(٣/ ٤)
• ومن مواعظ هذا الصحابيِّ الجليل قوله - ﵁ - (١):
«إذا طاب المكسب، زكت النَّفقة».
إنها قاعدة محكمة من قواعد الإنفاق.
وهي مقتبسةٌ من نور النبوة؛ فإنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: (أيُّها النَّاس، إنَّ الله طيِّبٌ لا يقبل إلَّا طيِّبًا، وإنَّ الله أمر المؤمنين، بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثمَّ ذكر الرَّجل يطيل السَّفر أشعث أغبر، يمدُّ يديه إلى السَّماء: يا ربِّ يا ربِّ! ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، وغُذي بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟!) (٢).
«وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى أنَّه لا يقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وأن أكل الحرام يفسد العمل، ويمنع قبوله» (٣).
وهذه الكلمة الواعظة من ابن عمر - ﵁ - ينبغي أن يستشعرها أولئك
_________________
(١) الزهد؛ لأحمد بن حنبل (ص١٥٧).
(٢) مسلم ح (١٠١٥).
(٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٦٠).
[ ١٨١ ]
الذين يجمعون المال من طرقٍ محرَّمةٍ- كالرِّبا، أو الرِّشوة، أو السرقة، أو الغصب، أو غيرها- ثم يتصدَّقون ببعضها ويظنُّون ذلك نافعًا أو مقبولًا! كلَّا! فالله تعالى طيِّبٌ لا يقبل إلا طيِّبًا، ولو أنفق الإنسان المليارات وهي من كسبٍ خبيثٍ، فلا يقبلها الله.
ومن ابتلي بمثل هذه المكاسب المحرَّمة، فعليه أن يتخلَّص منها وفق الطريق الشرعيِّ، وحسب طريقة كسبه؛ فإنَّ المكاسب المحرمة لا تخلو من حالين:
إمَّا أن تكون أعيانها محرمة - كالرِّشوة والغصب والسرقة - فهذه يجب ردُّها إلى من أخذت منه.
وإمَّا أن تكون مكاسبها نتجت من معاملةٍ محرَّمةٍ- كالرِّبا- فهنا يجب التخلُّص من هذه المكاسب المحرَّمة التي طرأت، والاقتصار على رأس المال.
ولا شكَّ أنَّ التخلُّص من الأموال كلَّما كثرت صار أصعب وأشدَّ، ولكنَّ المؤمن إذا تذكَّر عقوبة الله في الآخرة لمن عصاه بأكل الرِّبا، أو أكل حقوق الناس، هان عليه ما يتركه في الدُّنيا، فعذاب الآخرة أشدُّ وأعظم.
إنَّ العناية بطيب المكسب ونقائه كانت قضيةً حاضرةً في منهج الأسلاف﵏- لعلمهم اليقينيِّ بخطورتها على القلب، وعلى صحة النفقة، وربَّما على الزوجات والأولاد، حتى قال ابن رجبٍ ﵀: «أكل الحلال من أعظم خصائل السُّنَّة التي كان عليها النبيُّ - ﷺ - وأصحابه - ﵃ -» (١).
_________________
(١) كشف الكربة (ص ٢٢).
[ ١٨٢ ]
وسُئل الإمام أحمد ﵀: ما يليِّن القلب؟ فقال: «أكل الحلال» (١).
وقال الإمام أحمد ﵀: «بأكل الحلال تطمئنُّ القلوب وتلين» (٢).
والمقصود من ذلك كلِّه: التوقِّي والحرص على طيب المكسب؛ لتطيب النفقة وتزكو، وتقبل عند الله تعالى.
* * * *
• ومن مواعظ ابن عمر - ﵁ - قوله (٣):
«من استغنى بالله اكتفى، ومن انقطع إلى غير الله يعمى».
يا لها من كلمةٍ جامعةٍ، ومعبِّرةٍ عن حقيقة حال القلب مع الله ومع هذه الدُّنيا!
وصدق والله! فإنَّ من استغنى بالله الغنيِّ، اكتفى، أوليس الله هو الذي بيده مقاليد السماوات والأرض؟ أليس هو الذي يُعطي ويمنع؟ ويقبض ويبسط؟ ويخفض ويرفع؟ ويكشف الضُّرَّ؟ أوليست نواصي العباد بيده؟
ما بال بعض الخلق تتعلَّق قلوبهم بخلقٍ مثلهم؛ لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، حتى يملكوه لغيرهم؟! ما بال بعض الناس ربط سعادته ورزقه بمخلوقٍ مثله؟!
لئن كان التعلُّق بغير الله عمًى، فالبصيرة - والله - بالتعلُّق بالله وحده.
_________________
(١) الآداب الشرعية (٣/ ٢٧٧).
(٢) الآداب الشرعية (١/ ٤٤٥).
(٣) الزهد الكبير؛ للبيهقي (١/ ٨٨).
[ ١٨٣ ]
قال الإمام أحمد لرجلٍ: «لو صحَّحت، ما خِفتَ أحدًا» (١).
والمعنى: لو صحَّحت نيَّتك، وتعلَّق قلبك حقًّا بخالقه، ما خفت؛ أي: إلا الخوف الطبيعيَّ.
تذكر كتب السِّير أنَّ الإمام عفَّان بن مسلم الصَّفَّار - أحد شيوخ الإمام أحمد ﵏ - دُعِي إلى القول بخلق القرآن، فامتنع أن يُجيب، فقيل له: يُحبس عطاؤك! - وكان يُعطى في كلِّ شهرٍ ألف درهمٍ - فقال - وانظر إلى التعلُّق بالله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]!
قال: فلمَّا رجع إلى داره عاتبه نساؤه ومن في داره! قال: وكان في داره نحو أربعين إنسانًا!
قال: فدقَّ عليه داقٌّ الباب، فدخل عليه رجلٌ ومعه كيسٌ فيه ألف درهمٍ، فقال: يا أبا عثمان، ثبَّتك الله كما ثبَّتَّ الدِّين، وهذا في كلِّ شهرٍ (٢).
الله أكبر! ينقطع عنه المال من هنا، فيجريه الله من جهةٍ أخرى، وصدق ابن عمر: «من استغنى بالله اكتفى، ومن انقطع إلى غير الله يعمى»، وقول الله أبلغ: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣].
* * *
_________________
(١) الآداب الشرعية (٢/ ٣٠).
(٢) تاريخ بغداد، تحقيق: بشار (١٤/ ٢٠١).
[ ١٨٤ ]
• ومن مواعظه العمليَّة - ﵁ - (١):
ما رواه عنه نافعٌ أنَّ رجلًا قال لابن عمر: يا خير الناس- أو يا بن خير الناس- فقال ابن عمر:
«ما أنا بخير الناس، ولا ابن خير الناس، ولكنِّي عبدٌ من عباد الله، أرجو الله تعالى وأخافه، والله لن تزالوا بالرَّجل حتى تهلكوه!».
هكذا يربِّي ابن عمر من يسمعه على التواضع، ويوصد أيَّ سببٍ قد يفتح عليه بابًا من العُجب أو الغرور، ولا يعدو أن يقول: «عبدٌ من عباد الله، أرجو الله وأخافه»!
إنَّ من عرف عمله، وعرف ما يجب لله عليه، عرف حقيقة تقصيره.
هكذا يقطع ابن عمر الطريق على المدَّاحين؛ أسوةً بهدية - ﷺ - الذي كان ينهى عن المدح المبالغ فيه، ويعلِّل ابن عمر هذا فيقول: «والله لن تزالوا بالرَّجل حتى تهلكوه!».
* * *
• ومن مواعظ ابن عمر العمليَّة، ما حدَّث به أبو الزِّناد قال (٢):
«اجتمع في الحجر مصعب بن الزُّبير، وعروة بن الزُّبير، وعبد الله بن الزُّبير، وعبد الله بن عمر، فقالوا: تمنَّوا! فقال عبد الله بن الزبير: أمَّا أنا، فأتمنَّى الخلافة، وقال عروة: أمَّا أنا، فأتمنَّى أن يؤخذ عنِّي العلم، وقال مصعبٌ: أمَّا أنا، فأتمنَّى إمرة العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة وسُكينة بنت الحسين، وقال عبد الله بن عمر: «أمَّا أنا، فأتمنَّى المغفرة»، قال: فنالوا كلُّهم ما تمنَّوا، ولعلَّ ابن عمر قد غفر له».
_________________
(١) حلية الأولياء (١/ ٣٠٧).
(٢) حلية الأولياء (١/ ٣٠٩).
[ ١٨٥ ]
كم في هذه الأمنيَّة من وعظٍ! كم تتنوَّع الأماني! وتختلف الرغبات وتتفاوت! فتأتي أمنيَّة ابن عمر هذه لتكون بذاتها موعظةً بليغةً، في بيان حقيقة هذه الدُّنيا عنده، ولعلَّه نال ما تمنَّاه كما قال أبو الزناد.
ولنختم بتلك الدعوات التي رويت عن ابن عمر ﵄: «اللَّهمَّ اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك، اللَّهمَّ جنِّبني حدودك، اللَّهمَّ اجعلني ممَّن يحبُّك، ويحبُّ ملائكتك، ويحبُّ رسلك، ويحبُّ عبادك الصالحين، اللَّهمَّ حبِّبني إليك، وإلى ملائكتك، وإلى رسلك، وإلى عبادك الصَّالحين، اللَّهمَّ يسِّرني لليسرى، وجنِّبني العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، واجعلني من أئمَّة المتَّقين، اللَّهمَّ إنك قلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وإنَّك لا تخلف الميعاد، اللَّهمَّ إذ هديتني للإسلام، فلا تنزعني منه، ولا تنزعه منِّي؛ حتَّى تقبضني وأنا عليه» (١).
ولمواعظ هذا الصحابيِّ الجليل ابن عمر ﵄ بقيةٌ نستكملها في المجلس القادم.
* * *
_________________
(١) حلية الأولياء (١/ ٣٠٨).
[ ١٨٦ ]