(١/ ٤)
ذاك الإمام الكبير من أئمة الصحابة - ﵃ -، أسلم قبل دخول رسول الله - ﷺ - دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد كلَّها، وكان صاحب سرِّ رسول الله - ﷺ - ووساده وسواكه ونعليه وطهوره في السفر، وكان يشبَّه بالنبيِّ - ﷺ - في هديه ودلِّه وسمته، وكان خفيف اللحم، قصيرًا، شديد الأُدمة، وكان من أجود الناس ثوبًا، ومن أطيب الناس ريحًا، وولي قضاء الكوفة، وبيت المال لعمر وصدرًا من خلافه عثمان ﵄، ثم صار إلى المدينة فمات بها سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع وهو ابن بضع وستِّين .. إنَّه عبد الله بن مسعودٍ، ويُكنَّى أبا عبد الرحمن، أمُّه أمُّ عبدٍ (١).
كان ابن مسعودٍ من أعلام الصحابة في العلم بكتاب الله وسنَّة رسوله - ﷺ -، حتى إنَّه أقبل ذات يومٍ وعمر جالسٌ فقال: كنيفٌ مليء علمًا (٢)، أي: بيتٌ مليء علمًا.
ولقد كان ابن مسعود من المفوَّهين، وممَّن أوتي الحكمة والبلاغة في العبارة، حتى إنَّ القارئ لها ليشعر بأنوار النبوة، وجلالة العلم، وحلاوة الفقه فيها.
_________________
(١) صفة الصفوة (١/ ١٤٩).
(٢) صفة الصفوة (١/ ١٥١).
[ ٨٧ ]
• ولعلَّ هذه المواعظ التي سنقتطف بعضها توضِّح هذه الحقيقة، ومن ذلك (١): «من كان يحبُّ أن يعلم أنَّه يحبُّ الله ﷿، فليعرض نفسه على القرآن، فإن أحبَّ القرآن، فهو يحبُّ الله تعالى؛ فإنَّما القرآن كلام الله، فمن أحبَّ القرآن، فهو يحبُّ الله ﷿».
إنَّه مقياسٌ ربَّانيُّ أصيلٌ، فأكثر الناس يدَّعي محبة الله، ولكنَّ الشأن في البرهان على هذه الدعوى، فهذا ابن مسعودٍ يعرض لنا ميزانًا لا تطيش كفَّته! فاعرض نفسك أيُّها المدَّعي لمحبة الله على كتابه العظيم، فبقدر موافقتك لما فيه، فنسبة حبِّك تعلو وترتفع، والعكس صحيحٌ. وفي التنزيل العزيز ميزانٌ آخر، يكشف حقيقة الدَّعوى، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].
• ومن أقواله التي تدلُّ على عمق علمه - ﵁ - (٢): «من أراد العلم، فليثوِّر القرآن؛ فإنَّ فيه علم الأوَّلين والآخرين». وهذه الكلمة كلمة عالم خبيرٍ مجرِّبٍ، يوضِّحها قول التابعيِّ الجليل مسروق بن الأجدع: «ما نسأل أصحاب محمدٍ - ﷺ - من شيءٍ إلا علمه في القرآن، إلا أنَّ علمنا يقصر عنه» (٣). فأين طلبه العلم من هذه الكلمة العميقة من ابن مسعودٍ - ﵁ -؟! يحزنك أن تجد تقصيرًا ظاهرًا من بعض طلاب العلم والدعاة في
_________________
(١) السُّنَّة؛ لعبد الله بن أحمد (١/ ١٤٨).
(٢) الزهد؛ لأحمد بن حنبل (١٢٩).
(٣) العلم؛ لزهير بن حرب (١٥).
[ ٨٨ ]
تدبُّر القرآن، واستنباط معانيه وهداياته، فتجد الواحد منهم يذهب بعيدًا في قصصٍ وأخبارٍ ليقرِّر قضيةً معيَّنةً، ولو تدبَّر كتاب الله، لوجدها فيه.
وقد بلغني عن شيخنا العلامة محمد بن صالحٍ العثيمين ﵀ أنَّه قال: ما من حكمٍ في الشرع إلا ويجد الإنسان في القرآن حكمه إما صراحةً أو إشارةً، ولكنَّ هذا يحتاج إلى تأمُّلٍ وتدبُّرٍ، وهو يتَّفق مع ما قاله مسروقٌ ﵀.
• ومن مواعظه - ﵁ - قوله (١):
«ينبغي لقارئ القرآن أن يُعرف بلَيلِه إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون».
إنَّها وصيَّةٌ مختصرةٌ بليغةٌ، تحكي ما ينبغي أن يكون عليه صاحب القرآن من الهدي الحسن، والسَّمت الصالح، الذي هو ترجمةٌ عمليَّةٌ لأثر القرآن عليه، فإن خلا من ذلك، فما الفرق بينه وبين الذي لم يكرمه الله بحفظ القرآن في صدره؟!
إنَّ هذه الموعظة حلقةٌ في سلسلةٍ طويلةٍ من تربية السلف لأتباعهم على قضيةٍ كبرى كانت تشغلهم، ألا وهي قضية: العمل بالعلم، والخوف من اتِّصاف صاحب العلم بما عاب الله به اليهود الذين لا يعملون بعلمهم، كما قال سفيان بن عيينة ﵀: «من فسد من علمائنا، ففيه شبهٌ من اليهود، ومن فسد من عبَّادنا، ففيه شبهٌ من النَّصارى» (٢).
_________________
(١) المجالسة وجواهر العلم (٥/ ٤٢٨).
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (١/ ١٩٧).
[ ٨٩ ]
• ومن مواعظه - ﵁ - قوله (١):
«ما دمت في صلاةٍ فأنت تقرع باب الملك، ومن يقرع باب الملك يُفتح له».
ومن هو الملك الذي نقرع بابه في كلِّ صلاةٍ؟ إنَّه ربُّ العالمين، الذي بيده خزائن السموات والأرض!
إنَّه الله الذي بيده صلاح القلوب والأحوال!
لكنَّ الله تعالى - لحكمةٍ بالغةٍ - قد يؤخِّر إجابة دعوة الدَّاعي، فيحصل له من الخير في هذا التأخير ما لا يتأتَّى له لو قضيت حاجته بسرعةٍ! فيحصل له من الإخبات والإنابة، ولذَّة مناجاة خالقه، وغير ذلك من المصالح القلبيَّة ما لم يخطر له على بالٍ!
ومن أدمن القرع، يُوشك أن يُفتح له، لكن ما هي حقيقة هذا الفتح؟ أهي واجبة الدعاء فحسب؟ لا، ولكن قد يدفع الله عنه شرًّا أعظم، أو يدَّخر الله له ذخرها يوم القيامة، وأقلُّ المكاسب -وما هو بالقليل - أن يكتب الله لك أجرها، تجده أحوج ما تكون؛ إذا كانت الحسنة بالدُّنيا كلِّها، يوم يقرأ كلُّ عاملٍ ما قدَّم.
ومن أعظم الفتوح التي يعطاها الدَّاعي: أن يحبِّب الله له مناجاة ربِّه، والتلذُّذ بدعائه، والأنس بالقرب منه، فتلك التي لا يعادلها نعمةٌ، ولا فوقها مصيبةٌ حين يفقدها العبد بعد ما وجدها.
_________________
(١) صفة الصفوة (١/ ١٥٦).
[ ٩٠ ]
• ومن مواعظه في باب العلم قوله - ﵁ - (١):
«إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا سدَّده، وجعل سؤاله عمَّا يعينه، وعلمه فيما ينفعه».
صدق - ﵁ -؛ فإنَّ من علامة توفيق الله لعبده أن يسدِّده في أقواله وأفعاله، فليست العبرة بكثرة قوله وفعله، بل العبرة بالسَّداد، وهو الصواب، ولا يكون صوابًا إلا إذا كان خالصًا على السُّنَّة النبويَّة.
ومن علامات توفيق الله لطالب العلم: أن يوفَّق للسؤال عمَّا يعنيه وينفعه، ويُبعده عمَّا لا يعنيه؛ ولهذا كان بعض السلف يربِّي تلاميذه إذا سألوا أسئلةً لا عمل تحتها، فينهونهم، قال الإمام مالك ﵀: «ولا أحبُّ الكلام إلا فيما تحته عمل، فأمَّا الكلام في الدِّين وفي الله ﷿، فالسكوت أحبُّ إليَّ؛ لأنِّي رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدِّين إلا ما تحته عملٌ» (٢).
وقال ابن وهبٍ - تلميذ مالكٍ - قال لي مالكٌ: «أدركت أهل هذه البلاد وإنَّهم ليكرهون هذا الإكثار الذي في الناس اليوم»، قال ابن وهبٍ: «يريد المسائل» (٣).
والمشاهد في واقع بعض طلاب العلم -خاصةً ممَّن هم في بواكير الطلب، وبداية التحصيل -من يُرهق نفسه بتتبُّع الغرائب، ويترك السؤال عن الأصول والقواعد والمهمَّات من العلم الذي يتعنَّاه، ويُكثر السؤال عمَّا لا يعينه، فيفوته خيرٌ كثيرٌ، بل ربَّما حُرِم الوصول، وتحرير الأصول، وهذا غلطٌ وخطأٌ في المنهج، وها هي وصيَّة ابن مسعودٍ - ﵁ -
_________________
(١) الإبانة الكبرى؛ لابن بطة (١/ ٤١٩).
(٢) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٣٨).
(٣) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٠٦٦).
[ ٩١ ]
ماثلةً، وكلام السلف في هذا كثيرٌ جدًّا، ومن قرأ في كتاب الإمام الفقيه أبي عمر بن عبد البرِّ «جامع بيان العلم وفضله»، رأى عجبًا من أحوال السلف في هذا الباب، وأدرك سرًّا من أسرار بركة علمهم.
نسأل الله أن يرزقنا التأسِّي بهم قولًا وعملًا وسلوكًا.
***
[ ٩٢ ]