مِنهُ خَيْرٌ وَلا هُو مِن شَأْنِهِ فَالخَيرُ الذي يَصْدُرُ مِنها إِنَّمَا هُوَ مِن اللهِ وبِهِ، لا من العبد ولا بِهِ، كما قَالَ تعالى:
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ﴾، وقَالَ أهلُ الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾، وقَالَ ﵎ لرسوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾، وقَالَ تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ الآية.
فكلُ خيرٍ في العبدِ فهو مُجَرَّدُ فضلِ اللهِ وَمنَّتِهِ وإحسانِهِ وَهُوَ المَحْمُودُ عليهِ فرؤيةُ العبدِ لأَعْمَالِهِ في الحقيقةِ كَرُؤْيتهِ لِصفاتِهِ الخَلْقِيَّةِ مِن سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وإدْرَاكِهِ وَقُوَّتِهِ، بَلْ مِن صِحّتِهِ وَسَلامَةِ أعضائِهِ ونحو ذلكَ، فالكلُ مُجَرَّدُ عَطَاءِ اللهِ وَنعمتِهِ وَفَضْلِهِ فالذي يُخَلِّصُ العَبْدَ مِن هذِهِ الآفةِ مَعْرِفَةُ رَبِّهِ وَمَعْرِفَةُ نَفْسِهِ.
والذي يُخَلِّصُهُ مِن طلبِ العِوَضِ على العملِ عِلْمُهُ بأنه عَبْدُ مَحْضٌ، والعَبْدُ لا يَسْتَحقُّ على خِدْمَتِهِ لِسَيّدَهِ عِوَضًا ولا أجْرَةَ، إذْ هُو يَخْدِمُهُ بِمُقْتَضي عُبُودِيَتِهِ، فَمَا يَنَالَه مِن سَيِّدِهِ مِن الأجر والثَوابِ تَفَضَّلٌ منه وإحسانٌ إليهِ وإنْعَامٌ عليهِ لا مُعَاوَضَةَ، إذِ الأُجْرَةُ إِنَما يَسْتَحِقُّهَا الحُرُّ أو عَبْدُ الغَيْرِ فأمَّا عَبْدُ نَفْسَهُ فلا. والذي يُخلِصُه مِنَ رِضَاهُ بِعَمَلِهِ وَسُكُونِهِ إِليهِ أَمْرَانِ. أَحدُهُمَا: مطالعةُ عُيُوبِهِ وآفاتِهِ وَتَقصيرِهِ فيه وما فيهِ مِن حَظِ النَّفْسِ والشيطانِ، فَقَلَّ عَمَلٌ مِن الأَعْمَالِ إلا ولِلشَّيْطَانِ فيه نَصِيب وإنْ قَلَّ وَلِلنَّفْسِ فيه حظ.
الثاني: عِلْمُهُ بما يَسْتَحِقُّهُ الربُّ ﷻ مِن حُقُوقِ العُبوديةِ وآدابِهَا الظاهرةِ وَالباطنةِ وشروطِهَا وأَنَّ العَبْدَ أضعفُ وأَعجزُ مِن أنْ يُوَفِيها
[ ١ / ١٨٢ ]
حَقًا وأن يَرْضَى بِهِ لِربّهِ فالعَارِف لا يَرضَى بشيءٍ مِن عَمَلِه لِرَبِّه وَلا يَرْضَى نَفْسَهُ لِلَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ وَيَسْتَحِي مِن مُقَابَلَةِ اللهِ بِعَمَلِهِ. وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يُصَلِّي فِي اليوم واللَّيْلَةِ أَرْبَعْمائَةِ رَكْعَةٍ، ثُمَّ يَقْبِضُ عَلى لِحَيَتِهِ وَيَهُزُهَا وَيَقُولُ لِنَفْسِهِ: يَا مَأْوَى كُلِّ سُوءٍ وهل رَضِيتُكَ لِلَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: آفَةُ الْعَبْدِ رِضَاهُ عَنْ نَفْسِهِ وَمَنْ نَظَرَ إِلى نَفْسِهِ بَاسْتِحْسَانِ شيْءٍ مِنْها فَقَدْ أَهْلَكَهَا وَمَنْ لَمْ يَتَّهِمْ نَفْسَهُ على دَوَامِ الأَوْقَاتِ فهو مَغْرُورٌ. انتهى.
وَخِتَامًا فَعَلَى الْمُسْلِم الْمخلصِ أن يَحْذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ أَنْ يَمْتَزِجَ بإخلاصِ عَمَلهِ شَيْءٌ آخرُ مِن رياءٍ أَوْ غَيرهِ كَمَنْ يَصُومُ لِيَنْتَفِعَ بالْحُمِيةِ الْحَاصِلةِ بالصَّوْمِ وَمَعَ قَصدِ التَّقربِ، أو يُعْتقَ رَقيقَهُ ليَتَخَلَّصَ مِنْ مَؤنَتِهِ وَسُوءِ خُلُقِهِ، أَوْ يَحُجَّ لِيَصِحَّ بَدَنُه بِحَرَكَةِ السَّفَرِ أَوْ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ شَرٍّ يَعْرُضُ لَهُ بِبَلَدِهِ، أَوْ يَغْزُو لِيَتَمَرَّنُ عَلَى الْحَرْبِ وَيُمَارِسَها، أَوْ يَتَعَلم العِلْمَ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ طَلَبَ مَا يَكْفِيهِ مِنْ الْمال، أو لِيَكونَ عَزيزًا بَيْنَ أَبْنَاءِ جِنْسِهِ وَعَشِرَتِهِ، أَوْ لِيَكُونَ مَالُهُ مَحْرُوسًا بِعِزِّ العِلْمِ عَن الأطمَاع، أَوْ عَادَ مَرِيضًا لِيُعَادَ إنْ مَرِضَ، أَوْ شَيَّعَ جَنَازةً لِيُشَيَّعَ جَنَائِزَ أَهْلِهِ، أَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لِيَعْرِفَ بَالْخَيرِ وَيُذْكَرَ بِهِ وَيُنْظَرَ إِلَيْهِ بَعَيْنِ الصَّلاحِ والوَقَارِ، أَوْ تَصدقَ لِيُثْنَى عَلَيْهِ وَيقَالَ: أَنَّهُ كَرِيمٌ يَبْذُلُ الْمَالَ، أو قَامَ بِمَشَارِيعَ خَيْرِيَّةٍ لِيُثْنَى عَلَيْهِ فَكلُ هَذِهِ وَنَحْوَهَا مِن مُكَدِّرَاتِ صَفْوِ الإخلاصِ نَسْأَل اللهُ العصمةَ لَنَا ولإخْوَانِنَا مِنْهَا.
وَكَمْ مِنْ أَعْمَالِ يَتْعَبُ الشخصُ فِيها وَيَظُنُّ أَنَّهَا خَالِصَةً لِوَجْهِ اللهِ، ويكونُ فِيها مَغْرُورًا لأنه لا يَرَى وَجْهَ الآفةِ فِيها، فَدقائقُ الآفاتِ قَلَّمَا تَسْلَمُ الأعمالُ منها.
قَالَ بعضُ السلفِ: لا يَزَالُ العَبْدُ بِخَيْرٍ ما عَلِمَ مَا الذي يُفْسِدُ عليهِ
[ ١ / ١٨٣ ]
عَمَلهُ فلا غِنَى بالْعَبدِ عن مَعْرِفَةِ مَا أُمِرْنَا بَاتَّقَائِهِ مِن الرَّياءِ وَغَيْرِهِ وَلاسِيمَا الرَّيَاءُ إذْ وُصِفَ بالْخَفَاءِ فِي الْحَدِيثِ: أنه أخفَى مِن دَبِيبِ النَّملِ فَمَا خَفِيَ لا يُعْرَفُ إِلا بِشِدَّةِ التَّفَقُدِ وَنَفَاذِ البصيرةِ بِمَعْرِفَةٍ لَهُ حِينَ يَعْرُضُ وَإلا لَم يَنْفَعِ التفقدُ لِمَا لا يُعْرَفُ.
فَبالْخَوْفِ والْحذرِ يَتَفَقَّدُ الْعَبْدُ الرِّيَاءَ، وَبِمَعْرِفَتِهِ بِبَصَرِهِ حِينَ يَعْرِضُ لَهُ.
وَمِنْ فَوَائِد الإخلاصِ: أنه يَمُدُّ جَأْشَ صَاحِبه بِقُوَّةٍ فلا يَتَبَاطأَ أَنْ يَنْهَضَ لِلدّفاعِ عَن الْحَق.
وَمِنْ فَوَائِدِهِ: أنه يَشْرَحُ صَدْرَ صَاحِبِهِ للأنْفاقِ في وُجُوهُ البِرِ فَتَجدُهُ يَؤثِرُهَا بِجَانِبٍ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ. وَمِنَ فوَائِدِهِ أَنه: يُعَلِّم صَاحِبَه الزُّهْدَ في عَرَضِ الدُّنْيَا، فَلا يُخْشَى مِنْهُ أَنْ يُنَاوِئَ الْحَقَّ أو يُلْبِسَه بِشَيْءٍ مِنْ البَاطِلِ، وَلَو أُعْطِيَ الشَّيْءَ الكثيرَ مِن الْمَال. وَمِنَ فوائِدِهِ: أَنه يَحْمِلُ القاضِي على تَحْقِيقِ النَّظَرِ في القَضَايَا فلا يَتَسَرَّع في القَضِيَّةِ وَيفْصِلُ فِيهَا إلا بَعْدَ أَنْ يَتَثَبَّتَ وَيَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ. وَمِنَ فَوائِدِهِ: أنه يَحْمِلُ الْمُعَلِّمَ أنْ يَبْذِلَ جُهْدَهُ في إيضاحِ مَا خَفِيَ عَلَى التَّلْميذِ، وَأنْ لا يَبْخَلَ على الطلابِ بِمَا تَسَعُه أَفْهامُهُم مِن الْمَبَاحِثَ الْمُفِيدَةٍ. وَمِنَ فَوَائِدِهِ: أَنْ الأَسْتَاذَ يَحْرِصُ عَلَى أَنْ يَسْلُك في طَرِيقَةِ التَّدرِيس ِالأَسَالِيبَ التي تُجَدِّدُ نَشَاطَهُمْ وَتَحْفِزُهُمْ إلى التَّعَمُقِ في الْمَسَائِل.
وَمِنَ فوائِدِ الإخلاصِ: أنه يَمْنَعُ التاجِرَ مِنْ الْخِيانَةِ فلا يَخُونُ الذي يأتمنُه في صِنْفٍ مِن أَصْنَافِ البِضَاعَةِ، أَوْ قِيمَتِهَا. وَمِنَ فوائِدِ الإخلاصِ: أَنَّهُ يَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى إِجَادَةِ الْعَمَلِ وَأَنْ يَكُونَ مُحْسِنًا فِيهِ وَمِن فوائِدِهِ: أنه يَمْنَعُ الكاتبَ أَنْ يَقْلِبَ بَعْضَ الْحَقَائِقِ أَوْ يَكْسُوهَا لونًا غَيْرَ لَوْنِهَا. وَمِنَ فوائدِ الإخلاصِ: أَنَّهُ يَحْمِلُ صَاحِبَه عَلَى تَجَنُّبِ الغِشِّ فَكُلُّ غَشاشِ فهو
[ ١ / ١٨٤ ]