أبو موسى الأشعريُّ - ﵁ -، وإن شئت فقل: عبد الله بن قيس بن سليمٍ، من بني الأشعر، من قحطان: صحابيُّ من الشُّجعان، ولد في زبيد (باليمن).
إمامٌ من أئمَّة الصحابة - ﵃ -، قدم مكَّة عند ظهور الإسلام فأسلم، هاجر الهجرتين -الحبشة والمدينة -كان خفيف الجسم، قصيرًا، وهو أحد عمَّال النبيِّ - ﷺ -، كان أحد علماء الصحابة وفقهائهم، بعثه النبيُّ - ﷺ - مع معاذ بن جبلٍ إلى اليمن، كان قد أعطي مزمارًا من مزامير آل داود من حسن صوته، وكان أحد الولاة الفاتحين، وأحد الحكمين اللذين رضي بهما عليُّ ومعاوية بعد حرب صفِّين للتحكيم، سئل عليٌّ - ﵁ - عن موضع أبي موسى من العلم؟ فقال: صُبغ في العلم صبغةً.
توفِّي سنة (٥٢هـ)، ودفن بمكة، وقيل: (٤٤هـ)، ودفن قريبًا من الكوفة على ميلين (١).
كان أبو موسى علمًا من أعلام مدرسة محمدٍ - ﷺ -، وتلميذًا نجيبًا فيها، أدرك علمًا غزيرًا، ظهر أثره في حياته العمليَّة، وثقة أكابر الصحابة
_________________
(١) يُنظر: معرفة الصحابة؛ لأبي نعيم (٤/ ١٧٤٩)، الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٣/ ٩٨١)، الأعلام؛ للزِّركلي (٤/ ١١٤).
[ ١١١ ]
فيه، وكثرة ما روى عن النبيِّ - ﷺ -، ولعلَّ مواعظة -التي سنشير إلى شيءٍ منها -توضح هذه الحقيقة، فمن ذلك:
• ما روى البيهقيُّ في الشُّعب (١) من طريق موسى بن إسحاق الطَّلحيِّ، قال:
اجتهد الأشعريُّ قبل موته اجتهادًا شديدًا، فقيل له: لو أمسكت ورفقت بنفسك بعض الرِّفق! قال: «إنَّ الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها، أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلي أقلُّ من ذلك».
قال: فلم يزل على ذلك حتى مات.
يا لها من موعظةٍ عمليَّةٍ من أبي موسى - ﵁ -! قرنها بموعظةٍ قوليَّةٍ؛ فاجتمع فيها القول والعمل، وهذا غاية ما يكون من التأثير في المواعظ التي تُنقل عن العلماء.
لقد كان أبو موسى من علماء الصحابة - كما أسلفت - وكان على قدرٍ كبيرٍ من العمل، لكنَّه لمَّا تقدَّمت به السنُّ، وأحسَّ بدنوِّ الأجل، رأى أنَّ خير عُدَّةٍ للقاء الله هي الاجتهاد في العمل، فلمَّا عُوتب في هذا، وطلبوا منه أن يرفق بنفسه، أجابهم بهذه الكلمة الحكيمة: «إنَّ الخيل إذا أُرسلت فقاربت رأس مجراها، أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلي أقلُّ من ذلك».
وإذا كان المطلوب من المؤمنين عمومًا الاجتهاد في العمل -لأنَّ الإنسان لا يدري متى يفجؤه الأجل -فإنَّه متعيِّنٌ ومتأكِّدٌ في حقِّ من تقدَّمت بهم السنُّ، واقتربوا من الآخرة، فماذا ينتظر من جاوز الستِّين؟ فضلًا عمَّن جاز السبعين والثمانين! بل قال بعض السلف -وهو عبد الله بن
_________________
(١) شُعب الإيمان (١٣/ ٢٠٢).
[ ١١٢ ]
داود الخُريبيُّ -يحكي حال من قبله: كان أحدهم إذا بلغ أربعين سنةً طوى فراشه، وكان بعضهم يحيي الليل، فإذا نظر إلى الفجر قال: «عند الصباح يحمد القوم السُّرى» (١).
يقول أنس بن مالكٍ - ﵁ -: كنَّا مع أبي موسى في مسيرٍ له، فسمع الناس يتحدَّثون، فسمع فصاحةً فقال: «ما لي يا أنس؟ هلمَّ فلنذكر ربَّنا، فإنَّ هؤلاء يكاد أحدهم أن يفري الأديم (٢) بلسانه»! ثمَّ قال لي: «يا أنس، ما أبطأ بالناس عن الآخرة، وما ثبرهم (٣) عنها؟»، قال: قلت: الشهوات والشيطان، قال: «لا والله، ولكن عجِّلت لهم الدُّنيا، وأخِّرت الآخرة، ولو عاينوا، ما عدلوا وما ميَّلوا» (٤).
وهذا المعاني التي أشار لها أبو موسى وعبد الله بن داود الخُريبيُّ، منتزعةٌ من جملةٍ من النصوص، لعلَّ من أشهرها قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥]، فالموفَّق من التفت إلى آخرته ما دام في نفسه بقيَّةٌ، خاصةً إذا كان ممَّن جاز
_________________
(١) المجالسة وجواهر العلم (١/ ٤٤٤). السُّرى: السير في الليل. وهذا مثلٌ أول من قاله خالد بن الوليد، في صبح ليلةٍ قطع فيها مفازةً كانت في طريقه من العراق إلى الشام. ويضرب هذا المثل للرجل يحتمل المشقة رجاء الراحة. انظر: الفاخر (ص١٩٣)، مجمع الأمثال (٢/ ٣)، صبح الأعشى (١/ ٣٤٨).
(٢) الفري: القطع. الأديم: الجلد.
(٣) وما ثبرهم: ما الذي صدَّ الناس ومنعهم عن طاعة الله؟ - غريب الحديث؛ للخطاب (٢/ ٣٦٥).
(٤) حلية الأولياء (١/ ٢٥٩).
[ ١١٣ ]
الأربعين، فليس بعد بلوغ الأشدِّ إلا بداية الضَّعف، وما أقرب الوداع!
• ومن مواعظه - ﵁ -:
ما رواه قسامة بن زهيرٍ، قال (١): خطبنا أبو موسى - ﵁ - بالبصرة فقال: «يا أيُّها الناس، أبكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا؛ فإنَّ أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع، ثم يبكون الدماء؛ حتى لو أرسلت فيها السُّفن لجرت».
البكاء من خشية الله دأب الصالحين، وهدي أولياء الله المفلحين، ومن تأمَّل ما ذكره الله تعالى في كتابه، وجد ما ينكِّس الرأس، ويطأطئ الهامة؛ خجلًا من بعده عن تلك المراتب التي جاءت عن أولئك الصفوة المباركة! كمثل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]. قال عبد الأعلى التَّيميُّ ﵀: إنَّ من أوتي من العلم ما لم يبكه لخليقٌ ألاَّ يكون أوتى علمًا ينفعه! لأنَّ الله نعت العلماء فقال: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ الآيتين (٢). ولمَّا قرأ ابن مسعودٍ على النبيِّ - ﷺ - صدر سورة النساء، قال
_________________
(١) حلية الأولياء (١/ ٢٦١).
(٢) تفسير الطبري (١٧/ ٥٧٩).
[ ١١٤ ]
ابن مسعودٍ: فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، قال: (أمسك)، فإذا عيناه تذرفان! (١).
ومن السبعة الذين يظلُّهم الله في ظلِّه، يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: «ورجلٌ ذكر الله خاليًا، ففاضت عيناه» (٢).
وهكذا تأتي موعظة أبي موسى - ﵁ - متَّفقةً مع هذا الهدي النبويِّ، بل مع هدي الأنبياء جميعًا، حيث قال: «ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا»؛ أي: حاولوا أن تدرِّبوا نفوسكم على هذا، بأن «يحضر قلبه الحزن، فمن الحزن ينشأ البكاء .. ووجه إحضار الحزن: أن يتأمَّل ما في كتاب الله من التهديد والوعيد، والمواثيق والعهود، ثم يتأمَّل تقصيره في أوامره وزواجره؛ فيحزن لا محالة ويبكي، فإن لم يحضر حزنٌ وبكاءٌ كما يحضر أرباب القلوب الصافية، فليبك على فقد الحزن والبكاء؛ فإنَّ ذلك أعظم المصائب!» (٣).
والذي يُرجى ويؤمَّل من فضل الله ورحمته، أنَّ من بكى في هذه الدار خوفًا من الله وعذابه، أنَّ الله لا يجمع عليه البكاءين.
• ومن مواعظه - ﵁ - قوله (٤):
«إنَّما أهلك من كان قبلكم هذا الدِّينار والدِّرهم، وهما مهلكاكم». هذه الموعظة من أبي موسى قبسٌ من آثار النبوة فالتنافس على
_________________
(١) البخاري ح (٤٥٨٢) مسلم ح (٨٠٠).
(٢) البخاري ح (٦٦٠) مسلم ح (١٠٣١).
(٣) إحياء علوم الدين (١/ ٢٧٧).
(٤) حلية الأولياء، وطبقات الأصفياء (١/ ٢٦١).
[ ١١٥ ]
الدُّنيا وشهواتها -ومن أشدِّها الدينار والدرهم -هو الذي أهلك من كان قبلنا، فإن تنافسنا فيها تنافسًا غير شرعيٍّ، وخلاف ما رسمته لنا الشريعة، فالسُّنَّة الإلهية ماضيةٌ.
ولهذا؛ لمَّا سمع الأنصار بقدوم أبي عبيدة بمالٍ من البحرين، وافوا صلاة الفجر مع النبيِّ - ﷺ -، فلمَّا صلَّى رسول الله - ﷺ - انصرف، فتعرَّضوا له، فتبسَّم رسول الله - ﷺ - حين رآهم، ثمَّ قال: (أظنُّكم سمعتم أنَّ أبا عبيدة قدم بشيءٍ من البحرين؟)، فقالوا: أجل يا رسول الله، قال: (فأبشروا وأمِّلوا ما يسرُّكم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكنِّي أخشى عليكم أن تبسط الدُّنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم) (١).
ومن تأمَّل واقع الناس وما أحدثه هذا التنافس، أدرك معنى هذا الحديث!
وإنَّ الإنسان ليحزن أن يتخاصم أخوان، أو والدٌ وولده أمام القاضي على لُعاعةٍ من الدُّنيا! تتقطَّع بها أواصرهم، وتتفصَّم عرى المودَّة بينهم، فيمتدُّ الأثر إلى جيلٍ أو جيلين من تلك الأسرة! وهل هذا إلا الهلاك؟!
رضي الله عن أبي موسى، وجزاه الله خير ما جزى ناصحًا عن ناصحيه، وجمعنا به في دار كرامته.
_________________
(١) البخاري ح (٣١٥٨) مسلم ح (٢٩٦١).
[ ١١٦ ]