بين يدي مواعظ خير أصحابٍ - ﵃ - لخير نبيٍّ - ﷺ -
لعلَّ من المناسب أن أقدِّم بين يدي هذه المواعظ بذكر بعض فضائل الصحابة - رضوان الله عليهم - وشيءٍ من كلام الأئمة في بيان مكانتهم، فأقول:
إنَّ من الأصول المقرَّرة في الشرع المطهَّر، ومن سمات أهل السُّنَّة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم للصحابة الأخيار، وحملة الشريعة الأتقياء الأبرار، والذبَّ عن حرماتهم وأعراضهم.
فلولاهم ما وصلنا الدِّين كاملًا - وأصله القرآن - غضًّا طريًّا كأنَّما أنزل اليوم.
إنهم خير الناس للناس، وأفضل تابعٍ لخير متبوعٍ - ﷺ -، هم الذين فتحوا البلاد بالسِّنان، والقلوب بالإيمان.
لم يعرف - التاريخ البشر أعظم من تاريخهم، ولا رجالًا - بعد الأنبياء - أفضل منهم.
هم الذين استرخصوا في سبيل نصر الدِّين أنفسهم وأموالهم! وفارقوا أهلهم وأوطانهم! حين ضنَّ غيرهم بالنفس والمال، واستثقلوا مُفارقة الأهل والولدان، فلا كان ولا يكون مثلهم والله!
[ ١٣ ]
هم الذين اصطفاهم الله لصحبة نبيِّه - ﷺ -. ونشر دينه، فأخرجوا من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد، ومن ضيق الدُّنيا إلى سعتها، ومن جور أهل الطغيان إلى عدل الإسلام، وعلى أيديهم سقطت عروش الكفر، وتحطَّمت شعائر الإلحاد، وذلَّت رقاب الجبابرة والطغاة، ودانت لهم الممالك.
إنَّهم أصحاب محمدٍ - ﷺ -: «الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم الله ﷾ لصحبة نبيِّه - ﷺ - ونصرته، وإقامة دينه، وإظهار حقِّه، فرضيهم له صحابةً، وجعلهم لنا أعلامًا وقدوةً، فحفظوا عنه - ﷺ - ما بلَّغهم عن الله ﷿، وما سنَّ وما شرع، وحكم وقضى وندب، وأمر ونهى وأدَّب، ووعوه وأتقنوه، ففقهوا في الدِّين، وعلموا أمر الله ونهيه ومراده بمعاينة رسول الله - ﷺ - ونفى عنهم الشكَّ والكذب والغلط والريبة والغمز، وسمَّاهم عدول الأمَّة، فقال - عزَّ ذكره - في محكم كتابه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]» (١).
إنَّهم أصحاب محمدٍ - ﷺ - الذين: «سمحت نفوسهم - ﵃ - بالنفس والمال والولد والأهل والدار، ففارقوا الأوطان، وهاجروا الإخوان، وقتلوا الآباء والإخوان، وبذلوا النفوس صابرين، وأنفقوا الأموال محتسبين، وناصبوا من ناوأهم متوكِّلين، فآثروا رضاء الله على الغناء، والذلَّ على العزِّ، والغربة على الوطن، هم المهاجرون: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَائِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨] حقًّا، ثمَّ إخوانهم من
_________________
(١) الجرح والتعديل (١/ ٧).
[ ١٤ ]
الأنصار، أهل المواساة والإيثار، أعزُّ قبائل العرب جارًا، واتَّخذ الرسول - ﷺ - دارهم أمنًا وقرارًا، الأعفَّاء الصُّبر، والأصدقاء الزهر، الذين ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
فمن انطوت سريرته على محبتهم، ودان الله تعالى بتفضيلهم ومودَّتهم، وتبرَّأ ممَّن أضمر بغضهم؛ فهو الفائز بالمدح الذي مدحهم الله تعالى به فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
إنَّهم الصحابة - ﵃ - الذين تولَّى الله شرح صدورهم فأنزل السكينة على قلوبهم، وبشَّرهم برضوانه ورحمته فقال: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾ [التوبة: ٢١].
جعلهم الله خير أمةٍ أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويطيعون الله ورسوله، فجعلهم مثلًا للكتابين؛ لأهل التوراة والإنجيل، خير الأمم أمَّته، وخير القرون قرنه، يرفع الله من أقدارهم؛ إذ أمر الرسول - ﷺ - بمشاورتهم؛ لما علم من صدقهم، وصحة إيمانهم، وخالص مودَّتهم، ووفور عقلهم، ونبالة رأيهم، وكمال نصيحتهم، وتبيُّن أمانتهم، ﵃ أجمعين» (١).
«فكلُّ خير فيه المسلمون إلى يوم القيامة؛ من الإيمان والإسلام، والقرآن والعلم، والمعارف والعبادات، ودخول الجنة والنجاة من النار،
_________________
(١) الإمامة والرد على الرافضة (٢٠٩ - ٢١١).
[ ١٥ ]
وانتصارهم على الكفار، وعلوِّ كلمة الله ﷿ فإنَّما هو ببركة ما فعله الصحابة - ﵃ - الذين بلَّغوا الدِّين، وجاهدوا في سبيل الله، وكلُّ مؤمنٍ آمن بالله فللصحابة - ﵃ - عليه فضلٌ إلى يوم القيامة» (١). وقد قال تعالى - في فضلهم ومآلهم-: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠]. وقال تعالى في مدحهم - ومن أصدق من الله قيلًا وحديثًا؟! -: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]. وبعد هذا الثناء السماويِّ، تأتي التزكية من أصدق الخلق كلامًا، وأفصحهم بيانًا - ﷺ - في أحاديث كثيرةٍ، جمعها بعض العلماء في مجلداتٍ كبارٍ فماذا عسى الإنسان أن يقول في هذا المقام؟!
لقد زكَّاهم - بأبي هو وأمِّي - بقوله: (خير الناس قرني، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم) (٢). وزكَّاهم - ﷺ - فقال: (النُّجوم أمنةٌ للسَّماء، فإذا ذهبت النُّجوم أتى السَّماء ما توعد، وأنا أمنةٌ لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنةٌ لأمَّتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمَّتي ما يوعدون) (٣).
ونهى عن التعرُّض لهم، فقال - ﷺ -: (لا تسبُّوا أصحابي، لا تسبُّوا أصحابي؛ فو الَّذي نفسي بيده، لو أنَّ أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبًا، ما أدرك
_________________
(١) منهاج السُّنَّة (٦/ ٣٧٦).
(٢) البخاري ح (٢٦٥٢)، مسلم ح (٢٥٣٣).
(٣) صحيح مسلم ح (٢٥٣١).
[ ١٦ ]
مدَّ أحدهم، ولا نصيفه) (١).
ولأجل ما تقدَّم من نصوص الوحيين في فضائل الصحابة - ﵃ - كان أئمة السلف - ﵏ - يحذِّرون أشدَّ التحذير من الخوض في شيءٍ من أخطاء الصحابة - ﵃ - مع اعتقادهم بأنَّهم ليسوا بمعصومين على مستوى أفرادهم، وقد يوجد من آحادهم أخطاءٌ، هم فيها بين الأجر والأجرين - ﵃ - وإنَّما قال السلف هذا وأكَّدوه؛ لأنَّهم أدركوا ورأوا بأعينهم أنَّ الوالج في هذا الباب لا ينتهي به الأمر إلا إلى هدم الشريعة!
يقول الإمام الجليل أبو زرعة ﵀: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول لله - ﷺ -، فاعلم أنه زنديقٌ؛ وذلك أنَّ الرسول - ﷺ - عندنا حقٌّ، والقرآن حقٌّ، وإنَّما أدَّى إلينا هذا القرآن والسُّنن أصحاب رسول الله - ﷺ -! وإنَّما يريدون أن يجرحوا شهودنا؛ ليبطلوا الكتاب والسُّنَّة! والجرح بهم أولى، وهم زنادقةٌ».
وقال الإمام أحمد ﵀: «ومن انتقص أحدًا من أصحاب رسول الله أو أبغضه لحدثٍ كان منه، أو ذكر مساويه، كان مبتدعًا حتى يترحَّم عليهم، ويكون قلبه لهم سليمًا» (٢).
وقال شيخ الإسلام ﵀ فيمن زعم: «أنهم ارتدُّوا بعد الرسول - ﷺ - إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنَّهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضًا في كفره؛ فإنَّه مكذِّبٌ لما نصَّه القرآن في غير موضع من الرِّضا عنهم والثناء عليهم، بل من يشكُّ في كفر مثل هذا، فإنَّ كفره
_________________
(١) البخاري ح (٣٦٧٣)، مسلم ح (٢٥٤٠).
(٢) أصول السُّنَّة؛ لأحمد بن حنبل (ص٥٤).
[ ١٧ ]
متعينٌ؛ فإنَّ مضمون هذه المقالة أنَّ نقلة الكتاب والسُّنَّة كفارٌ أو فسَّاقٌ، وأنَّ هذه الأمة التي هي: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وخيرها هو القرآن الأوَّل - كان عامتهم كفارًا أو فساقًا - ومضمونها أنَّ هذه الأمة شرُّ الأمم، وأنَّ سابقي هذه الأمة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام؛ ولهذا تجد عامة من ظهر عنه شيءٌ من هذه الأقوال، فإنَّه يتبيَّن أنَّه زنديقٌ، وعامة الزنادقة إنما يستترون بمذهبهم، وقد ظهرت لله فيهم مثلاثٌ» (١).اهـ.
ومن دقيق فهم الإمام مالك ﵀ للقرآن أنَّه قال في قوله تعالى عن الصحابة: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]، قال ﵀: «من أصبح من الناس في قلبه غيظٌ على أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقد أصابته هذه الآية» (٢).
فليعرف المؤمن لأصحاب نبيِّه - ﷺ - قدرهم، وليحذر من الاستماع أو المشاهدة لتلك القنوات، التي تثير الشُّبه حول أصحاب النبيِّ - ﷺ -، فخيرٌ للمؤمن - والله - أن يلقى ربَّه وقلبه سليمٌ لعموم المؤمنين، فكيف بأصحاب النبيِّ - ﷺ -؟! وليحفظ المسلم ثناء الله على أصحاب نبيِّه - ﷺ - ورضاه عنهم، ولا يكن في قلبه غلٌّ على أحدٍ منهم؛ فإنَّ هذا من أعظم خبث القلوب.
اللَّهمَّ اجعلنا ممَّن دخل في قولك: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا
_________________
(١) الصارم المسلول (٣/ ١١١٠ - ١١١١).
(٢) الرواة عن مالك؛ للرشيد العطار (ص٢٥٩)، وانظر: «الشفا»؛ للقاضي عياض (٢/ ١٢٠).
[ ١٨ ]
غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، واجمعنا بصحابة نبيِّك - ﷺ - في دار الكرامة؛ فإنَّا - وأنت خير الشاهدين - قد أحببناهم، وواليناهم، وكرهنا وأبغضنا من أبغضهم.
***
[ ١٩ ]