(٣/ ٣)
• ومن مواعظ أبي عبد الله، سلمان الفارسيِّ - ﵁ - (١):
أنَّ رجلًا قال له مرةً: أوصني! قال: «لا تكلَّم»! قال: ما يستطيع مَن عاش في الناس ألَّا يتكلَّم.
قال: «فإن تكلَّمت، فتكلَّم بحقٍّ أو أسكت»! قال: زدني، قال: «لا تغضب»، قال: أمرتني ألَّا أغضب، وإنَّه ليغشاني ما لا أملك! قال: «فإن غضبت، فاملك لسانك ويدك».
قال: زدني، قال: «لا تلابس الناس» - أي: لا تخالطهم خلطةً كثيرةً - قال: ما يستطيع من عاش في الناس ألَّا يلابسهم، قال: «فإن لابستهم، فاصدق الحديث، وأدِّ الأمانة».
ما أجمل طلب الوصيَّة من العلماء! وما أجمل الوصيَّة حين تصدر من العالم العاقل المجرِّب!
فأنت تلاحظ أنَّ سلمان - ﵁ - خرجت نصائحه في قالب النهي المبكِّر عن بعض ما علم من حال الرجل أنَّه لن يفعله ابتداءً، لينتقل بعد ذلك إلى لُبِّ الوصيَّة في الموضوعات الثلاثة التي يُبتلى بها عموم الناس.
فحين أوصاه بعدم الكلام، واعتذر بصعوبة ذلك، أوصاه قائلًا:
_________________
(١) الصمت؛ لابن أبي الدنيا (ص٢٧٦).
[ ٢١٥ ]
«فإن تكلَّمت، فتكلَّم بحقٍّ أو اسكت»! وهي تُطابق تمامًا وصيَّة النبيِّ - ﷺ -: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت) (١).
وحين أوصاه بعدم الغضب؛ فهي مطابقةٌ للوصيَّة النبويَّة: (لا تغضب) (٢)، فحذَّره من تبعة الغضب إن وقع، وأن يحذر ذلك فقال: «فإن غضبت، فاملك لسانك ويدك»؛ ذلك أنَّ عامة من يغضبون يقع منهم بألسنتهم وأيديهم ما ينفِّسون به عن غضبهم زعموا!
وكم من بيتٍ هُدمت أركان حياته الأسريَّة بسبب طلاقٍ أطلقه الرجل لحظة غضبٍ!
وكم إنسانٍ خسر علاقاتٍ وصداقاتٍ بسبب كلمةٍ غير موزونةٍ أطلقها لحظة غضبٍ!
وكم من حالات قتلٍ وقعت بسبب إنفاذ جرعة الغضب التي تتلظَّى نارها في الجوف!
وكم تلفيَّاتٍ ماليَّةٍ حصلت بسبب غضبةٍ ترجمها الغاضب بسوء فعاله!
ولهذا؛ يحسن أن نشير في هذا الموضع- باختصارٍ شديدٍ- إلى هدي الشريعة في علاج الغضب:
١ - تجنُّب أسباب الغضب، وعليه يحمل قوله - ﷺ - في الحديث الآنف الذِّكر: (لا تغضب).
قال الرَّاوي- كما في رواية الإمام أحمد:- ففكَّرت حين قال النبيُّ - ﷺ - ما قال، فإذا الغضب يجمع الشرَّ كلَّه (٣).
_________________
(١) البخاري ح (٦٠١٨)، مسلم ح (٤٧).
(٢) البخاري ح (٦١١٦).
(٣) مسند أحمد ح (٢٣١٧١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٦٩): ورجاله رجال الصَّحيح.
[ ٢١٦ ]
٢ - إذا وقع الغضب، فليبادر إلى الاستعاذة بالله من الشيطان؛ ففي الصحيح عن سليمان بن صردٍ قال: كنت جالسًا مع النبيِّ - ﷺ -، ورجلان يستبَّان، فأحدهما احمرَّ وجهه وانتفخت أوداجه- عروقٌ من العنق- فقال النبيُّ - ﷺ - (إنِّي لأعلم كلمةً لو قالها، ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشَّيطان، ذهب عنه ما يجد) (١). ٣ - تغيير الحالة التي هو عليها حال الغضب؛ ففي سنن أبي داود وصحَّحه ابن حبَّان، أنَّ النبي - ﷺ - قال: (إذا غضب أحدكم وهو قائمٌ، فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلَّا فليضطجع) (٢).
٤ - أن يتذكَّر ما أعدَّه الله لمن كظم غيظه وهو قادرٌ على إنفاذه، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦]. ٥ - التأمُّل في سيرته - ﷺ - الذي هو القدوة المطلقة، وكم كظم من غيظٍ! وكم حَلُمَ على جاهلٍ، وعفا عن مخطئٍ! ٦ - معرفة مساوئ الغضب وآثاره السيِّئة- كما أسلفنا آنفًا .. ولنعد إلى خاتمة وصيَّة سلمان - ﵁ - للرجل، فإنَّه قال: زدني، قال: «لا تلابس الناس» - أي: لا تخالطهم خلطةً كثيرةً - قال: ما
_________________
(١) البخاري ح (٦١١٥)، مسلم ح (٢٦١٠).
(٢) سنن أبي داود ح (٤٧٨٢)، صحيح ابن حبان ح (٥٦٨٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٧١): ورجاله رجال الصَّحيح.
[ ٢١٧ ]
يستطيع من عاش في الناس ألَّا يلابسهم، قال: «فإن لابستهم، فاصدق الحديث، وأدِّ الأمانة».
ومن المعلوم أنَّ سلمان - ﵁ - لا يريد من الرجل أن يفارق الناس كليَّة، ولكنَّه أراد أن يوطِّئ له النصيحة عند المخالطة، وهي أن يخالطهم بأشرف الأخلاق، وهما: الصدق والأمانة؛ فالصدق في الأقوال، والأمانة في ردِّ الحقوق؛ فإنَّ غالب أسباب تصرُّم العلاقات، ووجود الوحشة، وارتفاع الناس للقضاء في الخصومات عائدٌ إلى الإخلال بهذين الأمرين، وما أوحش المجتمع إذا قلَّ فيه الصادقون، وكثر فيه الخائنون للأمانات!
* * *
• ومن مواعظ سلمان - ﵁ - العمليَّة (١): أنَّ بعض أفراد قبلية قريشٍ تفاخر عند سلمان الفارسيِّ - ﵁ - يومًا، فقال سلمان:
«لكنَّني خُلقت من نُطفةٍ قذرةٍ، ثم أعود جيفةً مُنتنةً، ثم آتي الميزان، فإن ثَقُلَ فأنا كريم، وإن خفَّ فأنا لئيم».
هكذا هم العلماء يعظون بأقوالهم وبمواقفهم، ولسان حال سلمان يقول:
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم
ولا ريب أنَّ النَّسب الشريف إذا قارنته التَّقوى كان نورًا على نورٍ، أمَّا إذا تجرَّد منها، فهذا إلى الذمِّ أقرب منه إلى المدح، فالإنسان لا اختيار له في نسبه؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وليس في كتاب الله
_________________
(١) إحياء علوم الدين (٣/ ٣٤٣).
[ ٢١٨ ]
آيةٌ واحدةٌ يمدح فيها أحدًا بنسبه، ولا يَذُمُّ أحدًا بنسبه، وإنَّما يمدح الإيمان والتقوى، ويَذُمُّ بالكفر والفسوق والعصيان» (١) انتهى كلامه ﵀.
وممَّا يشهد لما قاله شيخ الإسلام: أنَّ الله تعالى أنزل سورةً كاملةً في ذمِّ أبي لهبٍ؛ لكفره وعداوته للنبيِّ - ﷺ -، ونهى الله نبيَّه - ﷺ - أن يطرد المؤمنين من ضعفة أصحابه، وإن كان القصد من ذلك الرغبة في كسب قلوب أكابر قريشٍ، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وقال له في الآية الأخرى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
وكلام سلمان الفارسيِّ - ﵁ - أراد به أن يبيِّن لهم هذا المعنى الذي تضافرت عليه النصوص، وأراد به أن ينقلهم إلى هناك حيث لا أنساب ولا قراباتٍ تُغني العبد إذا قدم على ربِّه مفلسًا، فقال هذه الكلمة المؤثِّرة: ثم آتِي الميزان، فإن ثَقُلَ فأنا كريم، وإن خفَّ فأنا لئيم!
إي والله! إن ثقلت موازيننا غدًا إذا لقينا ربَّنا، فمن أكرم منَّا؟ وإن خفَّت فلا ألأم منَّا.
اللَّهمَّ إنَّا نسألك أن تستر عيوبنا، وتثقِّل موازيننا، وتُيمِّن كتبنا، وتدخلنا الجنة برحمتك.
* * *
_________________
(١) الفتاوى الكبرى (١/ ١٦٤).
[ ٢١٩ ]