(١/ ٢)
في الفاروق وسيرته ومناقبه تكتب المجلدات، لكن هذه نبذةٌ يسيرةٌ بين يدي الحديث عنه، فهو أبو حفصٍ عمر بن الخطَّاب بن نفيل العدويُّ القرشيُّ، يلتقي مع النبيِّ - ﷺ - في كعب بن لؤيٍّ.
أسلم سنة ستٍّ، وقيل: سنة خمسٍ، وعمره ستٌّ وعشرون سنةً تقريبًا.
وبإسلامه عزَّ الإسلام، فهاجر جهرًا (١)، وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها، وهو أول خليفةٍ دعي بأمير المؤمنين، وأول من كتب التاريخ للمسلمين، وأول من جمع الناس على صلاة التَّراويح، وأول من عسَّ في عمله، وفتح الفتوح (٢)، ووضع الخراج، ومصَّر الأمصار، واستقضى القضاة، ودوَّن الدِّيوان، وفرض الأعطية، وحجَّ بأزواج رسول الله في آخر حجَّةٍ حجَّها.
_________________
(١) بينما كان الصحابة يهاجرون سرًّا، جاهر عمر الناس بخروجه وقال: «ها أنا أخرج إلى الهجرة، فمن أراد لقائي فليلقني في بطن هذا الوادي!»؛ انظر: محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (٣/ ١٠٠٣)، المدهش (ص٣٣٩).
(٢) الأعلام؛ للزركلي (٥/ ٤٥): وفي أيَّامه تَّم فتح الشام والعراق، وافتتحت القدس والمدائن ومصر والجزيرة، حتى قيل: انتصب في مدَّته اثنا عشر ألف منبرٍ في الإسلام.
[ ٢٧ ]
ولي الخلافة بتوصيةٍ من أبي بكرٍ الصِّدِّيق، فلمَّا توفِّي أبو بكرٍ - ليلة الثلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة - استقبل عمر بخلافته يوم الثلاثاء صبيحة موت أبي بكرٍ ﵄.
وبقي في الخلافة نحو عشر سنين، وقد قتله أبو لؤلؤة الفارسيُّ المجوسيُّ بخنجرٍ في خاصرته، وهو في صلاة الصبح، وعاش بعد الطعنة ثلاث ليالٍ، كان هذا أواخر ذي الحجة من سنة ثلاثٍ وعشرين للهجرة (١) - ﵁ وأرضاه-.
أما مواعظه المنقولة عنه، فهي كثيرةٌ جدًا، ومن تلكم المواعظ (٢):
• عن المسور بن مخرمة:
أنَّه دخل هو وابن عبَّاسٍ على عمر بن الخطَّاب فقالا: «الصلاة يا أمير المؤمنين!» بعدما أسفر، فقال:
«نعم، ولاحظَّ في الإسلام لمن ترك الصَّلاة» فصلَّى والجرح يثعب دمًا.
إنَّك وأنت تقرأ هذه الوصيَّة العمريَّة بالصلاة وهو يُحتضر، ويستقبل الآخرة، ويودِّع الدُّنيا- لتتذكَّر وصية إمامه ونبيِّه - ﷺ - الذي أوصى بالصلاة وهو يجود بنفسه (الصَّلاة الصَّلاة وما ملكت أيمانكم) (٣) .. وكان وهو يغالب المرض، ويغمى عليه ثمَّ يفيق- لا يبدأ بغير ذلكم السؤال:
_________________
(١) صفة الصفوة (١/ ١٠١)، تاريخ الإسلام (٢/ ١٣٨)، الأعلام للزركلي (٥/ ٤٥).
(٢) الزهد؛ لأحمد بن حنبل (ص١٠٣).
(٣) مسند أحمد ح (١٢١٦٩)، مستدرك الحاكم ح (٤٣٨٨)، قال محققو المسند: حديث صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح، إلا أن سليمان التَّيميَّ اختلف عليه وخُولِف فيه.
[ ٢٨ ]
(أصلَّى النَّاس؟)، ثمَّ يغمى عليه ثمَّ يفيق، ثم يعيد السؤال (أصلَّى النَّاس؟) (١).
وها هو الفاروق يعيد السيرة، وينتهج ذات المنهج! فيعظنا قولًا وعملًا: «لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة»، وأمَّا موعظته العمليَّة، فحين صلَّى والجرح يثعب دمًا!
إنَّ هذا الموقف ليهدى للذين يقصِّرون في الصلاة لأدنى سببٍ، أو يصرُّون على تركها - عياذًا بالله! - وأيُّ دينٍ يبقى إذا سقط ركنه؟!
• وقال الفاروق - ﵁ - (٢):
«تفقَّهوا قبل أن تسوَّدوا».
هذه موعظةٌ عظيمةٌ قالها الفاروق - ﵁ -، رواها البخاريُّ في صحيحة تعليقًا وعقَّب عليها بقوله:
«وبعد أن تسوَّدوا، وقد تعلَّم أصحاب النبيِّ - ﷺ - في كبر سنِّهم».
«وإنما عقَّبه البخاري بقوله: «وبعد أن تسوَّدوا»؛ خشية أن يفهم أحدٌ من ذلك أنَّ السيادة مانعةٌ من التفقُّه، وإنَّما أراد عمر أنَّها قد تكون سببًا للمنع؛ لأنَّ الرئيس قد يمنعه الكبر والاحتشام أن يجلس مجلس المتعلِّمين.
وقال الشافعي: إذا تصدَّر الحدث، فاته علمٌ كثيرٌ.
وقد فسَّره أبو عبيدٍ فقال: تفقَّهوا وأنتم صغارٌ قبل أن تصيروا
_________________
(١) البخاري ح (٦٨٧)، مسلم ح (٤١٨).
(٢) البخاري (١/ ٣٩).
[ ٢٩ ]
سادةً، فتمنعكم الأنفة عن الأخذ عمَّن هو دونكم فتبقوا جهَّالًا» (١).
لقد أشار الفاروق في موعظته هذه إلى داءٍ يسري في نفوس بعض الناس، كما بيَّنه الأئمَّة، ولكن ماذا يقال عمَّن حال دون تعلُّمه لا رياسةٌ ولا ولايةٌ ولا منصبٌ ولا جاهٌ، إنَّما هو الأنفة من أن يجلس للتعلُّم وهو كبيرٌ في السِّنِّ فقط؟!
إنَّ في تعلُّم أصحاب النبيِّ - ﷺ - لنموذجًا يُحتذى كما قال البخاريُّ ﵀، وإنَّ ممَّا يُزري بالرجل رضاه بجهله بأبسط أمور دينه التي يحتاجها، فلا يتعلُّمها ولا يسأل عنها!
ومن الصور التي يتألَّم الإنسان من تكرُّرها: أن ترى شابًّا - فضلًا عن شيخٍ كبيرٍ في السنِّ- يلحن في القرآن لحنًا عظيمًا، ومع ذلك يأبى أن يتعلَّم في حلق تحفيظ القرآن؛ خشية الجلوس بين يدي معلِّمٍ في سنِّ أبنائه!
• وقال الفاروق - ﵁ - (٢):
«التُّؤدة في كلِّ شيءٍ خيرٌ إلا ما كان من أمر الآخرة».
هذا تصحيحٌ من الفاروق لمفهومٍ قد يختلط على بعض الناس؛ ذلك أنَّ العرب اتَّفقت على ذمِّ العجلة من حيث الجملة، وكانت العرب تكنيها أمَّ النَّدامات، ولهم في ذلك الحكم المنثورة، والأشعار المشهورة، إلا أنَّ هذا المفهوم - كما يقول الفاروق - لا ينبغي أن يُجرى على أمر الآخرة، بل العجلة-أي: المبادرة-إليه محمودةٌ ومطلوبةٌ؛ لأنَّ الإنسان لا يدري متى ينقطع أجله، فعليه أن يبادر ولا يتأنَّى.
_________________
(١) فتح الباري؛ لابن حجر (١/ ١٦٦).
(٢) الزهد؛ لأحمد بن حنبل (ص٩٨).
[ ٣٠ ]
فإذا حانت فرصةٌ للتعبُّد، والإكثار من أبواب الخير، فلا تحسن الأناة هنا، بل تذمُّ؛ فإنَّ الله تعالى يقول في أكثر من آيةٍ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨].
ومن الصور التي ذكرها العلماء أنَّ الأناة فيها مذمومةٌ: التوبة، وقضاء الدَّين، وإكرام الضيف، وتجهيز الميت؛ فهي من الأمور التي تستحبُّ فيها المبادرة والاستعجال في تنفيذها على الوجه الشرعيِّ.
وممَّا يلحق بذلك: محاسبة النفس، فلا ينبغي للراجي ربَّه والآخرة أن يتوانى في محاسبتها، بل يبادر، كما قال الفاروق - ﵁ -: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا؛ فإنَّ أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم، وتزيَّنوا للعرض الأكبر، يوم تعرضون لا تخفى منكم خافيةٌ!» (١).
كم قرع المتأنُّون في شأن الآخرة سنَّ الندم! وها هو القرآن يعبِّر عن هذه الصورة في مواضع كثيرةٍ؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٦].
• وقال الفاروق - ﵁ - (٢):
«ما أبالي على أيِّ حالٍ أصبحت! على ما أحبُّ، أم على ما أكره؛ ذلك بأنِّي لا أدري الخيرة فيما أحبُّ أم فيما أكره».
_________________
(١) الزهد؛ لأحمد بن حنبل (ص٩٩).
(٢) الزهد؛ لأبي داود (ص١٠٨).
[ ٣١ ]
يا له من درسٍ عميقٍ! نحتاج أن ندرِّب أنفسنا على تعلُّمه، وتربية قلوبنا على العيش معه.
ما أكثر ما تقع لنا أحداثٌ على المستوى الفرديِّ أو الجماعيِّ، نرى في ظاهرها الشرَّ، وتكون الخيرة فيها! وهذا مصداق لقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقوله ﷿: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
لقد مرَّ بي أخوان خلال أسبوعين، وكلاهما يتحدَّث عن مصيبةٍ يتوقَّع نزولها، وهو كارهٌ لها، ووالله لم أجد لي ولهما سلوةٌ إلا التذكير بهاتين الآيتين، وبنحو ما ذكره الفاروق - ﵁ -، حتى قال لي أحدهما لمَّا وقع ما يكره: والله إنِّي لمَّا تدبَّرت هذه الآية: ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] وقرأتها بقلبٍ، وجدتُّ راحةً وطمأنينةً!
لقد كثرت المنغِّصات في حياة الناس، وتنوَّعت المكدِّرات، ويبقى كلام الله، وكلام رسوله، ثمَّ مواعظ أصحابه بلسمًا شافيًا، نداوي به جراح الحياة.
****
[ ٣٢ ]