(١/ ٢)
إنَّه أحد تلاميذ المدرسة النبويَّة النُّجباء، كان يلقَّب بـ (سيِّد القرَّاء)، ويُكنَّى أبا المنذر، أبيُّ بن كعب بن قيس بن عبيدٍ، الأنصاريُّ، النَّجَّاريُّ، المدنيُّ، المقرئ، البدريُّ.
شهد العقبة، وبدرًا، وجمع القرآن في حياة النبيِّ - ﷺ -، وعرض على النبيِّ - ﵊- وحفظ عنه علمًا مباركًا، وكان رأسًا في العلم والعمل.
ومن أجلِّ مناقبه: أنَّ الله تعالى أمر النبيَّ - ﷺ - أن يقرأ عليه القرآن، وتحديدًا سورة البيِّنة، كما ثبت ذلك في الصحيح، فلمَّا قال له النبيُّ - ﷺ - ذلك، بكى (١)، وحُقَّ له ذلك.
وسأله النبيُّ - ﷺ - مرةً: (أيُّ آيةٍ من كتاب الله معك أعظم؟)، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فضرب النبيُّ - ﷺ - في صدره
_________________
(١) البخاري ح (٣٨٠٩)، مسلم ح (٧٩٩).
[ ١٩٣ ]
وقال: (ليهنك العلم أبا المنذر!) (١).
وثبت في البخاريِّ أنَّه أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن والنبيُّ - ﷺ - حيٌّ، وكلُّهم من الأنصار.
كان أمير المؤمنين عمر - ﵁ - يجلُّه، ويعرف له فضله وعلمه، توفِّي - ﵁ - سنة عشرين للهجرة، وقيل غيرها (٢).
* * *
• لقد نقل لنا الأئمة عن هذا الصاحب الجليل جملةً من المواعظ؛ منها (٣):
أنَّ رجلًا قال لأبيِّ بن كعبٍ: عظني، ولا تكثر عليَّ فأنسى، فقال له:
«اقبل الحقَّ ممَّن جاءك به وإن كان بعيدًا بغيضًا، واردد الباطل على من جاءك به وإن كان حبيبًا قريبًا»، قال: «وآخ الإخوان على قدر تقواهم، ولا تغبط الحيَّ إلا بما تغبط الميِّت»
هذه الموعظة تشكل منهجًا متينًا في التعامل مع الأقوال لا القائلين، فإنَّ عموم الناس يربطون بين الأمرين! وهذا غلطٌ؛ لأنَّ الحقَّ يجب قبوله لكونه حقًّا، أمَّا القائل، فشأنٌ آخر.
والعكس كذلك؛ فإنَّ من الناس من إذا أحبَّ أحدًا قَبِلَ ما يأتي به وإن كان باطلًا! وهذا غلطٌ وخللٌ، فإنَّ الباطل يُردُّ لأنَّه باطلٌ، بغضِّ النظر عمَّن أتى به.
ومن أعظم الشواهد على هذا المعنى، ما أرشدت إليه آية سورة
_________________
(١) مسلم ح (٨١٠).
(٢) تنظر ترجمته مطولة في: سير أعلام النبلاء (١/ ٣٨٩).
(٣) حلية الأولياء (٩/ ١٢١).
[ ١٩٤ ]
الأعراف، قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]، فتأمَّل كيف صدَّق القرآن كلمتهم في كونهم وجدوا آباءهم عليها، دون قولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ فقد ردَّها الله عليهم.
فإذا كان ربُّ العزَّة قد أقرَّ هؤلاء على قولهم مع كفرهم؛ فمن دون ذلك وما دونه من باب أولى.
وفي صحيح البخاريِّ، لمَّا جاء الشيطان إلى أبي هريرة - ﵁ - في صورة رجلٍ يسأل الصدقة، ثلاث ليالٍ، وفي كلِّ مرةٍ يُهدِّده بالرفع إلى رسول الله - ﷺ -، فقال له: دعني أعلِّمك كلماتٍ ينفعك الله بها، قلت: ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسيِّ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، حتى تختم الآية؛ فإنَّك لن يزال عليك من الله حافظٌ، ولا يقربنَّك شيطانٌ حتى تصبح، فخلَّيت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله - ﷺ -: (ما فعل أسيرك البارحة؟)، قلت: يا رسول الله، زعم أنَّه يعلِّمني كلماتٍ ينفعني الله بها، فخليت سبيله، قال: (ما هي؟)، قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسيِّ من أولها حتى تختم الآية: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظٌ، ولا يقربك شيطانٌ حتى تصبح - وكانوا أحرص شيءٍ على الخير- فقال النبي - ﷺ -: (أما إنَّه قد صدقك وهو كذوبٌ، تعلم من تُخاطب منذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة؟)، قال: لا، قال (ذاك شيطانٌ!) (١).
_________________
(١) البخاري ح (٢٣١١).
[ ١٩٥ ]
فهذا رسول الله - ﷺ - يربِّي أمَّته على قبول الحقِّ وإن جاء من الشيطان، فكيف بغيره؟! فقال: (أما إنَّه قد صدقك وهو كذوبٌ).
وعلى هذا المنهج- وهو قبول الحقِّ ممَّن جاء به- سار أئمة العلم والعمل؛ لأنَّ قبول الحقِّ ممن جاء به، وردَّ الباطل ممَّن جاء به- هو علامة التجرُّد.
أتى رجلٌ ابن مسعود - ﵁ - فقال له: إنِّي منطلقٌ، فزوِّدني؟ فقال له: «اقبل الحقَّ من البغيض البعيد، وأنكر المنكر على الحبيب القريب» (١).
وقد سُئل الفضيل بن عياضٍ عن التواضع، فقال: «يخضع للحقِّ وينقاد له، ويقبل الحقَّ من كلِّ من يسمعه منه» (٢).
وأمَّا الجزء الثاني من موعظة أُبيٍّ - ﵁ -، فهو قوله: «وآخ الإخوان على قدر تقواهم، ولا تغبط الحيَّ إلا بما تغبط الميِّت».
وهذه الوصية مقتبسةٌ من نور القرآن الكريم؛ فإنَّ كلَّ الصداقات الدُّنيويَّة ستنقلب يوم القيامة إلى عداوةٍ، كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].
وأمَّا قوله: «ولا تغبط الحيَّ إلا بما تغبط الميِّت»؛ أي: انظر ما الذي يُغبط به الميِّت؟ والجواب بلا ريبٍ: هو العمل الصالح، فكذلك: إذا رأيت على أحدٍ نعمةً دنيويَّةً، أو مالًا، أو جاهًا، أو غير ذلك ممَّا يُغبط به الأحياء، فتذكَّر ما الذي يُغبط به هذا الإنسان لو مات الآن؟!.
إنَّها تربيةٌ عمليَّةٌ نفسيَّةٌ من هذا الإمام الجليل أُبيِّ بن كعبٍ - ﵁ -
_________________
(١) ترتيب الأمالي الخميسية؛ للشجري (٢/ ٤٣٣).
(٢) شعب الإيمان (١٠/ ٥١٠).
[ ١٩٦ ]
في التعامل مع جواذب الدُّنيا، وفِتَنها التي تأسر لُبَّ الأكثرين، ولا يتفطَّن لحقيقتها إلا أولو العلم والإيمان، كما قال سبحانه- في شأن قارون، وكيف تصدَّى أهل العلم لبيان فتنة غِناه، الذي بهر عقول الكثيرين-: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٧٩، ٨٠].
فيا كلَّ أخٍ وأختٍ فاته من الدُّنيا ما فاته! وتطلَّعت نفسه لما في أيدي الأغنياء، أو تصدَّع فؤاده على ما يراه في أيدي الأثرياء، تذكَّر هذه الحقيقة: «ولا تغبط الحيَّ إلا بما تغبط الميِّت»، واعلم أنَّ الدُّنيا لو كانت كريمةً على الله، لما زواها عن أحبِّ الخلق إليه؛ محمدٍ - ﷺ -، وعن عامَّة أوليائه.
وفي الوقت ذاته، فإنَّ حيازة الدُّنيا ليست مذمومةً مُطلقًا- كما تقدَّم - وإنَّما تُذُّم إذا ألهت عن واجبٍ، أو أدَّت إلى الوقوع في المنهيَّات؛ ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: (لا حسد إلَّا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء اللَّيل وآناء النَّهار، ورجلٌ آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء اللَّيل وآناء النَّهار) (١).
ومن أراد أن يقرأ درسًا في الزهد الحقيقيِّ مع توافر الدُّنيا مع العبد، فليتدبَّر قصة نبيِّ الله سليمان - ﵊- وخاصةً في سورة (ص)، ففيها دروسٌ وعبرٌ.
والمقصود أنَّ الموفَّق من عرف حقيقة الدُّنيا؛ فزهد فيها الزهد
_________________
(١) البخاري ح (٧٥٢٩)، مسلم ح (٨١٥).
[ ١٩٧ ]
الحقَّ، وأخرجها من قلبه، واستخدمها ولم يخدمها، وجعلها مطيَّةً للآخرة.
هذه موعظةٌ بليغةٌ من مواعظ الصحابيِّ الجليل أُبيِّ بن كعبٍ - ﵁ -، والحديث موصولٌ - بإذن الله- مع بعض مواعظه التي سنتوقَّف عندها في المجلس القادم.
* * *
[ ١٩٨ ]