أبو ذرٍّ: جنب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام، أبو ذرٍّ الغفاريُّ - ﵁ -، أحد علماء الصحابة، وأحد السابقين الأوَّلين، كان من نجباء أصحاب محمدٍ - ﷺ -، قيل: كان خامس خمسةٍ في الإسلام، ثم ردَّ إلى بلاد قومه، فأقام بها بأمر النبيِّ - ﷺ - له بذلك، فلما هاجر النبيُّ - ﷺ - هاجر إليه - ﵁ - ولازمه، وجاهد معه، وكان يفتي في خلافة أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان.
وكان رأسًا في الزهد والصدق، والعلم والعمل، قوَّالًا بالحقِّ، لا تأخذه في الله لومة لائم، وهو ممَّن شهد فتح بيت المقدس مع عمر ﵄، وكانت وفاته سنة (٢٣هـ) (١).
* * * *
• ومن مواعظه - ﵁ - (٢):
أنَّ رجلًا شتمه، فقال له أبو ذرٍّ:
«يا هذا، لا تغرقنَّ في شتمنا، ودع للصلح موضعًا؛ فإنَّا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه!».
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٢/ ٤٦).
(٢) الآداب الشرعيَّة، والمنح المرعيَّة (٢/ ١١).
[ ١٦٣ ]
هذه الموعظة يمكن أن نجعلها قاعدة من قواعد الأدب والتعامل مع الناس، خاصةً ممَّن يصدر منهم ألوانٌ من الجهل والسَّفه، فإنَّ من تأمَّل وجد أنَّ الابتلاء بهذا النوع من الناس، هو نوعٌ من التربية العمليَّة على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥].
وإلا فما يصنع العاقل مع السفهاء والجهَّال؟ أيجاريهم؟ أم يبادلهم الشَّتم بمثله؟ أم ماذا؟ ليس ثمَّة شيءٌ أنفع ممَّا ذكره أبو ذرٍّ - ﵁ -، وليكن من قصد المؤمن- أيضًا-: الرحمة بهؤلاء الجهَّال، الذين كسدت بضاعة ألفاظهم في سوق الأخلاق وللأسف.
وما أحوج الإخوة الذين دخلوا في مواقع التواصل الاجتماعيِّ إلى استشعار هذا المعنى جيدًا؛ فإنَّ التجربة دلَّت على أن سوق السفهاء وقليلي الأدب رائجةٌ في أمثال هذه المواقع، وقد يتعرَّض الإنسان العاديُّ - فضلًا عن الداعية والعالم - إلى ألوانٍ من السفه والحماقة، لا يمكن دفعها إلا بمثل هذا النوع من التوجيه الرائع.
وخليقٌ بأمثال هؤلاء أن يتمثَّلوا هدي القرآن الذي أشرت إليه آنفًا، وأن يتذكَّروا هدي النبيِّ - ﷺ - مع هذا النوع من الناس، وهدي السلف الصالح - ﵃ -، ومن ذلك: أنَّ رجلًا شتم الشَّعبيَّ، فقال له الشعبيُّ: إن كنتُ كما قلتَ، فغفر الله لي، وإن لم أكن كما قلتَ، فغر الله لك.
وما أجمل كلمة أبي ذرٍّ حين قال: «فإنَّا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه»! فالسفيه بشتمه وإقذاعه قد
[ ١٦٤ ]
عصى الله في ظلم أخيه المسلم وبهته، فلا أجمل من أن يطيع الله فيه؛ بتمثُّل الأخلاق الحسنة، بالحلم والصبر، والرحمة لهذا النوع من الناس.
كما ينبغي أن يعامل الإنسان الناس بأخلاقه هو، لا بأخلاقهم، وإلا كان مع الوقت مجمعًا للرذائل.
* * *
• ومن مواعظه - ﵁ - قوله (١):
«ذو الدِّرهمين يوم القيامة أشدُّ حسابًا من ذي الدرهم».
الفرح بالمال أمرٌ فطريٌّ، لكنَّ المؤمن الذي لا تغيب عنه الآخرة يتذكَّر التَّبعة، ويستحضر قول نبيِّه - ﷺ - في تلك الأربع التي سيسأل عنها: (وعن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟) (٢).
فأهل الإيمان لا ينسيهم جمع الدرهم والدينار التفكُّر في مصدره ومورده؛ فإنَّ الحساب يوم القيامة شديدٌ؛ ولهذا اختار عامة صالحي هذه الأمَّة التخفُّف من هذا المال؛ حذرًا من تبعاته، وخوفًا من مآلاته، قال عطاءٌ- وغيره من السلف -: هذه الدُّنيا حرامها عقاب، وحلالها حساب.
وبالجملة، فالعاقل يتأمَّل في هذا المعنى، ويعلم أنَّ خفَّة الظَّهر من هذا المال خيرٌ، إلا من أخذه بحقِّه، والله المستعان.
_________________
(١) الزهد؛ لابن المبارك (١٩٥)، مصنَّف ابن أبي شيبة رقم (٣٤٦٨٤).
(٢) الترمذي ح (٢٤١٧)، وقال: حسن صحيح.
[ ١٦٥ ]
• ومن مواعظ أبي ذرٍّ - ﵁ - (١): أنَّه قام يومًا عند الكعبة فقال:
«يا أيُّها الناس، أنا جندبٌ الغفاريُّ، هلمُّوا إلى الأخ الناصح الشفيق»، فاكتنفه الناس، فقال:
«أرأيتم لو أنَّ أحدكم أراد سفرًا، أليس يتَّخذ من الزاد ما يصلحه ويبلِّغه؟» قالوا: بلى، قال: «فسفر طريق القيامة أبعد ما تريدون، فخذوا منه ما يصلحكم»، قالوا: وما يصلحنا؟ قال:
«حجُّوا حجَّةً لعظام الأمور، صوموا يومًا شديدًا حرُّه لطول النُّشور، صلُّوا ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور، كلمة خيرٍ تقولها أو كلمة سوءٍ تسكت عنها لوقوف يومٍ عظيمٍ، تصدَّق بمالك لعلَّك تنجو من عسيرها- أي: عسير الدُّنيا- اجعل الدُّنيا مجلسين: مجلسًا في طلب الآخرة، ومجلسًا في طلب الحلال، والثالث يضرُّك ولا ينفعك، لا تريده.
اجعل المال درهمين: درهمًا تنفقه على عيالك من حلِّه، ودرهمًا تقدِّمه لآخرتك، والثالث يضرُّك ولا ينفعك، لا تريده». ثم نادى بأعلى صوته: «يا أيُّها الناس، قد قتلكم حرصٌ لا تدركونه أبدًا!».هذه ثمان وصايا، يجمعها النصح والشفقة، والاستعداد للدَّار الخالدة الآخرة، وفيها من التوازن في أمر الدُّنيا والآخرة، كما هو فقه الصحابة - ﵃ - في هذه الأبواب، فعندهم من العلم ما يمنعهم من التزهيد في الدُّنيا تزهيدًا غير منضبطٍ، وعندهم من الفقه ما يجعلهم يحذِّرون من الانغماس الشديد في الدُّنيا انغماسًا ينسي العبد ما خُلِقَ له، دليلهم في هذا تلك القاعدة القرآنيَّة العظيمة: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ
_________________
(١) حلية الأولياء، وطبقات الأصفياء (١/ ١٦٥).
[ ١٦٦ ]
وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ﴾ [القصص: ٧٧].
* * *
• ومن مواعظه - ﵁ - قوله (١):
«وددتُّ أنِّي كنت شجرةً أُعضَدُ، ووددتُّ أنِّي لم أخلق».
وردت هذه الكلمة عن أبي ذرٍّ، وورد نحوها عن جماعةٍ من الصحابة.
ولقد كنت في صغري وبواكير الشباب أتعجَّب وأستغرب من هذه الكلمة! فلمَّا قرآت كلام السلف عن قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]، تبيَّن لي سبب هذا، وحاصلة يعود إلى خوفهم من ذلك المشهد المهول، والموقف العظيم، ألا وهو اللحظة التي يقف فيها العبد بين يدي الله تعالى، ويسأل فيها عن كلِّ شيء!
روي عن عمر بن الخطَّاب - ﵁ - أنَّه سمع رجلًا يقرأ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾، فقال عمر: ليتها تمَّت!
وروي عن ابن مسعودٍ - ﵁ - أنَّه سمع رجلًا يتلو الآية: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾، فقال ابن مسعودٍ: يا ليتها تمَّت! فعوتب في قوله هذا، فأخذ عودًا من الأرض فقال: يا ليتني كنت مثل هذا (٢).
_________________
(١) الزهد؛ لأحمد بن حنبل (١/ ١٢٠).
(٢) ينظر: الدر المنثور (٨/ ٣٦٦)، ومعنى قولهما: أي: ليت الإنسان بقي شيئًا غير مذكورٍ!
[ ١٦٧ ]
والحاصل أنَّ السلف - ﵃ - كانوا شديدي الخوف من تلك الوقفة المهيبة!
وحتى يتصوَّر الإنسان هذا المعنى - من باب التقريب، وإلا فللَّه المثل الأعلى والأكمل-: ما شعور أحدنا لو استدعاه حاكمٌ من الحكَّام، وهذا الحاكم عنده تقريرٌ مفصَّلٌ بكلماته، وذهابه وإيابه، وكلِّ شيءٍ ظاهرٍ من أعماله! فكيف بالوقوف بين يدي من لا تخفى عليه خافيةٌ؟! ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨].
هنا يتوقَّف البيان، وينكسر القلم، وليس لنا إلا أن نسأل الله تعالى أن يمنَّ علينا بالعفو والستر، وأن يرحمنا برحمته التي وسعت كل شيءٍ.
هذه بعض من مواعظ هذه الصحابيِّ الجليل أبي ذرٍّ - ﵁ -، جمعنا الله به في دار كرامته وبحبوحة جنانه.
* * *
[ ١٦٨ ]