(٢/ ٢)
• ومن مواعظ أمير المؤمنين عمر الفاروق - ﵁ - قوله (١):
«من يدخل مدخل السُّوء يتَّهم».
هذه موعظةٌ بليغةٌ، ينبغي أن ينتبه الإنسان لها، وأن يحذر العاقل من ورود الأماكن أو المواضع أو إلقاء المقالات والكتابات التي تجلب التهمة له في دينه؛ ذلك أنَّ الناس ليس لهم إلا الظاهر في أحكامهم، فعلى الإنسان ألاَّ يطالبهم بغير ذلك، وإذا كان هذا مطلوبًا ممَّن عُرف عنه الصلاح في دينه، والعلم، فكيف بمن دونه؟!
وانظر إلى هدي النبيِّ - ﷺ - في هذا الباب، تجد عجبًا، فإنَّه لمَّا أراد أن يوصل زوجته أمَّ المؤمنين صفيَّة ﵂ من معتكفه إلى بيته، مرَّ به رجلان فأسرعا، فقال - ﷺ -: «على رسلكما، إنها صفيَّة بنت حييٍّ»، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! قال: «إنَّ الشَّيطان يجري من الإنسان مجرى الدَّم، وإنِّي خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًّا»، أو قال: «شيئًا» (٢) فإذا كان هذا رسول الله - ﷺ - فما الظنُّ بمن دونه؟!
_________________
(١) الزهد؛ لابن أبي عاصم (ص٥١).
(٢) البخاري ح (٣٢٨١)، مسلم ح (٢١٧٥).
[ ٣٣ ]
علَّق الإمام الشَّافعيُّ على ذلك بقوله: «إنَّما قال لهما ذلك؛ لأنَّه خاف عليهما الكفر إن ظنَّا به التُّهمة، فبادر إلى إعلامهما؛ نصيحةً لهما، قبل أن يقذف الشيطان في نفوسهما شيئًا يهلكان به» (١).
ولتوضيح صلة موعظة الفاروق بهذا الحديث العظيم، يقول ابن حجرٍ ﵀: «قال ابن دقيق العيد ﵀: وهذا متأكِّدٌ في حقِّ العلماء ومن يقتدى به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب سوء الظنِّ بهم، وإن كان لهم فيه مخلصٌ؛ لأن ذلك سببٌ إلى إبطال الانتفاع بعلمهم، ومن ثمَّ قال بعض العلماء: ينبغي للحاكم أن يبيِّن للمحكوم عليه وجه الحكم إذا كان خافيًا؛ نفيًا للتُّهمة.
ومن هنا يظهر خطأ من يتظاهر بمظاهر السوء ويعتذر بأنه يجرِّب بذلك على نفسه! وقد عظم البلاء بهذا الصِّنف، والله أعلم» (٢).
• ومن مواعظه قوله - ﵁ - (٣):
«ويلٌ لديَّان الأرض من ديَّان السماء يوم يلقونه، إلاَّ من أمَّ العدل، وقضى بالحقِّ، ولم يقض بهوًى ولا لقرابةٍ، ولا لرغبةٍ ولا لرهبةٍ، وجعل كتاب الله مرآته بين عينيه».
حين يتحدَّث عمر الفاروق عن العدل، فينبغي للآذان أن تنصت؛ فإنَّه الذي ضرب المثل بعدله، وسارت الرُّكبان بأخباره.
إنَّ الفاروق حينما يعظ من تولَّى أدنى ولايةٍ من ولايات المسلمين،
_________________
(١) فتح الباري؛ لابن حجر (٤/ ٢٨٠).
(٢) المصدر السابق.
(٣) الزهد؛ لأحمد بن حنبل (ص١٠٣).
[ ٣٤ ]
فإنَّه يعظه وهو الذي عاش همَّ الولاية وغمَّ المسؤولية، وهو الذي طالما ذرفت عيونه من الدمع؛ خوفًا من سؤال الله عن رعيَّته التي استرعاه الله عليهم، وهو الذي كان يقول: «لو ماتت شاةٌ على شطِّ الفرات ضائعةً لظننت أنَّ الله تعالى سائلي عنها يوم القيامة» (١).
إنَّ الفاروق بموعظته هذه، ينبِّه القضاة خصوصًا على أعظم الموانع التي تحول بين الإنسان وبين القضاء بالحقِّ، وهي أربعٌ: الهوى، القرابة، الرغبة في الأطماع، الرهبة من ذي سلطانٍ! ثمَّ لمَّا ذكر هذه الموانع، أشار إلى الدواء والعلاج: «أن يجعل كتاب الله مرآته بين عينيه».
وكأنَّه بذلك يشير إلى وصيَّة الله تعالى لنبيِّه داود - ﵊ -: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]، وهي التي جاء بعدها قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]؛ إشارةً - والله أعلم - إلى أنَّ من أقبل على القرآن متدبِّرًا، طالبًا الهدى في باب القضاء، أو البحث العلميِّ، فإنَّ الله تعالى يهديه ويدلُّه على الصواب.
• وقال الفاروق - ﵁ - (٢):
«إنَّك لم تنل عمل الآخرة بشيءٍ أفضل من الزهد في الدُّنيا».
مرَّ جابر بن عبد الله ﵄ - وهو معلِّقٌ لحمًا على ظهره - على عمر - ﵁ -، فقال: «ما هذا يا جابر؟»، قال: «هذا لحمٌ اشتريته
_________________
(١) حلية الأولياء (١/ ٥٣).
(٢) الزهد؛ لأحمد بن حنبل (ص١٠١).
[ ٣٥ ]
اشتهيته!»، قال: «أو كلَّما اشتهيت شيئًا اشتريته؟ أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]؟!» (١).
وكتب عمر إلى أبي عبيدة، فذكر كلامًا، وقال (٢):
«فغمِّض عن الدُّنيا عينك، وولِّ عنها قلبك، وإيَّاك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك؛ فقد رأيت مصارعها، وأُخبرت بسوء أثرها، على أهلها: كيف عري من كست، وجاع من أطعمت، ومات من أحيت؟! وأنت غائبٌ منتظرٌ متى سفره في غيره دار مقامٍ، قد نضب ماؤها، وهاجت ثمرتها، فأحزم الناس الراجل منها إلى غيرها بزاد بلاغٍ».
ووضوح هذه المواعظ والوصايا يغني عن التعليق عليها، إلا أنَّه يحسن الإشارة إلى أنَّ هذه المواعظ يعظم وقعها حين تصدر من مثل عمر - ﵁ -؛ فهو الذي تولَّى خلافة المسلمين عشر سنواتٍ، فما مالت به الدُّنيا ولا أطاحت، كان يلي من بلدان المسلمين ما يوازي عشر دولٍ عربيَّةٍ بل أكثر! ومع هذا لم يفتنه بهرجها، ولم يطغ، بل عاش عيشةً أذهلت رسول كسرى حين جاء يطلبه ليوصل له رسالة من سيِّده، فلم يزد - حين رآه متوسِّدًا التراب - إلا أن قال: «عدلت فأمنت فنمت».
إنَّ التاريخ والواقع يثبتان أنَّ أعظم شيءٍ يفسد صاحب العلم، ومن تولَّى شأنًا من شؤون المسلمين هو: الطمع في الدُّنيا والتعلُّق بها تعلُّقًا ينسي الآخرة! وكلام السلف مع ما يشاهده الإنسان يغني عن الإطالة في بيان ذلك.
_________________
(١) الزهد؛ لأحمد بن حنبل (ص١٠٢).
(٢) الزهد؛ لأبي داود (ص١٠٧).
[ ٣٦ ]
• ومن مواعظه العمليَّة (١):
أنَّه - ﵁ - حمل قِربةً على عنقه، فقيل له في ذلك، فقال:
«إنَّ نفسي أعجبتني؛ فأردتُّ أن أُذلِّها».
ما أحوج أهل العلم وطلبته - ومن نال شيئًا من أسباب الرِّفعة بين الناس - أن يداووا نفوسهم حين تهوي إلى دركات النيَّات السيِّئة، والأخلاق الرديئة!
هذا عمر - وهو عمر! - يُهدي لنا درسًا عمليًا في تربية النفس حين تصاب بشيءٍ من أدوائها.
فإن قلت: ما الذي أفعله؟ فيقال: كلُّ أعلم بما يُصلح نفسه، وأدرى بسبب العُجب الذي أصابه.
وهذا نموذجٌ عمليٌّ أذكره، فقد قال لي مرةً أحدُ طلبة العلم المشاهير إعلاميًا: إنِّني إذا أعجبتني نفسي، حرصت أن ألبِّي دعوةً لمحاضرةٍ في قريةٍ نائيةٍ؛ لأجل أن أداوي نفسي، فالإعلام والفلاشات - كما يقال - لها أثرها، فلله درُّه!
وللفاروق - ﵁ - كلماتٌ جامعةٌ في الوعظ، أسوق منها قوله:
- لا تعترض فيما لا يعنيك، واعتزل عدوَّك، واحتفظ من خليلك إلا الأمين؛ فإنَّ الأمين من القوم لا يعادله شيءٌ، ولا تُصاحب الفاجر فيعلِّمك من فجوره، ولا تفش إليه سرَّك، واستشر في أمرك الذي يخشون الله» (٢).
- وقال - ﵁ -: «عليكم بذكر الله فإنَّه شفاء، وإيَّاكم وذكر الناس
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (مجلد سير الخلفاء الراشدين/٨٣).
(٢) الزهد؛ لأبي داود (ص١٠٩).
[ ٣٧ ]
فإنَّه داء» (١).
ولنختم ببعض أدعية الفاروق - ﵁ - الذي كان يقول:
- «اللَّهمَّ عافنا واعف عنَّا» (٢).
- «اللَّهمَّ اجعل عملي صالحًا، واجعله لك خالصًا، ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئًا» (٣)
هذه رشفةٌ من مواعظ الفاروق - ﵁ - وما تركته أكثر، وفيما ذكر - إن انتفعنا به - خيرٌ ومغنمٌ.
_________________
(١) الزهد؛ لأحمد بن حنبل (ص١٠١).
(٢) الزهد؛ لأحمد بن حنبل (ص٩٧).
(٣) الزهد؛ لأحمد بن حنبل (ص٩٧).
[ ٣٨ ]