هو عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السَّهميُّ القرشيُّ، عابدٌ من العُبَّاد، وعالمٌ من علماء الصحابة، أبوه صحابيٌّ، ويقال: إنَّه أسلم قبل أبيه.
له مناقب وفضائل، ومقامٌ راسخٌ في العلم والعمل، حمل عن النبيِّ - ﷺ - علمًا جمًّا، وكتب الكثير بإذنٍ من النبيِّ - ﷺ - وترخيصه له في الكتابة - بعد كراهيته للصحابة أن يكتبوا عنه سوى القرآن - ثم استقرَّ الإجماع بعد قرن الصحابة على جواز الكتابة، بل صرَّح بعضهم بوجوب الكتابة لغرض حفظ السُّنة.
كان مشهورًا بالتعبُّد، حاوره النبيُّ - ﷺ - في ذلك؛ ناصحًا له بالرِّفق بنفسه وعدم التشديد عليها وقت الشباب؛ لأنَّه سيحتاج لبعض النشاط في الكبر، وخشية إصابته بالملل، وقد وقع ما توقَّعه النبيُّ - ﷺ -، فقال ذلك الصاحب الكريم: «يا ليتني قبلت رُخصة رسول الله - ﷺ -» (١).
كانت وفاته سنة (٦٥ هـ) في أرض الكنانة (مصر)، ﵁ وأرضاه (٢).
* * *
_________________
(١) البخاري ح (١٩٧٥) واللفظ له، مسلم ح (١١٥٩).
(٢) تنظر ترجمته باختصار: سير أعلام النبلاء (٣/ ٧٩).
[ ٢٤٦ ]
• لقد رويت عن عبد الله بن عمروٍ - ﵁ - جملةٌ من المواعظ؛ منها قوله (١):
«دع ما لست منه في شيءٍ، ولا تنطق فيما لا يعنيك، واخزن لسانك كما تخزن نفقتك».
هذه الجملة الوعظيَّة تضمَّنت وصيَّتين عظيمتين:
الأولى: «دع ما لست منه في شيء»، وهي تشبه تلك الجملة المأثورة: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (٢)، وهي إن كانت من حيث السند فيها نظرٌ في نسبتها للنبيِّ - ﷺ -؛ إلا أنَّها - كما يقول ابن رجب:- «أصلٌ عظيمٌ من أصول الأدب» (٣).
ومراد عبد الله في قوله: «دع ما لست منه»؛ أي: لا يعنيك شرعًا، أو عرفًا، بحيث لا يخالف الشرع، ولابدَّ من حمل هذه الكلمة على هذا المعنى؛ حتى لا يَظُنَّ أحدٌ أنَّه يريد بها ما ليس منها؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وما أكثر ما يدخل الناس فيما ليسوا منه، ولا يعنيهم في قبيلٍ ولا دبير، ولا قليلٍ ولا كثير! ومن ذلك: السؤال عن بعض التفاصيل التي سكتت عنها الشريعة - لا نسيانًا؛ ولكن - رحمةً بالخلق، أو لأنَّ تفصيلها لا فائدة منه، ويذكر في ترجمة أحد تلاميذ الإمام مالكٍ - ﵏ - حين جاءه كتابٌ من بعض الملوك يسأله عن كِفَّتي الميزان: أمن ذهبٍ هي أم من ورقٍ؟ فكتب في الجواب: حدَّثنا مالكٌ
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٧/ ١٢٨).
(٢) الترمذي ح (٢٣١٧)، ابن ماجه ح (٣٩٧٦).
(٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٨٨).
[ ٢٤٧ ]
عن الزُّهريِّ، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (١).
وهذا يقع كثيرًا لبعض الطلبة- خاصةً منهم المبتدئين - حين يسألون عن تفاصيل لا أثر لها، بل لا داعي لها في العلم أو البحث، فيما كان يسمِّيه العلماء: الأغلوطات، وهذا المسلك ممَّا يحرم طالب العلم بركة ما يعلم، ويقطعه عن تحصيل النافع المفيد.
ومن ذلك: ما يقع لبعض الناس من تتبُّع الصغيرة والكبيرة من خصوصيات الناس، فهذا لو لم تأت به الشريعة، لنبذته الفطرة السَّليمة، ولنفرت منه النفوس المستقيمة، وهو ممَّا يوجب العداوة والبغضاء، ويحمل على العدوان بين الناس، وهو في الحقيقة إحدى صور التجسُّس، وتتبع العورات، والفضول من القول والعمل.
وأمَّا الجملة الثانية، فهي قوله: «ولا تنطق فيما لا يعنيك، واخزن لسانك كما تخزن نفقتك».
وهذه الجملة وثيقة الصلة بالجملة الأولى، ولكنَّها تستحقُّ الإفراد؛ لكثرة ما يدخل على الناس من خللٍ بسبب اللسان.
إنَّ هذه الموعظة تلتقي مع قوله - ﷺ -: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت) (٢).
قال الإمام الشافعيُّ ﵀ مبيِّنًا معنى هذه الجملة: «إذا أراد أن يتكلَّم فليفكِّر؛ فإن ظهر له أنَّه لا ضرر عليه، تكلَّم، وإن ظهر له فيه ضررٌ أو شكَّ فيه، أمسك».
_________________
(١) سير أعلام النبلاء، ط الرسالة (٩/ ٣١٢) ترجمة: زياد بن عبد الرحمن اللخمي.
(٢) البخاري ح (٦٠١٨)، مسلم ح (٤٧).
[ ٢٤٨ ]
ومن هنا أطبق السلف﵃ ورحمهم- على هذا المعنى، وكلامهم في هذا الباب كثيرٌ جدًّا، بل صنَّف بعض الأئمة كتبًا في أدب المنطق والصمت.
يقول يعلى بن عبيدٍ ﵀: (دخلنا على محمَّد بن سُوقة فقال: «أحدِّثكم بحديثٍ لعلَّه ينفعكم فإنَّه قد نفعني! قال لنا عطاء بن أبي رباحٍ: يا بني أخي، إنَّ من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدُّون فضول الكلام ما عدا كتاب الله أن تقرأه، أو تأمر بمعروفٍ، أو تنهى عن منكرٍ، أو تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بدَّ لك منها، أتُنكرون: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١]، و﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧، ١٨]؟ أما يستحي أحكم أن لو نشرت عليه صحيفته التي أملى صدر نهاره، كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه؟! (١).
ولو طبَّقنا وصية عبد الله بن عمرٍو بقوله: «واخزن لسانك كما تخزن نفقتك»، لم نتكلَّم إلا قليلًا، وفيما يعنينًا، والله المستعان.
* * *
• ومن مواعظ عبد الله بن عمرو - ﵁ - قوله (٢):
«من سُئل عمَّا لا يدري، فقال: لا أدري، فقد أحرز نصف العلم».
ما أحسن أن تأتي مثل هذه الموعظة من عالمٍ كعبد الله بن عمرٍو ﵄!
وهذا المعنى الذي أشار إليه عبد الله متواترٌ عن السلف
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة رقم (٣٥٤٦٩).
(٢) العقد الفريد (٢/ ٨٥).
[ ٢٤٩ ]
الصالح - ﵃ -، فهم الذين وعوا عن الله ورسوله خطورة القول عليهما بغير علمٍ، فكان من تمام علمهم قول: لا أدري.
يقول أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالبٍ - ﵁ -: من علم الرجل أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم؛ لأنَّ الله - ﷿ - قال لرسوله - ﷺ -: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] (١).
وصحَّ (٢)، عن ابن عمر ﵄ قال: «العلم ثلاثةٌ: كتابٌ ناطقٌ، وسنَّةٌ ماضيةٌ، و«لا أدري».
قال ابن عجلان ﵀: «إذا أغفل العالم «لا أدري»، أصيبت مقاتله» (٣).
وقال أحمد: ليس كلُّ شيءٍ ينبغي أن يُتكلَّم فيه، وذكر أحاديث النبيِّ - ﷺ - أنَّه «كان يسأل فيقول: (لا أدري حتى أسأل جبريل)».
وقال الإمام أحمد مرةً: وددتُّ أنَّه لا يسألني أحدٌ عن مسألةٍ، أو ما شيءٌ أشدَّ عليَّ من أن أُسأل عن هذه المسائل! البلاء يخرجه الرجل عن عنقه ويقلِّدك.
وكلام السلف في هذا الباب لا يحصى كثرةً، والموفَّق من سار على هذا الهدي السليم: يتكلَّم بعلمٍ، ويسكت بعلمٍ، ويفرح إذا كفاه غيره شأن الفُتيا.
رزقنا الله السير على هدي سلفنا الصالح، ومنَّ علينا بالعلم النافع والعمل الصالح.
_________________
(١) الآداب الشرعية، والمنح المرعية (٢/ ٥٨)، وحسَّن إسناده ابن مفلح.
(٢) المصدر السابق.
(٣) جامع بيان العلم (١/ ٣٨٠).
[ ٢٥٠ ]