(٢/ ٢)
• ومن مواعظ سيِّد القرَّاء، أبي المنذر - ﵁ -: قوله (١):
«تعلَّموا العلم واعملوا به، ولا تتعلَّموه لتتجمَّلوا به؛ فإنَّه يوشك- إن طال بكم زمانٌ- أن يُتجمَّل بالعلم كما يتجمَّل الرَّجل بثوبه!».
هكذا يوصي هذا العالم بهذه الوصيَّة، ويعظ بهذه الموعظة؛ مذكِّرًا بالغاية التي لأجلها يتعلَّم العلم، ويراد من طلبه.
ولكأنَّما كان أُبيُّ بن كعبٍ ينظر إلى الغيب من سترٍ رقيقٍ، حين وصف حال طائفةٍ من الناس، همُّه في الطلب أن يتجمَّل به في المجالس، أو ليتصدَّر فيها، أو ليشار إليه، أو ليصرف وجوه الناس إليه - نعوذ بالله من ذلك!
ولأجل هذا تتابعت كلمات السلف الصالح في تقرير هذا المعنى - أعني: الإخلاص في طلب العلم، وقصد العمل به- نصحًا للأمَّة، ولخاصَّتها من طلاب العلم وشداته.
يقول عبد الله بن مسعودٍ - ﵁ -: «إنَّ الناس أحسنوا القول كلُّهم، فمن وافق قوله فعله، فذلك الذي أصاب حظَّه، ومن خالف قوله فعله، فإنَّما يوبِّخ نفسه».
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله (١/ ٦٩٣).
[ ١٩٩ ]
ورُوي عن عليٍّ - ﵁ - أنَّه قال: «يا حملة العلم، اعملوا به؛ فإنَّما العالم من علم ثم عمل، ووافق عمله علمه، وسيكون أقوامٌ يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم! تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يقعدون حِلقًا فيباهي بعضهم بعضًا، حتى إنَّ الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه! أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله - ﷿ -».
وقال مالكٌ: بلغني عن القاسم بن محمدٍ أنَّه قال: «أدركت الناس وما يعجبهم القول؛ إنَّما يعجبهم العمل».
ويُروى أنَّ سفيان الثَّوريَّ ﵀ كان ينشد متمثِّلًا:
إذا العلم لم تعمل به كان حجَّةً عليك ولم تعذر بما أنت جاهله
فإن كنت قد أوتيت علمًا فإنَّما يصدِّق قول المرء ما هو فاعله (١)
والمأثور عن السلف في هذا الباب أكثر من أن يُحصر، والموفَّق من نفعه الله بقليل التذكرة عن طويلها.
* * *
• ومن مواعظ أُبيِّ بن كعبٍ - ﵁ - قوله (٢):
«المؤمن بين أربعٍ: إن ابتُلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن قال صدق، وإن حكم عدل».
وأصل هذه الموعظة من أُبيِّ بن كعبٍ - ﵁ -، جاءت في سياق تفسيره لقول الله تعالى في سورة النور: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ
_________________
(١) ما سبق من آثار عن السلف ينظر فيه: جامع بيان العلم وفضله (١/ ٦٩٨).
(٢) حلية الأولياء (١/ ٢٥٥).
[ ٢٠٠ ]
نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥].
قال - ﵁ - في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾: «مثل المؤمن قد جعل الإيمان والقرآن في صدره كمشكاةٍ، قال: المشكاة: صدره»، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ قال: «والمصباح: القرآن والإيمان الذي جعل في صدره»، ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ قال «والزجاجة: قلبه»، ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ قال: «فمثله ممَّا استنار فيه القرآن والإيمان كأنَّه كوكبٌ دُرِّيٌ: مُضِيءٌ».
﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ والشجرة المباركة: الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له.
﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: «فمثله مثل شجرةٍ التفَّ بها الشجر، فهي خضراء ناعمةٌ، لا تصيبها الشمس على أيِّ حالٍ كانت، لا إذا طلعت ولا إذا غربت، وكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصيبه شيءٌ من الغِيَر، وقد ابتلى بها، فثبَّته الله فيها، فهو بين أربع خلالٍ: إن أعطي شكر، وإن ابتُلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق؛ فهو في سائر الناس كالرجل الحيِّ يمشي في قبور الأموات.
قال: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ فهو يتقلَّب في خمسةٍ من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة في الجنة» (١).
_________________
(١) تفسير الطبري (١٧/ ٣٠٢).
[ ٢٠١ ]
نسأل الله أن يجعلنا ممَّن نوَّر الله بصائرهم وأقوالهم وأعمالهم.
* * *
• ومن مواعظ أُبيِّ بن كعبٍ - ﵁ - قوله (١):
«عليكم بالسَّبيل والسُّنَّة، وإنَّ اقتصادًا في سنَّةٍ وسبيل، خيرٌ من اجتهادٍ في غير سنَّةٍ وسبيل، فانظروا أعمالكم؛ فإن كانت اقتصادًا واجتهادًا، فلتكن على منهاج الأنبياء وسُنَّتهم».
صدق أُبيٌّ - ﵁ -! «وإنَّ اقتصادًا في سنَّةٍ وسبيل، خيرٌ من اجتهادٍ في غير سنَّةٍ وسبيل».
ذلك أنَّ طريق التعبُّد لله تعالى موقوفٌ على الدليل الهادي، وهذا لا يكون إلا بنصٍّ من كتابٍ أو سنَّةٍ، فوجب الاقتصار عليهما.
ولو فتح باب الاجتهاد في هذه الأبواب، لتشتَّت الناس، ولأصبح لكلِّ منهم طريقٌ يتعبَّد لله به، ولاقتحم من شاء أن يقتحم جناب الشريعة، وصار كلُّ من شاء أن يُشرِّع شرَّع! ولذهبت حكمةٌ ومقصدٌ من أعظم مقاصد الشرع، وهو: جمع الناس في عبادة ربِّهم.
ولهذا تواردت كلمات السلف في تقرير هذا المعنى؛ فعن ابن مسعودٍ - ﵁ - قال: «اقتصادٌ في سُنَّة، خيرٌ من اجتهادٍ في بدعة، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ» (٢).
ورُوي عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: «اقتصادٌ في سُنَّة خيرٌ من اجتهادٍ في بدعة؛ إنَّك أن تتَّبع، خيرٌ من أن تبتدع، ولن تخطئ الطَّريق ما
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٧/ ٢٢٤) باختصار.
(٢) السُّنَّة، للمروزي (ص ٣٠).
[ ٢٠٢ ]
اتَّبعت الأثر» (١).
ولهذا؛ كان من فقه الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز أنَّه كتب إلى الناس: «أنَّه لا رأي لأحدٍ مع سُّنَّةٍ سنَّها رسول الله - ﷺ -» (٢).
ولو أنَّ الذين ابتدعوا ما ابتدعوا في دين الله بزعم تقريب الدِّين للناس- وتحبيبهم فيه- راعوا هذه القاعدة، لعلموا أنَّهم مخطئون، قد فتحوا على الأمَّة أبوابًا من الاجتهادات الباطلة، التي زادت الأمة فُرقةً وشتاتًا، حتى إنَّ الإنسان المتأمِّل ليجد في مخالفة هذه الموعظة أثر قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩]، فكم تفرَّقت الأمَّة بسبب هذه البدع، كلٌّ يدَّعي أنَّه مصيبٌ، وأنَّه يُريد تعبيد الناس لله بطريقته التي اخترعها!
ولقد رأيت بنفسي في بعض البلاد الإسلاميَّة كيف صدَّعت هذه البدع جدار جماعة المسلمين في أقدس البقاع، وهي المساجد، التي شرعت الجماعة فيها لأجل جملةٍ من المقاصد؛ منها: الاجتماع، فالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
* * *
• ومن مواعظه - ﵁ - أنَّه قال لرجلٍ طلب منه الوصيَّة (٣):
«اتَّخذ كتاب الله إمامًا، وارض به قاضيًا وحكمًا؛ فإنَّه الذي استخلف فيكم رسولكم، شفيعٌ مُطاعٌ، وشاهدٌ لا يُتَّهم، فيه ذكركم وذكر من قبلكم، وحكم ما بينكم، وخبركم وخبر ما بعدكم».
سبحان الله! ما أجمل هذه الوصايا، وأنفعها على اختصارها!
_________________
(١) السُّنَّة؛ للمروزي (ص٣٢).
(٢) السُّنَّة؛ للمروزي (ص٣١).
(٣) حلية الأولياء (١/ ٢٥٣).
[ ٢٠٣ ]
كم هو جميلٌ أن نُضمِّن وصايانا التي نكتبها لمن بعدنا- وكذلك لمن يستوصينا- أمثال هذه الجمل المختصرة، والمعاني الجليلة؛ فإنَّ الإنسان إذا ألقى هذه الكلمات الطيِّبة، فيُوشك أن تُنبت الثمر الطيِّب ولو بعد حينٍ.
* * *
[ ٢٠٤ ]