(٢/ ٢)
• ومن مواعظه - ﵁ - قوله (١):
«ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشرِّ، ولكنَّه الذي يعرف خير الشرَّين، وليس الواصل الذي يصل من وصله، ولكنَّه الذي يصل من قطعه!».
هذه الموعظة هي قاعدةٌ في باب المقارنات بين الأقوال والأفعال والمواقف (٢).
وعمرٌو - ﵁ - لا ينفي العقل مطلقًا عمَّن يميِّز بين الخير والشرِّ؛ فهذا ممَّا يُحمد عليه الإنسان، وإنَّما مراده أنَّ أعلى درجات العقل: أن يوفَّق الإنسان لمعرفة خير الشرَّين، ويُضاف لذلك: خير الخيرين أيضًا، كما قال الشاعر:
إنَّ اللَّبيب إذا بدا من جسمه مرضان مختلفان داوى الأخطرا
وهذا موضعٌ من المواضع التي يتبيَّن فيها فقه الإنسان، ورجاحة عقله؛ فإنَّ تمييز الخير من الشرِّ يدركه كثيرٌ من الناس، لكنَّ التمييز بين خير الخيرين وشرِّ الشرَّين قليلٌ؛ لأنَّه يحتاج إلى مزيد علمٍ وتجربةٍ وبُعدِ نظرٍ.
_________________
(١) الإشراف، في منازل الأشراف؛ لابن أبي الدنيا (ص ٢٦٤).
(٢) قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٠/ ٥٤): «وهذا ثابتٌ في سائر الأمور».
[ ٢٤٠ ]
قال ابن تيمية ﵀: «فإنَّ الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، بحسب الإمكان، ومعرفة خير الخيرين، وشرِّ الشرَّين؛ حتى يُقدَّم عند التزاحم خير الخيرين، ويدفع شرُّ الشرَّين» (١).
وفي الجملة الأخيرة من كلام ابن تيمية ﵀ بيان فائدة هذه المعرفة، وهي: الترجيح عند التعارض بين المصالح والمفاسد، فمن لم يعرف خير الخير فكيف يختار أعلاهما؟ ومن لم يميِّز شرَّ الشرَّين فكيف يرتكب أدناهما؟
ومن تأمَّل في واقع الناس، وجد أنَّ أحد أهمِّ أسباب الخلل الذي يطرق حياتهم الخاصَّة والعامَّة، هو من عدم تطبيق هذه القاعدة التي تضمَّنتها كلمة عمرٍو - ﵁ -، فربَّما قُدِّم شرُّ الشرَّين، وتُرِك خير الخيرين؛ فيحصل من الفساد والخلل ما لا يعلمه إلا الله تعالى!
ثم قال عمرو بن العاص - ﵁ -: «وليس الواصل الذي يصل من وصله، ولكنَّه الذي يصل من قطعه!»، وهي قاعدةٌ مقتبسةٌ من مشكاة النبوَّة، ففي صحيح البخاريِّ من حديث ابنه عبد الله بن عمرو بن رحمه وصلها» (٢)، فإنَّ الذي يصل على شرط الوصل، فهو يشبه التقاضي، وما أقربه من حظِّ النفس! لكنَّ الواصل حقًّا هو الذي يعيش العبودية لله تعالى بالقيام بهذه الشعيرة العظيمة: صلة الرحم.
ومن تأمَّل في سبب انقطاع الصلة بين بعض الأرحام، وجد أنَّه مشارطتهم بلسان الحال أو بلسان المقال، والمؤمن الموفَّق هو من لم
_________________
(١) منهاج السُّنَّة النبوية (٦/ ١١٨).
(٢) البخاري ح (٥٩٩١).
[ ٢٤١ ]
يلتفت إلى هذا، بل يَصِلُ ولو وجد صُدودًا وقطيعة ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، ففي صحيح مسلمٍ أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إنَّ لي قرابةً أَصِلُهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويُسيئُون إليَّ، وأحلُمُ عنهم ويجهلون عليَّ، فقال: (لَئِن كنت كما قلت، فكأنَّما تسفُّهم الملَّ، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دمت على ذلك) (١).
* * *
• ومن مواعظ عمرو بن العاص - ﵁ - قوله لابنه (٢):
«يا بُنيَّ، احفظ عنِّي ما أُوصيك به: إمامٌ عادل، خيرٌ من مطرٍ وابل، وإمامٌ ظلومٌ غشوم، خيرٌ من فتنةٍ تَدُوم».
إنَّ من حكمة الله ورحمته أن شرع للناس اختيار إمامٍ وحاكمٍ يقود الناس ويسوسهم بكتاب الله وسنَّة رسوله - ﷺ -؛ إذ:
لا يصلح النَّاس فوضى لاسراة لهم ولا سراة إذا جهَّالهم سادوا
ويقول ابن المبارك ﵀:
إنَّ الجماعة حبل الله فاعتصموا منه بعروته الوثقى لمن دانا
كم يدفع الله بالسُّلطان معضلةً في ديننا رحمةً منه ودنيانا
لولا الخلافة لم تأمن لنا سبلٌ وكان أضعفنا نهبًا لأقوانا
قال ابن تيمية ﵀: «والملك الظالم لا بدَّ أن يدفع الله به من الشرِّ أكثر من ظُلمه، وقد قيل: ستُّون سنةً بإمامٍ ظالمٍ، خيرٌ من ليلةٍ واحدةٍ بلا إمامٍ» (٣).
_________________
(١) مسلم ح (٢٥٥٨).
(٢) تاريخ دمشق (٤٦/ ١٨٤).
(٣) مجموع الفتاوى (١٤/ ٢٦٨).
[ ٢٤٢ ]
ولهذا؛ اتَّفق الفقهاء على وجوب تنصيب الإمام، وأجمعوا على تحريم الخروج عليه ولو ظلم وجار، ما لم ير الناس كفرًا بواحًا عندهم فيه من الله برهانٌ، ولديهم القدرة على إزاحته، والنصوص في هذا الباب كثيرةٌ جدًّا.
قال الإمام أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ: «ولا نرى الخروج على أئمَّتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله - ﷿ -، ما لم يأمروا بمعصيةٍ، وندعو لهم بالصلاح والعافية» (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
«ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السُّنَّة أنَّهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف، وإن كان فيهم ظلمٌ؛ كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبيِّ - ﷺ -؛ لأنَّ الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتالٍ ولا فتنةٍ، فلا يدفع (٢) أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، ولعلَّه لا يكاد يعرف طائفةٌ خرجت على ذي سلطانٍ، إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته» (٣).
ونصوص الأئمَّة في هذا الباب كثيرةٌ معلومةٌ.
والمراد هنا: أنَّ كلمة عمرو بن العاص هنا غايةٌ في الحكمة، وهي قوله: «يا بُنيَّ، احفظ عنِّي ما أوصيك به: إمامٌ عادل، خيرٌ من مطرٍ وابل،
_________________
(١) شرح الطحاوية، تحقيق: الأرناؤوط (٢/ ٥٤٠).
(٢) كذا بالأصل، ولعل صوابها: «فإنه يدفع».
(٣) منهاج السُّنَّة النبوية (٣/ ٣٩١).
[ ٢٤٣ ]
وإمامٌ ظلومٌ غشوم، خيرٌ من فتنةٍ تدوم»؛ فالمطر - مع أهمِّيَّته - قد يعيش الإنسان بدونه بعض الوقت، ويرحل لبلدٍ آخر مخصبٍ، لكن كيف سيكون العيش مع فقد الأمن، والعياذ بالله؟!
وممَّا يُؤكَّد عليه- خاصة في أزمنة الفتن والاضطراب الذي تُؤجِّجه بعض وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعيِّ:- الحرص على جمع الكلمة، وعدم نشر ما يفرِّق جماعة المسلمين، أو يوغر الصدور على ولاة الأمور من الحكَّام والعلماء؛ فإنَّ عاقبة ذلك فسادٌ عريضٌ، لا يعلمه إلا الله.
ومن كمال هذه الشريعة: أنَّها لم تُقفل باب النصح للأئمَّة - من العلماء والحكام- بل جعلته من الدِّين، كما في حديث تميم الدَّاريِّ - ﵁ -: (إنَّ الدِّين النَّصيحة، إنَّ الدِّين النَّصيحة، إنَّ الدِّين النَّصيحة)، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: (لله، وكتابه، ورسوله، وأئمَّة المؤمنين، وعامَّتهم- أو أئمَّة المسلمين، وعامَّتهم) (١).
قال ابن تيمية ﵀: «والنصيحة لأئمَّة المسلمين وعامَّتهم هي مناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعتهم؛ فإنَّ لزوم جماعتهم هي نصيحتهم العامة، وأمَّا النصيحة الخاصة لكلِّ واحدٍ منهم بعينه، فهذه يمكن بعضها ويتعذَّر استيعابها على سبيل التعيين» (٢).
والمقصود أنَّ نصيحتهم حقٌّ لهم على رعيَّتهم، وليست مجرَّد إذنٍ من الشرع، يُسلك فيها المسلك الشرعيُّ، الذي يحقِّق المصالح ويدفع أو يقلِّل المفاسد.
_________________
(١) مسلم ح (٥٥)، أبو داود ح (٤٩٤٤) واللفظ له.
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٩).
[ ٢٤٤ ]
ومن تأمَّل في أحوال الأمم الغابرة، والدول الحاضرة، التي وقع فيها خروجٌ على الحكَّام، تيقَّن هذه الحقيقة التي أشار إليها الأئمة في كلامهم، ومنهم عمرو بن العاص.
نعوذ بالله من مضلات الفتن، ومن أسباب ضياع الأمن، كما نسأله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يولِّي عليهم خيارهم، وأن يهدي ولاتهم لتحكيم شرعه وسنَّة رسوله - ﷺ -.
* * *
[ ٢٤٥ ]