وقد وردت الأحاديث الصحيحة: «أن مَن توضأ فَأَحْسَنَ الوضوء خَرجَتْ خطاياه مِن أعضائه ودخل في الصلاة نقيًا من الذنوب» .
ومن المحافظة على الصلاة والإقَامَة لها المبادرة بها في أول مَوَاقِيتها وفي ذلك فضلٌ وأجر عظيم.
وهو دليل على محبة العبد لربه وعلى المسارعة في مرضاته ومحابه قال - ﷺ -: «أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله» .
وقبيح بالمؤمن العاقل أن يدخل عليه وقت الصلاة وهو على شغل من أشغال الدنيا فلا يتركه ويقوم إلى فريضة الله التي كتبها الله عليه فيؤديها.
وما يفعل ذلك إلا من عظمت غفلته وقلَّت معرفته بالله وعظمته وضعُفتْ رَغبته فيما أعَدّ الله لأوليائه في الدار الآخرة.
وأما تأخيرها عن وقْتها فلا يَجُوزُ وفيه إثم عظيم.
ومِن المحافظة على الصلاة والإقامة لها: الخشوع وحُضور القلب وتدبرُ القِراءة وفهمُ مَعَانيها واسْتشعارُ الخُضُوعِ والتواضُعِ لله عند الركوع والسجود.
وامْتِلاَءُ القلب بتعظيم الله وإجلاله وتقديسه عند التكبير والتسبيح وجميع أجْزَاءِ الصلاة.
والحرص والاجتهاد في دفع الخواطر والهواجيس في شؤون الدنيا والإعراض عند حديث النفس في ذلك.
ويكون همه في الصلاة وحُسنُ تأدِيتِهَا كما أمر الله. فإن الصلاة مع الغفلة وعدم الخشوع والحضور قليلة الجدْوَى.
فاجتهد في تدَبُّر ما تقول من كلام ربك واحرص على الطمأنينة فيها.
فإن الذي لا يتم الركوع والسجود في الصلاة سارق لها كما ورد في الحديث وورد أن من حافظ عليها وأتمها تخرج بيضاء تقول: حفظك الله كما حفظتني. والذي لا يتم الصلاة تخرج سَوْدَاءَ مُظْلِمة تقولُ: ضَيَّعَكَ الله كما ضَيَّعْتَني ثم تُلَفُّ كما يُلَفُّ الثوبُ الخَلَق فيضربُ بِها وجْهُهُ.
[ ١ / ٢٥٧ ]
رأَى رَجُلٌ حَاتم الأصم واقفًا يَعِظُ النَّاسَ فقال: يا حاتَمُ أرَاكَ تَعظُ الناسَ أَفَتُحْسِنُ أَنْ تُصَلي؟ قَالَ: نعم. قال: كيف تُصَلي؟ قال: أقومُ بالأمرِ وأمْشِي بالسَّكِينَة وأدْخُل بالْهِيبَة وأُكَبِّرُ بالْعَظَمَةِ وأقرأ بالترتيل واجْلِسُ للتشهد بالتمام وأسلم على السنة وأسَلِمُهَا إلى ربي وأحْفَظُها أيامَ حَياتي وأرْجِعُ باللَّومِ على نفسِي وأخَافُ أن لا تُقْبَلَ منِّي وأرجُو أن تُقْبَلَ منِّي وَأَنَا بَيْنَ الرَّجَا والْخَوف وأشكر مَن عَلَّمَني وَأَعَلِّمُ مَن سَألنِي وأحمدُ رَبي إذ هَدَاني.
اللَّهُمَّ اكْتُبْ في قُلُوبِنَا الإِيمانَ وأيِّدْنَا مِنْكَ يا نُورَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ اللَّهُمَّ وافْتَحْ لِدُعَائِنَا بَابَ الْقَبُولِ والإِجَابَةِ واغْفِرْ لَنَا وارحمنا برحمتك اللَّهُمَّ اسْلُكْ بِنَا سَبِيلَ الأَبْرَارِ واجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُصْطَفِينَ الأَخْيَارِ، وامْنُنْ عَلَيْنَا بِالْعَفْوِ والْعِتْقِ مِن النَّار وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ منْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فَصْلٌ): يُسَنُّ ذِكْرُ اللهِ والدُّعَاء والاسْتِغْفَارُ عَقبَ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبةِ كَمَا وَرَدَ فِي الأَخْبَار فَيقُولُ: أستغفرُ اللهَ ثلاثَ مراتٍ وَيقول: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ ومنكَ السَّلامُ تَبَارَكْتَ يا ذَا الْجَلالِ والإكرامِ كَمَا وَرَدَ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ تَبَارَكْتَ يا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ» . رواه الجماعة إلا البخاري.
ومِمَّا وَرَدَ مِنْ الذِّكْرِ: ما رُويَ عَنْ عبدِ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ: «لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَليّ الْعَظِيم وَلا نَعْبُدُ إِلا إِيَّاهُ لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» . قَالَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ
[ ١ / ٢٥٨ ]
ﷺ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ. رواه أحمد، ومسلم.
ومِمَّا وَرَدَ مَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبة: «لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ،لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ويُسَبّحُ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، وَيَحْمَدُ ثلاثًا وثلاثينَ، ويُكَبِّرُ ثلاثًا وثلاثينَ لِمَا فِي الصَّحِيحَينِ مِنْ رواية أبي صالح السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ وتَمَامُ الْمائَةِ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، لَهُ الْمُلكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وهو على كلِ شيءٍ قَدِير، وَيَعْقِدُهُ بيدِهِ وَيَعْقِدُ الاستغفارَ بيدِه» . أي يَضْبِطُ عَدَدهُ بأصَابِعِهِ.
وعن عبدِ الله بن عمرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَصْلَتَانِ لا يُحْصِيهمَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَهُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ يُسَبِّحُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ عَشْرًا وَيُكَبِّرُ عَشْرًا وَيَحْمَدُ عَشْرًا» . فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَعْقِدُهَا بِيَدِهِ «فَتِلْكَ خَمْسُونَ وَمِائَةٌ بِاللِّسَانِ وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فِي الْمِيزَانِ وَإِذَا آوَى إلى فِراشِهِ سَبَّحَ وَحَمِدَ وَكَبَّرَ مِائَةً فَتِلْكَ مِائَةٌ بِاللِّسَانِ وَأَلْفٌ بالْمِيزَانِ» . رواه الخمسة، وصححه الترمذي.
وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمَ بَنِيه هؤلاء الْكَلِماتِ ويقول: إنَّ رسول الله ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهنَّ دُبُر الصلاة اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. رواه البخاري، والترمذي وصححه.
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا صَلَّى
[ ١ / ٢٥٩ ]