(٣/ ٣)
• ومن مواعظ أمير المؤمنين، الإمام الفصيح، أبي الحسن عليِّ بن أبي طالبٍ - ﵁ - قوله (١):
«خذوا منِّي هذه الكلمات الخمس؛ فإنَّكم -والله - لو ركبتم المطيَّ حتى تنصبوها، ما أدركتم مثلهنَّ:
لا يرجونَّ عبدٌ إلا ربَّه، ولا يخافنَّ إلا ذنبه، ولا يستحي إذا سُئل عمَّا لا يعلم أن يقول: لا أعلم، ولا يستحي أن يتعلَّم إذا لم يعلم، وإنَّ الصَّبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد؛ لا خير في جسدٍ لا رأس له».
خمس كلماتٍ عليها أثارةٌ من النبوَّة:
أوَّلها: تذكير العبد بالتعلُّق بمن بيده مقاليد السموات والأرض، وأزمَّة الأمور، فإليه المُنتهى والرغبة، ولا حول ولا قوة إلا به.
ولكأنَّك - وأنت تقرأ هذه الوصيَّة- تتذكَّر وصية النبيِّ - ﷺ - لابن عباس ﵄ حين أردفه النبيُّ - ﷺ - معه على حمارٍ، وأوصاه بجملةٍ من الوصايا، والتي منها: «واعلم أنَّ الأمَّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ، لم ينفعوك إلاَّ بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيءٍ، لم يضرُّوك إلاَّ بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام،
_________________
(١) الإيمان؛ للعدني (ص٨٥).
[ ٥٧ ]
وجفَّت الصُّحف» (١).
وثاني هذه الكلمات: «ولا يخافنَّ عبدٌ إلا ذنبه»؛ فإنَّ الله تعالى علَّق لحوق الآفات والمصائب بهذا، فقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. ولقد فقه هذا المعنى أكابر سلف هذه الأمَّة، ومن أجمع ما رأيته من كلامهم في التعبير عن هذه الحقيقة، قول عمر بن عبد العزيز ﵀ حين كتب إلى بعض عمَّاله: «عليك بتقوى الله في كلِّ حال ينزل بك؛ فإنَّ تقوى الله أفضل العدَّة، وأبلغ المكيدة، وأقوى القوَّة، ولا تكن في شيءٍ من عداوة عدوِّك أشد احتراسًا لنفسك ومن معك من معاصي الله؛ فإنَّ الذنوب أخوف عندي على الناس من مكيدة عدوِّهم، وإنَّما نعادي عدوَّنا ونستنصر عليهم بمعصيتهم، ولولا ذلك لم تكن لنا قوةٌ بهم؛ لأنَّ عددنا ليس كعددهم، ولا قوَّتنا كقوَّتهم، فإن لا ننصر عليهم بحقِّنا لا نغلبهم بقوَّتنا، ولا تكوننَّ لعداوة أحدٍ من الناس أحذر منكم لذنوبكم، ولا أشدَّ تعاهدًا منكم لذنوبكم» (٢). اهـ.
وأمَّا الكلمة الثالثة التي تضمَّنتها هذه الموعظة البليغة من عليِّ - ﵁ -، فهي: «ولا يستحي إذا سُئل عمَّا لا يعلم أن يقول: لا أعلم».
هذه سنَّةٌ ملائكيَّةٌ؛ فإن الملائكة حسن سألهم الله وكانوا لا يعلمون، قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢].
ولا أجد في بيان هذه الجملة خيرًا من ذكر بعض ما رُوي عن الإمام مالك ﵀، كما في القصة المشهورة التي رواها عبد الرحمن بن
_________________
(١) رواه الترمذي ح (٢٥١٦) وقال: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ.
(٢) حلية الأولياء (٥/ ٣٠٣).
[ ٥٨ ]
مهديِّ، يقول: كنَّا عند مالك بن أنسٍ، فجاءه رجلٌ فقال: يا أبا عبد الله، جئتك من مسيرة ستة أشهرٍ؛ حمَّلني أهل بلدي مسألةً أسألك عنها، قال: فسل، فسأله الرجل عن مسألةٍ، فقال: «لا أحسنها»، قال: فبهت الرجل كأنَّه قد جاء إلى من يعلم كلَّ شيءٍ! قال: فأيُّ شيءٍ أقول لأهل بلدتي إذا رجعت لهم؟! قال: «تقول لهم: قال مالكٌ: لا أحسن».
وقال ابن وهبٍ: سمعت مالكًا يقول: «ينبغي للعالم أن يألف فيما أشكل عليه قول: (لا أدري)؛ فإنَّه عسى أن يهيَّأ له خيرٌ»، قال ابن وهبٍ: وكنت أسمعه كثيرًا ما يقول: لا أدري.
وقال في موضعٍ آخر: لو كتبنا عن مالكٍ: (لا أدري)، لملأنا الألواح!
وقال أبو داود: «قول الرجل فيما لا يعلم: (لا أعلام) نصف العلم» (١)!
فليعتبر طلبه العلم بهذا، وأين منهم من هو في درجة مالكٍ ﵀؟ والذي ما زاده هذا المسلك في قول: (لا أدري) إلا رفعةً ومكانةً في الأمَّة.
وأمَّا الجملة الرابعة من موعظة عليٍّ - ﵁ -، فهي قوله: «ولا يستحي أن يتعلَّم إذا لم يعلم».
وصدق - ﵁ -، وكم منع الحياء من أناسٍ أن يتعلَّموا؛ إمَّا خوفًا من الغلط، أو حذار أن يجلسوا عند من هو أصغر منهم سنًا، أو أقلُّ وجاهةً اجتماعيَّةً!
_________________
(١) ينظر - فيما سبق من آثارٍ عن مالكٍ وأبي داود -: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٨٣٨).
[ ٥٩ ]
ولهؤلاء الذين حال بينهم وبين التعلُّم ما سبق أو غيره، أذكِّرهم بكلمةٍ وموقفٍ:
أمَّا الكلمة، فهي قول أمير المؤمنين عمر - ﵁ - كما علَّقه البخاري -: «تفقَّهوا قبل أن تُسوَّدُوا»، قال البخاريُّ بعد هذا مباشرةً: «وبعد أن تُسوَّدوا، وقد تعلَّم أصحاب النبيِّ - ﷺ - في كِبَرِ سنِّهم».
وأمَّا الموقف، فهو للبضعة النبويَّة الملقَّب بزين العابدين: عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ، والذي عاش حياته في المدينة، وكان سيِّدًا من سادات الناس، وموضع الإجلال والتقدير، فكان يتخطَّى حلق قومه من قريشٍ، حتى يأتي زيد بن أسلم -وهو مولى من الموالي، لكنَّه عالمٌ كبيرٌ - فيجلس عنده، فقال: «إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه» (١).
يا للعلم والعقل! لم يلتفت للُّغة المستعلية على العلم، ولا المنطق الذي يثير غبار الجاهليَّة، فيجيب بهذه الكلمة التي عليها أثارةٌ من النبوة «إنَّما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه».
وأمَّا الكلمة الخامسة، فهي: «وإنَّ الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد؛ لا خير في جسدٍ لا رأس له» (٢).
نعم .. إنَّه الصبر! «فإذا استحكمت الأزمات وتعقَّدت حبالها، وترادفت الضوائق وطال ليلها، فالصبر وحده هو الذي يشعُّ للمسلم النور العاصم من التخبُّط، والهداية الواقية من القنوط» (٣).
_________________
(١) حلية الأولياء، وطبقات الأصفياء (٣/ ١٣٨).
(٢) الإيمان؛ للعدني (ص٨٥)
(٣) خلق المسلم (١١٧).
[ ٦٠ ]
إنَّه الصبر الذي تكرَّر الحديث عنه في القرآن في أكثر من تسعين موضعًا.
ومن المحزن أن يَظُنَّ بعض الناس أنَّ الوصيَّة بالصبر- عند انغلاق الأمور -وصية عاجزٍ!
عجبًا! أو تكون الوصية بوصية الله ورسوله وصية عاجزٍ؟! بل هي وصية ناصحٍ، خاصةً أنَّ عددًا من المصائب والمشاكل لا يمكن تجاوز أثرها إلا بالصبر، وإلا فماذا يصنع من يفجع بوفاة حبيبٍ؟ هل ثمَّة إلا الصبر؟ أو من يُبتلى بتلف مالٍ؟ هل ثمَّة إلا الصبر؟ (١)
• ومن موعظه - ﵁ - قوله (٢):
«إنَّ الحقَّ والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال، وبإعمال الظنِّ! اعرف الحقَّ تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله».
يا له من مقياسٍ دقيقٍ! يحتاجه الإنسان في زمنٍ طاشت فيه الموازين إلا عند من وفَّقهم الله تعالى للإنصاف.
لقد ابتليت الأمَّة بطوائف من الناس، يتعصَّبون لأشخاص ولأقوالهم، ويمتحنون الناس بها، ويوالون ويعادون عليها، حتى إذا ما رجع الذي يتعصَّبون لقوله عن رأيه هذا أو ذاك، طاشت موازينهم مرةً أخرى!
إنَّ من حكمة الله تعالى ورحمته أنَّه لم يربط هذه الأمَّة بفردٍ بعينه سوى رسول الله - ﷺ -؛ إذ غيره يصيب ويخطئ؛ لتتربَّى الأمة على تعظيم
_________________
(١) ينظر: القاعدة الثامنة عشرة من كتاب «قواعد نبوية» للكاتب.
(٢) أنساب الأشراف؛ للبلاذري (٢/ ٢٣٨).
[ ٦١ ]
الحقِّ وإن أتى به من أتى، وعلى ردِّ الخطأ وإن قال به من قال من الأئمة والفضلاء.
ومن الكلمات السائرة كلمة الإمام مالك ﵀: «كلٌّ يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله - ﷺ -».
وبعد، فلنختم هذه الجولة- مع مواعظ أمير المؤمنين عليٍّ - ﵁ - ببعض الكلمات التي هي أشبه ما تكون بالتوقيعات، بل الأمثال السائرة:
- قال - ﵁ -: «الفقيه من لم يقنِّط الناس من رحمة الله تعالى، ولم يرخِّص لهم في معاصي الله - ﷿ -» (١).
- وقال - ﵁ -: «أخاف عليكم اثنين: اتِّباع الهوى، وطول الأمل؛ فإنَّ اتِّباع الهوى يصدُّ عن الحقِّ، وطول الأمل ينسي الآخرة» (٢).
- وقال - ﵁ -: «ميدانكم نفوسكم؛ فإن انتصرتم عليها، كنتم على غيرها أقدر، وإن خذلتم فيها، كنتم على غيرها أعجز، فجرِّبوا معها الكفاح أولًا» (٣).
- «الهوى عمى» (٤).
- وقال - ﵁ -: «الناس نيامٌ، فإذا ماتوا انتبهوا» (٥).
_________________
(١) التذكرة، بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص٨٠٠).
(٢) أدب الدنيا والدين (ص٢٩).
(٣) مفتاح الأفكار، للتأهب لدار القرار (١/ ١٦٠).
(٤) أدب الدنيا والدين (ص٣٢).
(٥) ينظر: المغني عن حمل الأسفار (ص١٣٥٨)، وقد نظم هذا المعنى بعضهم فقال: وإنَّما النَّاس نيامٌ من يمت منهم أزال الموت عنه وسنه
[ ٦٢ ]
من مواعظ أبي عبيدة - ﵁ -
هو أحد أكابر الصحابة - ﵁ -، الذين كانت لهم عند رسول الله - ﷺ - الحظوة الكبيرة، والمنزلة الرفيعة، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، شهد بدرًا، وأحدًا، وسائر المشاهد مع رسول الله - ﷺ -، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية.
وهو أحد الخمسة الذين أسلموا في يومٍ واحد على يدي الصِّدِّيق - ﵁ - وكان معدودًا فيمن جميع القرآن العظيم.
وكان رأس الإسلام في وقعة اليرموك، التي استأصل الله فيها جيوش الروم وقتل منهم خلقٌ عظيمٌ.
وهو أول من صلَّى في مسجد دمشق إمامًا، وهو أمير الأمراء بالشام.
وصفه النبيُّ - ﷺ - بوصفٍ تشرئبُّ ليه الأعناق، وتتطلَّع إليه النفوس .. إنَّه (أمين هذه الأمَّة) أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجرَّاح بن هلال بن أهيبٍ القرشيُّ الفهريُّ - ﵁ -.
ومن مناقبه - ﵁ -: أنَّه كان أهتم- أي: سقطت ثنايا أسنانه- لأنَّه لما انتزع الحلقتين من وجنتي رسول الله - ﷺ - يوم أحدٍ، خاف أن يؤلم رسول الله - ﷺ - فتحامل على ثنيَّتيه فسقطتا، فما رئي أحسن هتمًا منه (١).
_________________
(١) البداية والنهاية (٧/ ١٠٨).
[ ٦٣ ]
وقد واصل سيرته الحسنة بعد وفاة النبيِّ - ﷺ - في صحبة الصِّدِّيق - الذي أسلم على يده - فكان نعم المعين له، ثم واصل السيرة الرائعة مع عمر، حتى قال فيه الفاروق: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة بن الجرَّاح حيٌّ، استخلفته، فإن سألني الله: لم استخلفته على أمَّة محمد - ﷺ -؟ قلت: إنِّي سمعت رسولك - ﷺ - يقول: (إنَّ لكلِّ نبيٍّ أمينًا، وأميني أبو عبيدة بن الجرَّاح) (١).
• مات أبو عبيدة شهيدًا في طاعون عمواس (٢) سنة ثماني عشرة للهجرة، ولمَّا أصابه الطاعون دعا المسلمين، فدخلوا عليه، فقال لهم (٣):
«إنِّي موصيكم بوصية، فإن قبلتموها، لم تزالوا بخيرٍ ما بقيتم، وبعد ما تهلكون! أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا وتصدَّقوا، وحجُّوا واعتمروا، وتواصلوا وتحابُّوا، واصدقوا أمرءكم ولا تغشُّوهم، ولا تلهكم الدُّنيا؛ فإنَّ امرأً لو عمِّر ألف حولٍ، ما كان له بدُّ من أن يصير إلى مثل مصرعي هذا الذي ترون؛ إنَّ الله قد كتب الموت على بني آدم، فهم ميِّتون؛ فأكيسهم أطوعهم لربِّه، وأعملهم ليوم معاده».
إنَّ هذه الوصية تضمَّنت جملة من المواعظ العظيمة: فهو يذكِّر بأركان هذا الدِّين الذي ما قام إلا عليها: الصلاة والزكاة، والصوم، والحجُّ.
_________________
(١) القصة في مسند أحمد (١٠٨)، وإلا فالحديث في أنه أمين هذه الأمَّة في الصحيحين.
(٢) المصباح المنير (٢/ ٤٢٩): عمواس - بالفتح -: بلدةٌ بالشَّام بقرب القدس، وكانت قديمًا عظيمةً، وطاعون عمواس كان في أيَّام عمر. ينظر في ترجمته: أسد الغابة (٣/ ٢١٢)، سير أعلام النبلاء (١/ ٨)، (٣/ ١٧)، البداية والنهاية (٧/ ١٠٨)، (٩/ ١٧٦).
(٣) الاكتفاء، بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء (٢/ ٣١٤).
[ ٦٤ ]
ثم أوصاهم بالتواصل والتحابِّ، فإنَّ هذا أحد أهمِّ أسباب القوة في المسلمين، الذين متى ما تفرَّقوا، سهل على العدوِّ أن يتسلَّط عليهم: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].
ثم ذكَّرهم بفضيلة من أصول الفضائل، ألا وهي الصِّدق مع من ولَّاه الله تعالى أمرهم؛ فإنَّ الصِّدق بين الحاكم والمحكوم، والرَّاعي والرعيَّة، هو الحبل الأوثق الذي يثمر مجتمعًا قويًّا، يطيع الله وينصح لولاته بالمعروف، ومتى دبَّ الغشُّ، وضعف النصح بين الطَّرفين، ظهرت آثار هذا على الأمَّة كلِّها، وما خبر الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين عثمان - ﵁ - إلا مثالٌ واضحٌ على ما ذكره أبو عبيدة - ﵁ -.
* ثم ختم وصيَّته بكلمة ترسم منهجًا للزهد الحقيقيِّ لمن عرف هذه الدُّنيا، فقال:
«ولا تلهكم الدُّنيا؛ فإنَّ أمرأً لو عمِّر ألف حولٍ، ما كان له بدُّ من أن يصير إلى مثل مصرعي هذا الذي ترون؛ إنَّ الله قد كتب الموت على بني آدم، فهم ميِّتون؛ فأكيسهم أطوعهم لربِّه، وأعملهم ليوم معاده».
إنَّها سنَّة الحياة، يسير الحيُّ في هذه الدُّنيا حتى يدخل من بوابة الموت، وليس هذا هو الشأن، بل الشأن في كيفية القدوم على الله تعالى!
إنَّ أعقل الناس وأكيسهم- كما يقول أبو عبيدة - ﵁ - هو أطوعهم لربِّه، وأعملهم -أي: أكثرهم عملًا -ليوم معاده، فلذلك فليسع العاقل، وليجتهد العامل؛ ففي ذلك اليوم يظهر التغابن، نعوذ بالله من أن نكون مغبونين في الدُّنيا والآخرة!
[ ٦٥ ]
• ومن مواعظه - ﵁ - قوله (١):
«التَّهلكة هي: أن يذنب العبد ذنبًا ثم لا يعمل بعده خيرًا حتى يهلك».
ويوضِّح هذه الموعظة قوله في موضعٍ آخر: (ألا رُبَّ مبيِّضٍ لثيابه مدنِّسٌ لدينه، ألا رُبَّ مُكرمٍ لنفسه وهو لها مُهينٌ، ألا بادروا السيِّئات القديمات، بالحسنات الحديثات؛ فلو أنَّ أحدكم أخطأ ما بينه وبين السماء والأرض ثم عمل حسنةً، لعلت فوق سيِّئاته حتى تقهرهنَّ» (٢).
وهذا من فقه أبي عبيدة - ﵁ -؛ فإنَّ الله تعالى لمَّا تكرَّم على عباده بمضاعفة الحسنات، وأنَّ السيئة لا تكون إلا واحدةً فقط، صار الهالك حقًا هو من غلبت سيِّئاته حسناته، كما روى النبيُّ - ﷺ - عن الله - ﵎ - في حديث مضاعفة الحسنات والجزاء بالسيئات واحدةً، قال: (ولا يهلك على الله إلَّا هالكٌ) (٣).
إنَّه ليس منَّا أحدٌ إلا، وهو عرضةٌ للخطأ والذَّنب، ولكنَّ الشأن في المبادرة إلى محو الذنب بالحسنة، كما في الحديث: (وأتبع السَّيِّئة الحسنة تمحُها) (٤)، وفي التنزيل العزيز: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. إنَّ من توفيق الله تعالى لعبده أن يبادر بالصالحات عند الوقوع في السيئات.
وإنَّ من رحمة الله تعالى أن شرع لعباده جملةً من المكفِّرات، ففي
_________________
(١) إحياء علوم الدين (٢/ ٣١٩).
(٢) الزهد؛ لأحمد بن حنبل (ص١٥١).
(٣) مسلم ح (١٣١) عن ابن عباس، وأصل الحديث في الصحيحين.
(٤) الترمذي ح (١٩٨٧)، وقد رجَّح الدارقطنيُّ إرساله، وانظر تعليق ابن رجب عليه في: «الجامع» ح (١٨).
[ ٦٦ ]
صحيح مسلمٍ من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الصَّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفِّراتٌ ما بينهنَّ إذا اجتنب الكبائر» (١).
وفي سياق الثناء على أهل الجنة قال تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد: ٢٢]، قال ابن عبَّاس - ﵁ - في بيان معناها-: يدفعون بالصالح من العمل السيِّئ من العمل، علَّق الإمام البغويُّ على كلمة ابن عباس هذه، فقال: «وهو معنى قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾» (٢).
وقال الحسن البصريُّ: (استعينوا على السيِّئات القديمات، بالحسنات الحديثات، وإنَّكم لن تجدوا شيئًا أذهب بسيئةٍ قديمةٍ من حسنةٍ حديثةٍ، وأنا أجد تصديق ذلك في كتاب الله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٣).
ولعلَّ قصة توبة القاتل الذي قتل تسعةً وتسعين نفسًا نموذجٌ تطبيقيُّ لهذا، فإنَّه لمَّا قتل وتاب، بادر إلى مُفارقة مكان السُّوء وقرية السُّوء، فأخذته ملائكة الرحمة؛ لأنَّه جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله (٤).
فالي كلِّ من أسرف على نفسه، وقنَّطه الشيطان من رحمه ربِّه: لا تيأسنَّ ولا تقنطنَّ، فهذا رجلٌ قتل تسعةً وتسعين نفسًا، فلمَّا صحَّت توبته، رحمه ربُّه ومولاه، مع أنَّه لم يعمل خيرًا قطُّ من أعمال الجوارح، سوى هجرته من بلد السُّوء إلى بلد الخير، أفلا تحرِّك فيك هذه القصة
_________________
(١) مسلم ح (٢٣٣).
(٢) تفسير البغوي (٤/ ٣١٣).
(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٩).
(٤) البخاري ح (٣٢٨٣)، ومسلم ح (٢٧٦٦).
[ ٦٧ ]
الرغبة في هجر المعاصي، والإقبال على من لا سعادة ولا أُنس إلا بالإقبال عليه؟!
• ومن مواعظ أبي عبيدة - ﵁ - أنَّه لمَّا كان أميرًا على الشام، خطب الناس فقال (١):
«يا أيُّها الناس، إنِّي امرؤٌ من قريشٍ، وإنِّي والله ما أعلم أحمر ولا أسود يفضلني بتقوى الله إلا وددتُّ أنِّي في مسلاخه»؛ أي: في جلده.
الله أكبر! ما أجمل أن يصدر هذا الكلام من أميرٍ، ومن قريشٍ!
إنَّه الفقه لحقيقة الموازين الشرعيَّة، أمَّا بقية الفروق التي ليس للإنسان فيها حيلةٌ، فإنَّها لا وزن لها عند الله!
أيُّ شيءٍ نفع أبا لهبٍ حين كفر مع أنَّه عمُّ النبيِّ - ﷺ -؟!
وماذا ضرَّ بلالًا الحبشيَّ، وصهيبًا الرُّوميَّ، وسلمان الفارسيَّ حين آمنوا بالله وصدَّقوا رسوله - ﷺ -؟!
إنَّها رسالةٌ أعلنها أبو عبيدة من منبره -وهو الأمير -ليؤكِّد للعامة الذين قد تشرئبُّ أعناق بعضهم لمثل مقامه في الإمارة، ليقوم لهم بلسان الحال: العبرة بالتقوى، وليست بإمارةٍ أو نسبٍ!
رضي الله عن أبي عبيدة عامر بن الجرَّاح، وجمعنا به في بُحبُوحة جنانه، ومع سادة أوليائه الذين أنعم عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
_________________
(١) مصنَّف ابن أبي شيبة (٧/ ١١٦).
[ ٦٨ ]