(٢/ ٤)
• ومن مواعظ الصحابيِّ الجليل عبد الله بن عمر ﵄ العمليَّة: ما رواه التابعيُّ الجليل يوسف بن ماهك- بفتح الهاء (١) - قال (٢):
«رأيت ابن عمر- رضي الله تعالى عنه - عند عبيد بن عميرٍ وهو يقصُّ وعيناه تُهرقان دموعًا».
قد يقول أحد القرَّاء: وأين الوعظ هنا؟! فيقال: أتعرف عبيد بن عميرٍ؟ إنَّه أحد التابعين! ولم يأنف ابن عمر أن يجلس عنده، وابن عمر خيرٌ وأعلم منه، لكنَّه العلم والفقه الذي قاده لأن يجلس حيث يجد النفع والفائدة.
وأمَّا الجانب الآخر من هذا الموقف، فهو تأثُّره - ﵁ -، وتفاعله مع هذه المواعظ التي كان يسمعها من عبيد بن عميرٍ ﵀.
في واقعنا وللأسف، ينشأ بعض طلاب العلم، فيأنف من الجلوس في مجالس الوعظ، بحججٍ متنوِّعةٍ، ولعلَّ منها ما يزعمه أنَّه أعلم من المتحدِّث! أو ربَّما خطر في باله معنًى جاهليٌّ من النظر في الحسب والنَّسب!
_________________
(١) هكذا ضبطها الحافظ المزِّيُّ في «تهذيبه» (١١/ ٤٢١).
(٢) حلية الأولياء، وطبقات الأصفياء (١/ ٣٠٥).
[ ١٧٥ ]
فإلى هؤلاء أهدي لهم هذا الموقف من ابن عمر الذي وعظ فيه بفعله.
وأهدي لهم موقفًا حدث لسيِّدٍ من سادات التابعين، وهو سليل بيت النبوَّة، إنَّه زين العابدين، عليُّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ- عليهم رضوان الله- فقد كان يجالس أسلم مولى عمر، فقيل له: تدع قريشًا وتجالس عبد بني عديٍّ - لأنَّه مولى لعمر بن الخطَّاب - ﵁ -؟!
فقال كلمةً عظيمةً تدلُّ على علوِّ كعبه في العلم والدِّين: «إنَّما يجلس الرجل حيث ينتفع» (١).
* * *
• ومن مواعظه - ﵁ - قوله (٢):
«أحقُّ ما طهَّر العبد: لسانه».
وهو يشير بذلك إلى كثرة ما يعلق من أوضارٍ وآثامٍ بسبب هذا اللسان، الذي كان يهاب أثره الصالحون من عباد الله.
كان الصِّدِّيق - ﵁ - يقول- وهو آخذٌ بلسانه:- «هذا أوردني الموارد» (٣)، فماذا نقول نحن؟!
وكان ابن مسعودٍ يقسم ويقول: «والذي لا إله إلا هو، ما على ظهر الأرض شيءٌ أحقُّ بطول سجنٍ من لسانٍ» (٤).
قال بعض السلف ﵀ مُذكِّرًا بخطورة هذه الجارحة:
_________________
(١) سير أعلام النبلاء، ط. الرسالة (٤/ ٣٨٨).
(٢) الزهد؛ لابن أبي عاصم (ص٢٧).
(٣) الزهد؛ لهناد بن السري (٢/ ٥٣١).
(٤) الزهد؛ لأحمد بن حنبل (ص١٦٢).
[ ١٧٦ ]
«وخَفْ- يا أخي - من لسانك أشدَّ من خوفك من السَّبع الضَّاري القريب المتمكِّن من أخذك؛ فإنَّ قتيل السبع من أهل الإيمان ثوابه الجنة، وقتيل اللسان عقوبته النار إلا أن يعفو الله.
فأغلِق باب الكلام من نفسك بغلقٍ وثيقٍ، ثم لا تفتحه إلا فيما لابدَّ لك منه، فإذا فتحته فاحذر وخذ من الكلام حاجتك التي لابدَّ لك منها، وأغلق الباب، وإيَّاك والغفلة عن ذلك، والتَّمادي في الحديث، وأن يستبدَّ بك الكلام فتهلك نفسك، وإيَّاك والغفلة عنه؛ فإنَّه أعظم جوارحك عليك جنايةً، وأكثر ما تجد في صحيفة أعمالك يوم القيامة من الشرِّ ما أملاه عليك لسانك، وأكثر ما تجده في صحيفتك من الخير ما اكتسبه قلبك» (١). اهـ.
وبالجملة، فشأن اللسان خطيرٌ، والعاقل من حفظه من آفاته.
* * *
• ومن مواعظه التي كان يربِّي بها تلاميذه: ما حدَّث به تلميذه مجاهد بن جبرٍ ﵀ قال (٢):
كنت أمشي مع ابن عمر، فمرَّ على خربةٍ، فقال: «قل: يا خربة، ما فعل أهلك؟» فقلت: يا خربة، ما فعل أهلك؟ قال ابن عمر: «ذهبوا وبقيت أعمالهم».
هذه والله حقيقة الحياة يعمرها أهلها ثمَّ يرحلون عنها .. وليس الشأن في الرحيل ذاته، فهذه سنَّةٌ إلهيَّةٌ، بل الشأن في كيف سيكون الرحيل! أهو على ما يرضي الله تعالى، أم على غير ذلك؟
_________________
(١) آداب النفوس؛ للمحاسبي (ص ٤٣).
(٢) الزهد؛ لأحمد بن حنبل (ص ١٥٦).
[ ١٧٧ ]
إنَّ طلب ابن عمر من تلميذه أن يسأل هذا السؤال، إنَّما أراد به أن يوقظ في قلب تلميذه هذا المعنى، الذي قد يغيب عن الإنسان مع انهماكه في الحياة وانشغاله بمتعها.
مثل هذه الأسئلة كانت مادةً يعظ بها السلف أنفسهم وأصحابهم.
وقد ذكر الحافظ عبد الحقِّ الإشبيليُّ ﵀ أنَّ أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالبٍ - ﵁ - مرَّ بالمقابر فوقف عليها، فقال:
«السلام عليكم أهل الديار الموحشة، والمحالِّ المقفرة!
أنتم لنا سلفٌ، ونحن لكم تبعٌ، وبكم عمَّا قليل لاحقون، اللَّهمَّ اغفر لنا ولهم، وتجاوز عنَّا وعنهم، طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، ورضي في جميع أحواله عن الله تعالى! ثم قال: يا أهل القبور، أمَّا الزوجات فقد نُكحت، وأمَّا الديار فقد سُكنت، وأمَّا الأموال فقد قسمت! هذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟! ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما إنَّهم لو تكلَّموا لقالوا: وجدنا خير الزاد التقوى «(١).
* * *
• ومن مواعظ ابن عمر العمليَّة (٢):
أنَّه قرأ سورة المطففين حتى بلغ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، فبكى وامتنع عن قراءة ما بعدها. إنَّ هذا الموقف يمثِّل نموذجًا من نماذج كثيرةٍ تحكي واقع السلف
_________________
(١) العاقبة في ذكر الموت (ص ١٩٦).
(٢) الزهد؛ لأحمد بن حنبل (ص ١٥٧).
[ ١٧٨ ]
- وعلى رأسهم الصحابة - ﵃ - مع كتاب الله تعالى، حيث التأثُّر الحقيقيُّ، وليس مجرد دموعٍ تنزل على الخدود، بل هو خشيةٌ تبدأ في القلب، فتترجمها الدموع والعمل.
ولكأنِّي بابن عمر- وهو يتلو هذه الآية- يستشعر قيامه من قبره، حافيًا عاريًا كما خلقه الله! فهو يدرك أنَّه داخلٌ في عموم ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾. وليس هذا الموقف هو الموقف الوحيد لابن عمر مع التأثُّر بالقرآن، النابع من التدبُّر؛ بل له مع ذلك مواقف أخرى؛ منها.
* ما حدَّث به نافعٌ مولى ابن عمر فقال: ما قرأ ابن عمر هاتين الآيتين قطُّ من آخر سورة البقرة إلا بكى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] إلى آخر الآية ثمَّ يقول: «إنَّ هذا لإحصاءٌ شديدٌ» (١).
*وقال نافعٌ أيضًا: «كان عبد الله بن عمر إذا قرأ هذه الآية: ﴿أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]، بكى حتى يغلبه البكاء» (٢).
*وشرب عبد الله بن عمر ماءً مبردًا، فبكى فاشتدَّ بكاؤه، فقيل له: ما يبكيك؟! فقال: ذكرت آيةً في كتاب الله - ﷿ -: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤]، فعرفت أنَّ أهل النار لا يشتهون شيئًا شهوتهم الماء، وقد قال الله - ﷿ -: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠] (٣).
_________________
(١) الزهد؛ لأحمد بن حنبل (ص ١٥٨).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٧/ ١١٨).
(٣) صفة الصفوة (١/ ٢٢٠).
[ ١٧٩ ]
* بل إن نافعًا يلخِّص منهج ابن عمر في تلاوته لكتاب الله تعالى فيقول: كان ابن عمر يقرأ في صلاته فيمرُّ بالآية فيها ذكر الجنة؛ فيقف ويسأل الله الجنة، ويدعو ويبكي، ويمرُّ بالآية فيها ذكر النار؛ فيقف فيدعو ويستجير بالله - ﷿ - (١).
وهل هذا إلا منهج أستاذه ومعلِّمه - ﷺ -؟!
فيا لله تلك القلوب الحيَّة .. التي تعيش مع القرآن، وتتدبَّره، وتجعله منهج حياةٍ وسلامٌ على تلك النفوس التي أعلى الله قدرها بكتابه، وتذوَّقت لذيذ خطابه!
ألا ما أحوجنا إلى إعادة النظر في طريقة قراءتنا لكتاب الله! فإنَّ الله تعالى إنَّما أنزل كتابه ليتدبَّره العباد، بل إنَّ بركته العظمى لا تنال إلا بذلك؛ قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال - في موضعين من كتابه:- ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ﴾ [النساء: ٨٢، محمد: ٢٤]. فبالتدبُّر تُنال بركات هذا الكتاب، وبالتدبُّر تصلح القلوب، وتستقيم النفوس، ويتحقَّق مراد الله من التلاوة، التي امتدح بها طائفةً من عباده بقوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]. اللَّهمَّ اجعلنا منهم يا ربَّ العالمين.
هذه بعضٌ من مواعظ هذا الصحابيِّ الجليل ابن عمر ﵄، وما زال في كِنانة أبي عبد الرحمن جملةٌ من المواعظ التي سنتوقَّف عندها في مجلسٍ قادمٍ بإذن الله.
_________________
(١) الزهد؛ لأحمد بن حنبل (ص ١٥٨).
[ ١٨٠ ]