(١/ ٣)
أحد تلاميذ المدرسة النبويَّة النجباء، كان لبيبًا، حازمًا، من عقلاء الرجال، وعُبَّادهم، ونُبلائهم.
كان من الباحثين عن الحقيقة، طاف بلدانًا كثيرةً من أجل البحث عن الإسلام؛ حتى هداه الله تعالى للقُيَا نبيِّنا - ﷺ -، وكانت أول مغازيه معه غزوة الخندق.
آخى النبيُّ - ﷺ - بينه وبين أبي الدرداء، وعاش حياة الزهد، وكان مُتقلِّلًا من الدُّنيا، عابدًا، لَقِيَ ربَّه في خلافة عثمان، وهو قريبٌ من الثمانين - على الصحيح من أقوال المحقِّقين في وفاته - إنَّه سلمان الخير، سابِقُ الفرس إلى الإسلام: سلمان الفارسيُّ - ﵁ - (١).
إنَّ حياة سلمان وقربه من النبيِّ - ﷺ - أثَّرت فيه تأثيرًا علميًّا وعمليًّا؛ حتى شهد له النبيُّ - ﷺ - بالفقه، وظهر أثر هذا في مواعظه التي نحاول تفيُّؤ بعض ظلالها؛ لعلَّنا ننتفع بها ..
_________________
(١) انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء، ط. الرسالة (١/ ٥٠٥).
[ ٢٠٥ ]
• ومن تلكم المواعظ قوله - ﵁ - (١):
«إنَّ العلم كثير، والعمر قصير؛ فخذ من العلم ما تحتاج إليه في أمر دينك، ودع ما سواه فلا تُعانه».
وهذه الوصيَّة الذهبيَّة من أهمِّ ما يحتاجه طلاب العلم، والذين حبِّبت لهم القراءة، ولديهم نَهَمٌ في التوسُّع في الاطِّلاع، والرغبة في التفوُّق في عدَّة تخصُّصاتٍ!
وإذا كان سلمان يقول مثل هذه في زمانه؛ فكيف لو رأى كثرة العلوم في عصورنا المتأخِّرة، وتنوُّع المعارف، ودقَّة التخصُّصات، وكثرة المشاغل؟!
وما أجمل ما وعظ به سلمان صاحبه، بأنَّ ما لا تحتاجه في أمر دينك فلا تُعانه! وأقول: وما لا تحتاجه في أمر دُنياك - إن كان التخصُّص الذي تطلبه دنيويًّا- فأردأ العلوم هو ما لا ثمرة له ولا نفع في دينٍ ولا دنيا.
وقد جلَّى ابن الجوزيِّ في «صيد الخاطر» بعض هذه المعاني حين قال:
«رأيت الشَّره في تحصيل الأشياء يفوِّت الشَّره عليه مقصوده! وكذلك رأينا خلقًا كثيرًا يحرصون على جمع الكتب، فينفقون أعمارهم في كتابتها! فإن قال قائلٌ: أليس في الحديث: «منهومان لا يشبعان: طالب علمٍ، وطالب دنيا»؟ (٢).
_________________
(١) حلية الأولياء (١/ ١٨٩).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير ح (١٠٣٨٨)، وضعَّف إسناده العراقيُّ في تخريج أحاديث الإحياء (ص ١١٤٢)، والهيثمي في مجمع الزوائد برقم (٥٧١).
[ ٢٠٦ ]
قلت: أمَّا العالم، فلا يقال له: اشبع من العلم، ولا اقتصر على بعضه، بل أقول له: قدِّم المهمَّ؛ فإنَّ العاقل من قدَّر عُمره وعمل بمقتضاه، وإن كان لا سبيل إلى العلم بمقدار العمر! غير أنَّه يبني على الأغلب إلى أن قال: فإذا علم العاقل أنَّ العمر قصير، وأن العلم كثير، فقبيحٌ بالعاقل، الطالب لكمال الفضائل، أن يتشاغل بالمفضول عن الفاضل (١) وينبغي لمن له أنفةٌ أن يأنف من التقصير الممكن دفعه عن النفس، وأن ينتهي بالنفس إلى كمالها الممكن لها في العلم والعمل» (٢).
* * *
• ومن مواعظ سلمان - ﵁ - قوله - في التحذير من كثرة الكلام (٣):
«أكثر الناس ذنوبًا يوم القيامة، أكثرهم كلامًا في معصية الله».
ولعلَّ سلمان - ﵁ - أخذ هذا المعنى من قوله - ﷺ - في وصيَّته لمعاذٍ - ﵁ - بالحذر من لسانه: (كُفَّ عليك هذا)، فقلت: يا نبيَّ الله، وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلَّم به؟! فقال: (ثكلتك أُمُّك يا معاذ، وهل يكُبُّ النَّاس في النَّار على وجوههم- أو على مناخرهم - إلَّا حصائد ألسنتهم) (٤).
ودخل في قول سلمان - ﵁ -: (أكثر الناس ذنوبًا يوم القيامة، أكثرهم كلامًا في معصية الله) كلُّ معاصي اللِّسان، وما أكثرها! فالغيبة، والنميمة، والكذب، والسُّخرية، وغيرها- من آفات اللسان!
_________________
(١) ذكر نماذج كثيرةً من واقع عصره، اختصرتها في هذه الكلمات، ومن أحبَّ التفصيل، فليرجع للكتاب.
(٢) صيد الخاطر (١٢٥).
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (٧/ ١٢٠).
(٤) سنن الترمذي ح (٢٦١٦) وقال: حسن صحيح.
[ ٢٠٧ ]
ومن تأمَّل في الغيبة فقط، أدرك حقيقة هذا المعنى!
يقول ابن الجوزيِّ ﵀: «فكم أفسدت الغيبة من أعمال الصالحين! وكم أحبطت من أجور العامِلِين! وكم جلبت من سخط ربِّ العالمين! فالغيبة فاكهة الأرذلين، وسلاح العاجزين، مُضغةٌ طالما لفظتها ألسنة المتَّقين، ونَغمةٌ طالما مجَّتها أسماع الأكرمين» (١).
فالله الله أيُّها الإخوة .. لنجتهد في حفظ ألسنتنا من آفاتها، خاصةً الغيبة التي أحرقت من الحسنات ما شاء الله أن تُحرق!
وليحذر العبد من اعتيادها؛ فإنَّ المعاصي اللسانيَّة «إذا صارت معتادةً للعبد، فإنه يعزُّ عليه الصبر عنها؛ ولهذا تجد الرجل يقوم الليل، ويصوم النهار، ويتورَّع من استناده إلى وسادة حريرٍ لحظةً واحدةً، ويطلق لسانه في الغيبة والنميمة والتفكُّه في أعراض الخلق!» (٢).
نعوذ بالله أن تقودنا حصائد ألسنتنا إلى موارد الهلاك في الدُّنيا والآخرة.
* * *
• ومن مواعظ سلمان - ﵁ - أنَّه سُئل: ما حسبك؟ فقال (٣):
«كرمي ديني، وحسبي التراب، ومن التراب خُلقت، وإلى التراب أصير، ثم أبعث وأصير إلى الموازين؛ فإن ثقلت موازيني، فما أكرم حسبي، وما أكرمني على ربِّي! يُدخلني الجنة، وإن خفَّت موازيني، فما ألأم حسبي، وما أهونني على ربِّي! ويعذِّبني، إلا أن يعود بالمغفرة والرحمة على ذنوبي».
_________________
(١) التذكرة؛ لابن الجوزي (ص ١٢٤).
(٢) عُدة الصابرين (ص ٥٦).
(٣) الزهد الكبير؛ للبيهقي رقم (٧٦٣).
[ ٢٠٨ ]
لكأنِّي بذلك السائل الذي سأل سلمان - ﵁ - أراد إحراجه، أو أراد أن يستنطقه ليرى رأيه في هذه الأحساب والأنساب التي يتفاخر بها الناس، فأجابه بهذا الجواب الذي يخرسه إن كان شامتًا، وينفعه إن كان راغبًا.
وصدق سلمان: «وإن خفَّت موازيني، فما ألأم حسبي، وما أهونني على ربِّي!»!
وأيُّ شيء نفع أبا لهبٍ أن كان عمَّ النبيِّ - ﷺ - حين أُدخلت روحه النار منذ فارق هذه الحياة، وفي الآخرة أشدُّ وأدهى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ١ - ٥]؟!
وماذا ضرَّ زيد بن حارثة أن كان مولًى من موالي نبيِّنا - ﷺ -، ويختصُّ بأن يكون حِبَّ رسول الله - ﷺ -، وأن يكون الصحابيَّ الوحيد الذي ذُكر اسمه في القرآن الكريم؟!
وكذلك يُقال في حقِّ بلالٍ - ﵁ -، وصدق الشاعر حين قال:
خذلت أبا جهلٍ أصالته وبلالٌ عبدٌ جاوز السُّحبا
وقريبٌ من هذا المعنى الذي قرَّره سلمان - ﵁ - أنَّ أبا الدرداء لمَّا كتب إلى سلمان الفارسيِّ: أن هلُمَّ إلى الأرض المقدَّسة، فكتب إليه سلمان: إنَّ الأرض لا تقدِّس أحدًا؛ وإنَّما يقدِّس الإنسان عملُه.
وصدق - ﵁ - إنَّما يقدِّس الإنسان عملُه، وهو الذي عليه مدار الحساب، والنجاة أو الهلاك، فلينظر كلُّ واحدٍ في عمله، ولا يركننَّ إلى ما لا ينفعه يوم يلقى الله - ﷿ - بل قد يضرُّه.
[ ٢٠٩ ]