمكنني أن أساعدك.
- ما رأيك أن نجرب.
- اختيارك رائع، أخبرني لماذا اخترته؟
- من فضلك انظر إلي، ثم افعل مثلي تماما.
- ما معنى كذا؟ ثم تعلمه إياه.
- اقرأ واشرح لي أنت.
عن النبي ﷺ قال «هل تدرون من المفلس قالوا المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع قال إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصيام وصلاة وزكاة ويأتي قد شتم عرض هذا وقذف هذا وأكل مال هذا فيقعد فيقتص هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه من الخطايا أخذه من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار» (١).