(١/ ٢)
هو أحد أكابر أصحاب النبي - ﷺ - وخاصَّتهم، يُكْنَى أبا عبد الله، شهد أحدًا وما بعد ذلك من المشاهد.
كان يسأل النبيَّ - ﷺ - عن الشرِّ مخافة أن يدركه، وأرسله النبيُّ - ﷺ - ليلة الأحزاب في مهمةٍ سرِّيَّةٍ ليأتيه بخبر الكفَّار.
شهد نهاوند، فلمَّا قتل النُّعمان بن مقرِّنٍ، أخذ الراية، وكان فتح همذان والرَّيِّ والدِّينور على يديه، وكانت فتوحه كلُّها سنة اثنتين وعشرين.
اشتهر بأنَّه صاحب سرِّ رسول الله - ﷺ -؛ أعلمه أسماء المنافقين، وكان عمر إذا مات ميِّتٌ يسأل عن هذا الصحابيِّ الجليل؛ فإن حضر الصلاة عليه، صلَّى عليه عمر، وإن لم يحضر الصلاة عليه، لم يحضر عمر، وقد استعمله عمر بن الخطَّاب - ﵁ - على المدائن.
إنَّه حُذيفة بن اليمان (١) - واسمه حسيلٌ -بن جابرٍ، من بني عبسٍ حلفاء بني عبد الأشهل.
_________________
(١) يقال له: اليمان؛ لأنَّه أصاب في قومه دمًا فهرب إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل من الأنصار، وهم من اليمن؛ فسمَّاه قومه اليمان؛ الاستيعاب (١/ ٣٣٤)، أسد الغابة (١/ ٧٠٦).
[ ١١٧ ]
مات حذيفة - ﵁ - بالمدائن بعد مقتل عثمان بن عفَّان بأشهرٍ، وقيل: أربعين يومًا، سنة ستٍّ وثلاثين، وله ذرِّيَّةٌ بالمدائن (١).
• أمَّا مواعظه التي نُقلت عنه، فكثيرةٌ، ولكن سننتخب منها شيئًا، ونترك أشياء؛ لأنَّ الغرض التذكير، فمن مواعظه - ﵁ - قوله (٢):
«خالص المؤمن، وخالط الكافر، ودينك لا تكلمنَّه».
والمعنى: أخلص في تعاملك مع أخيك المؤمن، ولا حرج أن تخالط الكافر إذا احتجت لذلك، لكن الأهمُّ هو: أن تحافظ على دينك لا يُكلم، ولا يُخدش، ولا يُجرح! ذلك أنَّ بعض الناس إذا خالط الفسَّاق -فضلًا عن الكفار- تنازل عن بعض مبادئه، أو استحيا من إظهار شعائره!
وما أحوج الإخوة الذين يسافرون إلى بلاد الكفر -لعلاجٍ أو تجارةٍ أو ابتعاثٍ -أن يستحضروا هذا المعنى، وأن يتذكَّروا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]!
ويعجبني في هذا المقام ذكر قصةٍ لأحد التجار الكبار في بلادنا -سمعتها منه -حيث سافر لبريطانيا، وكان من ضمن برنامجه: زيارة مدير أكبر بنكٍ في بريطانيا -وهو من أكبر بنوك العالم - فدعاه المدير لطعام الغداء، فوافق؛ ولكنَّه -وبعزَّة المسلم -اشترط عليه: ألَّا يكون على المائدة خمرٌ ولا لحم خنزيرٍ، وألا يختلط الرجال بالنساء، فوافق المدير.
_________________
(١) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد (٦/ ٩٤)، تاريخ بغداد (١/ ١٧٥)، الاستيعاب (١/ ٣٣٤).
(٢) حلية الأولياء (١/ ٢٨٠).
[ ١١٨ ]
وإذا كان (المهاتما غاندي) لما اقتيد مأسورًا من الإنجليز، رفض التخلِّي عن اللباس التقليديِّ الذي يرمز لمن كان يُناضل ويدافع عنهم -وهو وهم كفَّارٌ وثنيُّون -فالمسلم أولى وأحرى بأن يكون معتزًّا بهويَّته، لا أن يذوب وينماع في مجتمعات الكفر!
قد يعذر المسلم بترك لبس ما يجلب إليه مشكلاتٍ أمنيَّةً ونحوها إذا كان في بلاد الكفر، لكن ما عذر من يلبس لباس الكفار في بلاد المسلمين، وربَّما في مدينته أو قريته الصغيرة؟!
لقد أثبتت التجارب والأخبار أنَّ الناس يحترمون الذي يحافظ على مبادئه وإن اختلف معهم، ويمقتون من يتنازل ويقلِّدهم، وإن احترموه في الظاهر.
والمقصود أنَّ هذه الموعظة التي قالها حذيفة: «خالص المؤمن، وخالط الكافر، ودينك لا تكلمنَّه»، لا بدَّ أن يعيش معها المؤمن، في هذا الزمن الذي كثر فيه الاحتكاك بغير المسلمين، سواءً من الوافدين، أم ممَّن نسافر إليهم.
• ومن مواعظه (١) - ﵁ - أنَّه قيل له: من ميِّت الأحياء؟ قال:
«من لم يعرف المعروف بقلبه، وينكر المنكر بقلبه».
الله أكبر! يا لها من كلمةٍ عميقةٍ! تنقل القارئ لها إلى معنًى شريفٍ، ألا وهو: أنَّ الحياة الحقَّة هي حياة القلب لا البدن؛ إذ حياة البدن يشترك فيها معه الإنسان بل والحيوان.
_________________
(١) مصنَّف ابن أبي شيبة (٧/ ٥٠٤) رقم (٣٧٥٧٧).
[ ١١٩ ]
وبم تكون حياته؟ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن خلا قلبه من ذلك -والعياذ بالله - فليبحث له عن قلب، فقد قال النبيُّ - ﷺ -: (ما من نبيٍّ بعثه الله في أمَّةٍ قبلي إلَّا كان له من أمُّته حواريُّون وأصحابٌ، يأخذون بسنَّته، ويقتدون بأمره، ثمَّ إنَّها تخلف من بعدهم خلوفٌ، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده، فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بلسانه، فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بقلبه، فهو مؤمنٌ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبَّة خردلٍ) (١).
لقد شرح حذيفة نفسه هذه الجملة المختصرة، فقال:
«أفلا تسألون عن ميِّت الأحياء؟ فقال: إن الله تعالى بعث محمدًا - ﷺ - فدعا الناس من الضلالة إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان، فاستجاب له من استجاب، فحيا بالحقِّ من كان ميتًا، ومات بالباطل من كان حيًّا، ثم ذهبت النُّبوَّة فكانت الخلافة على منهاج النبوة، ثم يكون مُلكًا عضوضًا، فمن الناس من ينكر بقلبه ويده ولسانه والحقَّ استكمل، ومنهم من ينكر بقلبه ولسانه كافًّا يده وشعبةً من الحقِّ ترك، ومنهم من ينكر بقلبه كافًّا يده ولسانه وشعبتين من الحقِّ ترك، ومنهم من لا ينكر بقلبه ولسانه، فذلك ميِّت الأحياء!» (٢).
يقول عاصمٌ الأحول: «ما سمعت الحسن البصريَّ يتمثَّل ببيتٍ من شعرٍ قطُّ إلا هذا البيت:
ليس من مات فاستراح بميتٍ إنَّما الميت ميِّت الأحياء
ثم قال الحسن: وصدق والله، إنَّه ليكون حيًّا، وهو ميت القلب!» (٣).
_________________
(١) مسلم ح (٨٠).
(٢) حلية الأولياء (١/ ٢٧٥).
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (٥/ ٢٧٦) رقم (٣٥٢١٩)، شعب الإيمان (٩/ ٤٢٢).
[ ١٢٠ ]
• ومن مواعظه قوله - ﵁ - (١):
«إيَّاكم والفتن لا يشخص لها أحدٌ، والله ما شخص فيها أحدٌ إلا نسفته كما ينسف السيل الدِّمن، إنَّها مشبهةٌ مقبلةً، حتى يقول الجاهل: هذه تُشبه مُقبلة، وتتبيَّن مُدبرة، فإذا رأيتموها فاجثموا في بيوتكم، وكسِّروا سيوفكم، وقطِّعوا أوتادكم».
حين يتحدَّث حذيفة - ﵁ - عن الفتن فهو يتحدَّث عنها حديث الخبير البصير، كيف وقد أدرك أوائلها، وعرف مداخلها ومخارجها؟! حتى قال: «والله، إنِّي لأعلم الناس بكلِّ فتنة هي كائنةٌ فيما بيني وبين الساعة، وما بي إلا أن يكون رسول الله - ﷺ - أسرَّ إليَّ في ذلك شيئًا لم يحدِّثه غيري، ولكن رسول الله - ﷺ - قال وهو يحدِّث مجلسًا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله - ﷺ - وهو يعدُّ الفتن: (منهنَّ ثلاثٌ لا يكدن يذرن شيئًا، ومنهنَّ فتنٌ كرياح الصَّيف، منها صغارٌ، ومنها كبارٌ)، قال حذيفة: فذهب أولئك الرَّهط كلُّهم غيري» (٢).
وتتلخَّص وصية حذيفة هنا -عند وقوع الفتنة -ألَّا يشخص لها، ولا يبرز لها، ولا يخوض فيها؛ فهي بمثابة البحر الذي انفجر، والسيل الذي انهمر، وما الذي يتوقَّع من مصير من يواجه البحر إذا انفجر، والسيل إذا انهمر؟! سيجرفه جرفًا، وينسفه نسفًا، كما ينسف السيل إذا لاقى الدِّمن -وهي آثار البعر-!
وقد أشار حذيفة - ﵁ - إلى معنًى مهمٍّ جدًّا عند حدوث الفتنة، وهو: أنَّها تشتبه على أكثر الناس، فيختلط الحقُّ بالباطل، والصواب
_________________
(١) جامع معمر بن راشد - الملحق بمصنَّف عبد الرازق - (١١/ ٣٥٩)، المستدرك على الصحيحين للحاكم (٤/ ٤٩٥).
(٢) مسلم ح (٢٨٩١).
[ ١٢١ ]
بالخطأ، ويتنازع الناس الأمر، ويتحدَّث الصغير والكبير، والعالم والجاهل، وهذا من أسباب تعقُّد الأمر -كما هو معلومٌ -.
وإذا كان الدَّور - في أوقات الفتن -مناطًا بأهل العلم وأهل الرأي والرسوخ؛ فحقٌّ على من سواهم أن يأتمروا بأمرهم، وألَّا يدعوا المجال لصغار الرأي أو السِّنِّ، فإنَّ الفتنة بطبيعتها تعمي عن النظر في المآلات، وكثرة الحديث فيها من كلِّ أحدٍ يضيِّق المجال في الحلِّ، والموفَّقون للتعامل معها وفق المراد قلَّةٌ، كما قال الحسن البصريُّ ﵀: «إنَّ الفتنة إذا أقبلت، عرفها العالم، وإذا أدبرت، عرفها كلُّ جاهلٍ» (١).
ومن أعظم ما يذكَّر به عند بروز قرن الفتن: لزوم جماعة المسلمين، والسمع والطاعة بالمعروف لمن ولَّاه الله تعالى أمر المسلمين، والصدور عن رأي العلماء الراسخين الصادقين -الذين يقولون كلمة الحقِّ، لا يخافون في الله لومة لائمٍ -وترك الكلام في الفتنة إلا للكبار الذين يدركون المآلات والعواقب.
هذه بعضٌ من مواعظ هذا الصحابيِّ الجليل حذيفة - ﵁ -، ولم ينته التَّطواف معها؛ بل للحديث صلةٌ بمشيئة الله تعالى.
****
_________________
(١) حلية الأولياء (٩/ ٢٤).
[ ١٢٢ ]