٣٣- فصلٌ في بيانِ مصارف الزكاة:
ويُشْتَرَطُ لإِخْرَاجِهَا نِيَّةٌ مِنْ مُكَلَّفٍ، لَحَدِيثِ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . فَيَنْوِي الزَّكَاةَ، أو الصدقةَ الواجبةَ أَوْ صَدَقَةَ الْمَالِ.
ويُسنُّ أَنْ يُفَرِّقَ زَكاتَهُ على أقاربِهِ الذين لا تَلزَمُهُ مَؤونَتُهُم لما وَرَدَ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - قَالَ رسول ﷺ: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ اثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ، وَصِلَةٌ» . رواه أَحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ الْمُخْرِجُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا، وَلا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا. ويَحْمَدُ اللهَ على تَوْفِيقِهِ لأَدَائِهَا، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَعْطَيْتُمْ الزَّكَاةَ فَلا تَنْسَوْا ثَوَابَهَا أَنْ تَقُولُوا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا وَلا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا» . رواهُ ابن ماجة.
وَيَقُولُ الآخِذُ وهو الْفَقِيرُ أَوْ الْمِسْكِينُ أو أَحَدُ الأَصْنَافِ: آجَرَكَ اللهُ فِيمَا أَعْطَيْتَ وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا أَبْقَيْتَ وَجَعَلُهُ لَكَ طَهُورًا.
قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ أَيْ ادْعُ لَهُمْ، كَمَا رَوى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - قال: كان النبي ﷺ إذا أُتِيَ بصَدَقَةِ قومٍ صَلَّى عليهِم. فأتاه أبيّ بصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّي عَلَى آلِ أبِي أوفَى» .
وللمُزَكِّيِ دفعُها إلى الإِمامِ وَإلى السَّاعِي، ويَبْرَأُ بذَلِكَ، ولا
[ ١ / ٢٧٦ ]
يُجْزِي دَفْعَها إلى كافِرٍ غير مؤلَّف، وَلاحَظَّ فِيها لِغَنِيّ وَلا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ، لِمَا وَرَدَ عن عبدِ الله بن عَدِي ﵁ أَنَّ رَجلَين أخْبَرَاهُ أنهما أَتَيَا النبيَّ ﷺ يَسْأَلانِهِ مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَلَّبَ فِيهما الْبَصَرَ وَرَآهُما جَلْدَيْن فقال لَهُما: «إِنْ شِئتُمَا أَعْطَيتُكُمَا ولا حَظَّ لِغَنِي ولا لِقَوي مُكْتَسِب» . فالواجبُ تأمُلُ حالِ السائل، والتَّفَرُسُ فِيهِ كما فَعَل النبيُّ ﷺ فكم من إنسانِ يَدَّعي الفقَر وَهو غَنِي.
وَكَمْ مِن مُتَعَارِجٍ وما بِهِ عَرَجٌ ولكِنْ لأَمْرٍ مَا تَعاَرُجُهُ.
وَكَمْ مِنْ حَامِلِ وَرَقَةٍ يَأْكُلُ بِهَا لا يَدْرِي مَا فِيهَا وَلَوْ بَرَّقْتَ وَسَبَرْتَ بِدقٍ لَوَجَدْتَ الْعَجَائِبَ، لأنَّ الوازِع الدِّيِنِي قَدْ ضَعُفَ جِدًا واخْتَلَطَ الْحَابِلُ بالنَابِلِ فَلا يُمَيِّزُ الفقيرُ والْمُسْتَحِق للَّزكاةِ إلا إنْسَانٌ مُتَبَصِّرٌ بَعْدَ التَّأَمُلِ والْبَحْثِ التَّامِ والْحَرِيصُ على إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ وَإِيصَالِ زَكَاتِهِ إِلى الْمُسْتَحِقِّ لِهَا يَعْرِفُ كَيْفَ يِجِدُ مَوْضِعَها تَمَامًا مِمَن لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا الْمُحْتَاجِين الْمُخْتَفِينَ الْحَيِّينَ الأَرَامِلَ ذَوِيْ الْعَوائِلِ، ورُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ سَمِعَ سَائلًا يَسْألُ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ قَومِهِ عَشِّ السَّائلَ فَعَشَّاهُ، ثُمَّ سَمِعَهُ ثَانِيًا يَسَألُ فَقَالَ: أَلَمْ أقلْ لَكَ عَشِّ السَّائلَ؟ قَالَ: قَدْ عَشَّيتُهُ فَنَظَرَ عُمُرُ لَه فإذا تَحْتَ يَدِهِ مِخْلاةٌ مَمْلُوءةٌ خُبْزًا فقال: لَسْتَ سَائِلًا لِكنَّكَ تَاجرٌ ثم أَخَذَ الْمِخْلاةَ وَنَثَرَهَا بَيْنَ يَدَيْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَضَرَبَهُ بالدُّرةِ وقال: لا تَعُدْ.
وقال ﷺ: «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنيٍ وَلا لِذِي مِرَّةٍ سَويٍّ» . رواه أحمدُ، وأبو داود.
ولا يَدْفَعُ بالزكاةِ مَذَمَّةً، ولا يَقِي بِها مَالَهُ، ولا يَسْتَخْدِمُ بها ويَلْزَمُ الإنسانُ الذي يُرِيدُ إِبْرَاءَ ذِمَّتِهِ صَحِيحًا أَنْ يُفَتِّشَ على أهلِ العوائدِ
[ ١ / ٢٧٧ ]
ويَسْألْ عنهم بدِقّةٍ مِنْ يَعْرِفُ حَالَهُم مِن جِيرانٍ وَأَقَارِبَ حَتَّى يَتَأكَّدَ هَلْ هُمْ أَغْنِياءُ فلا يَدْفَعُهَا إليهِم لأنَّ دَفْعَهَا لهَم مَع الغنى وجُودُهُ كَعَدَمِهِ فلا تَبْرَأُ ذِمْتُهُ وَتَبْقَى الزَّكاةُ فِي ذِمَّتِهِ وَلا يَحْمِلُه الْحَياءُ فَيُعْطِي صَاحِبَ الْغِنَى قُبْلَ أنْ يَبْحَثَ عنه هَلْ هو على فَقْرِه.
لأَنَّ كَثيرًا مِن الْفُقَراء في وَقْتِنَا انْفَتَحَ لَهُمْ أَبْوَابُ الرِّزْقِ مِن أَوْلادٍ أَوْ بَنَاتٍ أَوْ عَقَارٍ أَوْ شُؤونٍ وَلا يُبَالِي بغَضَبِ مِنْ مَنَعَهُ عَادَتَهُ مَعَ اسْتِغْنَائِهِ وَيَلْتَمِسُ رِضَا اللهِ جلَّ وَعَلا وَسَواء كَانُوا أقْرِبَاءَ أَوْ غَيْرَ أَقْربَاء.
وَلا يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ لِغَيْرِ الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الْمَذْكُورِينَ في الآية قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .
فلا يَجُوزُ صَرْفُها في بِنَاءِ الْمَدَارِسِ أو الْمَسَاجِدِ، ولا وَقْفِ مَصَاحِفَ، ولا كُتْبِ علمٍ. ولا تكفينِ مَوْتَى، ولا تَوْقِيفِ مَقَابِرَ ولا غيرِهَا مِنْ جِهَاتِ الْخَير، لأَنَّ اللهَ تعالى تَوَلَّى الْحُكم فيها بنَفْسِهِ، فقدْ وَرَدَ عن زِيادِ ابنِ الْحارثِ الصُّدائِي - ﵁ - قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ فَبايَعْتُهُ، فذكرَ حديثًا طويلًا، فأَتاهُ رجلَ فقال: اعْطِنِي مِنِ الصَّدقَةِ، فَقَال رسول الله ﷺ:
«إن اللهَ لم يَرْضَ بحُكْم نَبِي ولا غَيْرِهِ في الصَّدَقَاتِ، حَتَّى حَكَم فيها فَجَزَّأَهَا ثمانيةَ أجْزاءِ، فإن كَنتَ مِن تلكَ الأَجْزاءِ أَعطيتُكَ» .
فيأخُذُ الْفَقِيرُ وهو مَن لا يَجدُ شيئًا أو بَعْضَ الْكِفَايةِ مِن الزكاة تَمَامَ كِفَايتِهِ مَعَ عَائِلَتِهِ سَنَةً لأَنَّ وُجُوبَ الزكاةِ يَتَكَرَّرُ بتكرر الْحَوْلِ.
[ ١ / ٢٧٨ ]