إنَّهما من أكابر الصحابة - ﵃ -، وممَّن بشِّر بالجنة وهم أحياءٌ، مات النبيُّ - ﷺ - وهو عنهما راضٍ، وأدخلهما الفاروق - ﵁ - في مجلس الشورى السُّداسيِّ حين حضرته الوفاة.
أمَّا الأول منهم، فهو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرٍو التَّيميُّ، أبو محمدٍ، الذي سطَّر التاريخ مناقبه بأحرفٍ من نورٍ، أليس هو الذي جعل ظهره وقايةً لرسول الله - ﷺ - يوم أحدٍ؟ حتى صار ظهره كظهر القنفذ من كثرة ما وقع عليه من سهامٍ - ﵁ -، وكانت يده شلَّاء ممَّا وقى بها رسول الله - ﷺ - يوم أحدٍ؛ ولذلك قال عنه - ﷺ -: (أوجب طلحة) (١)؛ أي: وجبت له الجنة، وكان أبو بكرٍ - ﵁ - إذا ذكر يوم أحدٍ قال: «ذاك كلُّه يوم طلحة»، وشهد بقية المشاهد مع رسول الله - ﷺ -، وقتل - ﵁ - سنة ستٍّ وثلاثين، وهو ابن أربعٍ وستِّين سنةً (٢).
_________________
(١) الترمذي ح (١٦٩٢).
(٢) انظر: سير أعلام النبلاء (١/ ٢٣، ٢٥)، صفة الصفوة (١/ ١٢٦)، معرفة الصحابة؛ لأبي نعيم (١/ ٩٨).
[ ٦٩ ]
• ولعلَّنا نبتدئ بما نُقل عنه من مواعظ -على ندرته- بقوله - ﵁ - (١):
«إنَّا لنجد بأموالنا ما يجد البخلاء، لكنَّنا نتصبَّر».
ومراده - ﵁ - أنَّ حبَّ المال قد فُطرت عليه القلوب، وجُبلت عليه النفوس، لكنَّ الفرق بين البخيل والكريم، وبين الجواد والممسك، هو الصبر، ومعرفة حقيقة المال، وأنَّه غادٍ رائحٌ، وأنَّ المال الباقي في الحقيقة هو ما أنفقه العبد لا ما حبسه، كما قال النبيُّ - ﷺ - فيما رواه البخاريُّ عن ابن مسعودٍ - ﵁ -: (أيُّكم مال وارثه أحبُّ إليه من ماله؟)، قالوا: يا رسول الله، ما منَّا أحدٌ إلاَّ ماله أحبُّ إليه، قال: (فإنَّ ماله ما قدَّم، ومال وارثه ما أخَّر) (٢).
لقد كانت سيرة طلحة - ﵁ - ترجمةً عمليَّةً للسَّخاء الذي جُبل عليه، وترجمةً حيَّةً لهذه الموعظة، يقول قبيصة بن جابرٍ: «صحبت طلحة، فما رأيت رجلًا أعطى لجزيل مالٍ عن غير مسألةٍ منه» (٣).
«وكان لا يدع أحدًا من بني تيمٍ عائلًا إلا كفاه مؤونته ومؤونة عياله، وزوَّج أيَاماهم، وأخدم عائلهم، وقضى دين غارمهم» (٤).
• ومن مواعظه ووصاياه - ﵁ - قوله (٥):
«لا تشاور بخيلًا في صلةٍ، ولا جبانًا في حربٍ، ولا شابًا في جاريةٍ».
والمعنى: أنَّ الإنسان إذا أراد المشاورة، فليختر الشخص المناسب
_________________
(١) إحياء علوم الدين (٣/ ٢٥٥).
(٢) البخاري ح (٦٤٤٢).
(٣) معجم الصحابة؛ للبغوي (٣/ ٤١١).
(٤) الطبقات الكبرى (٣/ ١٦٦).
(٥) مكارم الأخلاق؛ للخرائطي (١/ ٢٥٢).
[ ٧٠ ]
للمشورة، وليحذر ممَّن يحمل الصفة المضادَّة للأمر الذي يستشار فيه؛ لأنَّ النتيجة معروفةٌ مسبقًا!
فمن استشار البخيل في البذل، فلن يشير عليه إلا بالإمساك، ومن استشار جبانًا في المضيِّ إلى القتال، فلن يشير عليه إلا بالبقاء والترهيب من الموت الذي لا يتقدَّم أجله ولا يتأخَّر!
وهكذا الأمر في شأن الشابِّ مع الجارية؛ فالمظنَّة هي الوقوع في المحذور.
ولهذا؛ فإنَّ من كمال عقل الإنسان أن يستشير، وأن يكون المستشار أهلًا للاستشارة، بحيث يكون معروفًا بالحكمة والعقل، والخبرة بالشيء الذي يستشار فيه، كما قال لقمان الحكيم لابنه: شاور من جرَّب الأمور؛ فإنَّه يعطيك من رأيه ما قام عليه بالغلاء، وأنت تأخذه مجانًا (١).
وقال بعض الحكماء: من استشار، فإنَّه يضيف إلى رأيه آراء العقلاء، ويجمع إلى عقله عقول الحكماء، فالرأي الفذُّ ربَّما زلّ، والعقل الفرد ربَّما ضلّ، وقد قيل: ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار (٢).
أمَّا الصحابيُّ الثاني الذي نقف مع ما وقفنا عليه من مواعظه، فهو من الذين استجابوا لله وللرَّسول من بعد ما أصابهم القرح (٣)، وكان معدودًا في أنجاد أصحاب رسول الله - ﷺ - (٤)، وكان من السَّابقين إلى الإسلام، هو ابن عمَّة رسول الله - ﷺ -، إنَّه الزُّبير بن العوَّام بن خويلد بن أسد بن عبد العزَّى بن قصيٍّ، أبو عبد الله الأسديُّ، يلتقي مع رسول الله - ﷺ - في
_________________
(١) أدب الدنيا والدين (ص٣٠٣).
(٢) أدب الدنيا والدين (ص٣٠٠).
(٣) مسلم ح (٢٤١٨).
(٤) تاريخ الإسلام (٣/ ٥٠٣).
[ ٧١ ]
قصيٍّ، قال عنه النبيُّ - ﷺ -: (إنَّ لكلِّ نبيٍّ حواريًا، وحواريَّ الزُّبير) (١)، شهد بدرًا والمشاهد كلَّها، وشهد له النبيُّ - ﷺ - بالشهادة وهو حيٌّ؛ فقال حين كان على جبل حراءٍ فتحرَّك: (اسكن حراء؛ فما عليك إلَّا نبيٌّ، أو صدِّيقٌ، أو شهيدٌ)، وكان عليه النبيُّ - ﷺ -، وأبو بكرٍ، وعثمان، وعليُّ، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقَّاصٍ - ﵁ - (٢).
وفضائله ومناقبه كثيرةٌ، وقد مات شهيدًا مغدورًا به من البغاة الخوارج سنة ستٍّ وثلاثين، وعمره سبعٌ وستُّون سنة، وقيل غير ذلك (٣).
• والمنقول من وعظه قليلٌ، ومنه قوله (٤):
«من استطاع أن تكون له خبيئةٌ من عملٍ صالح، فليفعل».
يا لها من موعظةٍ بليغةٍ، ووصيَّةٍ فذَّةٍ! ذلك أنَّ الأعمال الصالحة لا تقبل إلا بإخلاص العمل، ولمَّا كان الإخلاص يحتاج إلى مجاهدةٍ، خاصةً إذا كان العمل كبيرًا، والأثر عظيمًا، والإنسان كثير الخلطة للخلق؛ لذا كان السلف - ومنهم الزبير - يوصون بمثل هذه الوصيَّة، وهي أن يكون للإنسان خبيئة عملٍ صالحٍ، لا يطلع عليها إلا الله تعالى؛ فإنَّ الإخلاص ما خالط عملًا إلا عظَّمه، ولأنَّ اطِّلاع الناس على العمل - وإن لم يسارع له العبد -له ضريبته من جهة حاجته إلى الإخلاص، والبعد عن حظِّ النفس، والرغبة في ثناء الخلق.
_________________
(١) البخاري ح (٢٦٩١) واللفظ له، مسلم ح (٢٤١٥)، ويُنظر: تاريخ الإسلام (٣/ ٥٠٢): الحواريُّ: الناصر، وقال الكلبيُّ: الحواريُّ: الخليل، وقال مصعبٌ الزبيريُّ: الحواريُّ: الخالص من كلِّ شيءٍ.
(٢) مسلم ح (٢٤١٧).
(٣) منتهى السول (١/ ٦٠٢).
(٤) الزهد؛ لأحمد (ص١١٩).
[ ٧٢ ]
قال عبد الله بن داود الخريبي ﵀: «كانوا - أي: السلف - يستحبُّون أن يكون للرجل خبيئةٌ من عملٍ صالحٍ، لا تعلم به زوجته ولا غيرها» (١).
لهذا؛ فإنَّ من توفيق الله تعالى للعبد للعبد أن يحرص على هذه الوصية الزُّبيريَّة: «من استطاع أن تكون له خبيئةٌ من عملٍ صالحٍ، فليفعل». فإن قلت: مثِّل لي بمثالٍ على الخبيئة، فالجواب: أمثلة هذا كثيرةٌ، كأن تدمع عينك وأنت خالٍ بربك! أو تتصدَّق بصدقةٍ فتخفيها؛ حتى لا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك، ونحو هذه الأعمال الصالحة.
ذكر ابن المبارك عند الإمام أحمد﵏ جميعًا - فقال الإمام أحمد: «ما رفع الله ابن المبارك إلا بخبيئةٍ كانت له» (٢).
• ومن مواعظ الزُّبير العمليَّة:
ما رواه البخاريُّ في صحيحه عن عبد الله بن الزبير بن العوَّام ﵄ قال: لمَّا وقف الزبير يوم الجمل دعاني، فقمت إلى جنبه، فقال: «يا بُنيَّ، إنَّه لا يقتل اليوم إلا ظالمٌ أو مظلومٌ، وإنِّي لا أُراني إلا سأقتل اليوم مظلومًا، وإنَّ من أكبر همِّي لَدَيْنِي، أفترى يبقي دَيْنُنَا من مالنا شيئًا؟ ..».
قال عبد الله: فجعل يوصيني بدَيْنه، ويقول: «يا بُنيَّ، إن عجزت عنه في شيءٍ، فاستعن عليه مولاي»، فوالله ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبة، من مولاك؟! قال: «الله»!
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٩/ ٣٤٩).
(٢) صفة الصفوة (٢/ ٣٣٠).
[ ٧٣ ]
قال عبد الله: فوالله ما وقعت في كربةٍ من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير، اقض عنه دينه، فيقضيه
قال: فكان للزبير أربع نسوةٍ، ورفع الثُّلث، فأصاب كلَّ امرأةٍ ألف ألفٍ ومائتا ألفٍ، فجميع ماله خمسون ألف ألفٍ، ومائتا ألفٍ (١).
أرأيتم كيف يعظ السلف أبناءهم عمليًّا؟ لم يقل الزبير: إذا عجزت فاذهب للسلطان -مثلًا -مع أنَّ هذا جائزٌ، أو اذهب لفلانٍ، أو اجمع قريشًا، بل علَّقه بالله تعالى، الذي بيده خزائن السموات والأرض، فما كانت النتيجة؟! إنَّه الغنى بالله، والاستغناء عن الخلق، والرِّزق الواسع، وقضاء الديون.
وهذا كلُّه - كما هو ظاهرٌ - لا يعني إهمال الأسباب، ولكنَّها موعظةٌ يُقصد منها لفت النظر إلى أهمية التعلُّق بالله، خاصةً في هذه القضية الحقوقيَّة بين الناس - وهي الدَّين الذي أثقل كواهل الكثيرين- فإليهم نهدي هذا الموقف، ونقول لهم: إذا ضاقت عليكم، وعجزتم عن ديونكم، فقولوا: يا مولانا، اقض عنَّا ديوننا، قولوا بألسنتكم وقلوبكم.
رضي الله عن طلحة بن عبيد الله، ورضي الله عن الزُّبير بن العوَّام، وجمعنا بهما في جنَّات النعيم، مع الذين أنعم عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
_________________
(١) البخاري ح (٣١٢٩).
[ ٧٤ ]
من مواعظ عبد الرحمن بن عوفٍ - ﵁ -
هو أحد أكابر الصحابة - ﵃ -، وأحد العشرة، وأحد السِّتة أهل الشُّورى، وأحد السابقين البدريِّين، وهو أحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام، وأحد من كان يُفتِي في عهد رسول الله - ﷺ - (١).
إنَّه عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوفٍ الزُّهريُّ القرشيُّ، أبو محمدٍ، المتوفَّى سنة ٣٢ من الهجرة، وهو ابن اثنتين وسبعين، ويقال خمسٍ وسبعين (٢)، دفن بالبقيع، فقال عليٌّ - ﵁ - يوم وفاته: «اذهب يابن عوفٍ؛ فقد أدركت صفوها، وسبقت رنقها! -أي: كدرها -» (٣).
• أمَّا مواعظ هذا الصحابيِّ الجليل، فهي- على قلَّتها -بليغةٌ، وعميقة الدَّلالة فيما أشارت إليه، ومن ذلك قوله (٤).
«ابتلينا بالضَّرَّاء فصبرنا، وابتلينا بالسَّرَّاء فلم نصبر».
وهذه من متين الفقه لمعاني الكتاب والسُّنَّة، فإنَّ الصبر على الضراء والشدَّة ظاهر المعنى، ويدركه كلُّ أحدٍ، لكنَّ الذي لا يتفطَّن له إلا الألبَّاء، وذوو العقول والنُّهى: الصبر على الغنى، والرخاء، ورغد
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١/ ٨٦).
(٢) صفة الصفوة (١/ ١٣٣).
(٣) تاريخ الإسلام (٣/ ٣٩٦).
(٤) الترمذي ح (٢٤٦٤).
[ ٧٥ ]
العيش، وما يترتَّب عليه من تبعاتٍ وتكاليف، فقلَّ من يتفطَّن له؛ ولهذا قال - ﷺ -: (فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكنِّي أخشى أن تبسط عليكم الدُّنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم) (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «وكلتا النعمتين - الضراء والسراء - تحتاج مع الشكر إلى الصبر؛ أمَّا الضراء، فظاهرٌ، وأمَّا نعمة السراء، فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها، كما قال بعض السلف: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر؛ فلهذا كان أكثر من يدخل الجنة المساكين، لكن لمَّا كان في السراء اللذَّة، وفي الضراء الألم؛ اشتهر ذكر الشكر في السراء، والصبر في الضراء؛ قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [هود: ١١] الآية» (٢) انتهى.
«فالرجل كلَّ الرجل من يصبر على العافية، ومعنى الصبر عليها: ألاَّ يركن إليها، ويعلم أنَّ كلَّ ذلك مستودعٌ عنده، وعسى أن يسترجع على القرب، وألَّا يرسل نفسه في الفرح بها، ولا ينهمك في التنعُّم واللذة، واللهو واللعب، وأن يرعى حقوق الله في ماله بالإنفاق، وفي بدنه ببذل المعونة للخلق، وفي لسانه ببذل الصِّدق، وكذلك في سائر ما أنعم الله به عليه» (٣).
يقول الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، قال ابن رجب رحمة الله معلِّقًا على هذه الآية:
_________________
(١) البخاري ح (٤٠١٥)، مسلم ح (٢٩٦١) من حديث عمرو بن عوف - ﵁ -.
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٢٠٩).
(٣) إحياء علوم الدين (٤/ ٦٩).
[ ٧٦ ]
«فجعل كلَّ ما يصيب الإنسان من شرٍّ أو خيرٍ فتنةً؛ يعني: أنَّه محنةٌ يُمتحن بها؛ فإن أُصيب بخيرٍ، امتُحن به شكره، وإن أُصيب بشرٍّ امتُحن به صبره، وفتنة السراء أشدُّ من فتنة الضراء؛ قال بعض السلف: فتنة الضراء يصبر عليها البرُّ والفاجر، ولا يصبر على فتنة السراء إلا صدِّيقٌ، ولمَّا ابتلي الإمام أحمد بفتنة الضراء، صبر ولم يجزع، وقال: كانت زيادةً في إيماني، فلمَّا ابتلي بفتنة السراء - وهي شهرته وإقبال الناس عليه وتعظيمهم له - جزع وتمنَّى الموت صباحًا ومساءً، وخشي أن يكون نقصًا في دينه!» (١).
إنَّ من تأمَّل الواقع، أدرك عمق هذه الموعظة التي قالها عبد الرحمن بن عوفٍ - ﵁ -: «ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر»، فكم شاهد الناس أقوامًا كانوا أيام فقرهم وتوسُّط حالهم الماديَّة على قدرٍ جيدٍ من الديانة، ورعاية الحقوق، والصِّلة، فلمَّا فتحت عليهم الدُّنيا وبسطت لهم، تغيَّرت أحوالهم للأسوأ! ودخلوا في مضايق الأمور، ومقاطع الحقوق؛ فمنهم من سجن، ومنهم من هجرة الناس، ومنهم ومنهم!
فنسأل الله تعالى العفو والعافية في حال السراء والضراء، وأن يجعلنا ممَّن إذا ابتلي بالخير أو الشرِّ صبر.
• ومن مواعظ عبد الرحمن بن عوفٍ - ﵁ - قوله (٢):
«يا حبَّذا المال؛ أصون به عرضي، وأرضي به ربِّي!».
صدق - ﵁ -، وهذا القول منه هو الفقه؛ فإنَّ الشرع لا يذمُّ جمع
_________________
(١) اختيار الأولى، في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى (١٢٣).
(٢) أدب الدنيا والدين (١/ ٣٢٩).
[ ٧٧ ]
المال لذات الجمع؛ وإنَّما يذمُّه إذا جمعه صاحبه ثم قصَّر في أداء حقوقه -كالزكاة والنفقة والصِّلة والصدقة - أو تسبَّب في تعلُّقه الزائد عن حدِّه بالدُّنيا.
وأمَّا ما سرى في أبجديَّات بعض الزهَّاد، من ذمِّ المال مطلقًا، فهو كلامٌ لا يجري على قواعد الشرع ولا أصوله.
والصحيح في مسألة جمع المال وعدمه أن يفصَّل فيها، فيقال:
إن كان جمعه لمجرَّد الجمع، مع التقصير في حقِّ الله وحقِّ عباده فيه، أو ألهى عن الواجبات الشرعيَّة، أو كان سببًا في رقَّة الديانة وضعفها، فهو مذمومٌ بلا شكٍّ، أمَّا إن جمعة الإنسان لغرضٍ صالحٍ، فأنفقه في سبيل الله، ودعم مشاريع الخير، وعرف الجامع حقَّ الله فيه، فأدَّى زكاته، وأدَّى حقوقه الأخرى، فهو ليس بمذمومٍ؛ وبهذا تجتمع الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب.
وعند التأمُّل في حياة الصحابة - ﵃ - وتعامل النبيِّ - ﷺ - معهم، يتَّضح ما ذكرناه بجلاءٍ، فمن الذي جهَّز جيش العسرة؟ ومن الذي حفر بئر رُومة؟ بل من الذي جهَّز النبيَّ - ﷺ - عندما أراد الهجرة؟ وكم نفع الله بأموال تجار الصحابة في قيام الدولة الإسلاميَّة! وكم نفع الله بأموال تجار المسلمين في هذا الزمان في قيام الدعوة، ودعم الجهاد وتجهيز المجاهدين في سبيل الله، وانتشار الخير في أنحاء العالم!
وممَّا يؤسف عليه أن بعض الناس يظنُّ أن من يسعى في جمع المال معدودٌ خارج دائرة الصالحين، بعيدٌ عن وصف الزهاد، مصنَّفٌ من أهل الدُّنيا بإطلاقٍ تصنيفًا بغيضًا!
وماذا أجدت هذه النظرة هؤلاء؟! إلا تأخُّرًا في مشاريع الخير،
[ ٧٨ ]
وعنتًا ومشقَّةً عند السعي في إقامة أيِّ مشروعٍ خيريٍّ، وتسوُّلًا مهذَّبًا عند أبواب التجار، فاضطرَّ هذا النوع من الناس إلى العودة إلى هؤلاء الذين سلبنا عنهم وصف الزهد والرغبة في الآخرة! والحمد لله أنَّ هذا الأمر ليس عامًّا، ولا شائعًا؛ لكنَّه موجودٌ (١).
وقد أبدع الإمام ابن الجوزيِّ ﵀ في حديثه عن هذه المسألة في فصولٍ متفرِّقةٍ من كتابه الماتع «صيد الخاطر».
• ومن مواعظ عبد الرحمن بن عوفٍ - ﵁ - العمليَّة (٢):
أنَّه لمَّا أتي بطعامٍ، وكان صائمًا، فقال:
«قتل مصعب بن عميرٍ وهو خيرٌ منِّي، وكفِّن في بردةٍ إن غطِّي رأسه بدت رجلاه، وإن غطِّي رجلاه بدا رأسه، وأراه قال: وقتل حمزة وهو خير منِّي، ثمَّ بسط لنا من الدُّنيا ما بسط، أو قال: أُعطينا من الدُّنيا ما أُعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجِّلت لنا، ثمَّ جعل يبكي حتى ترك الطعام».
هكذا هي القلوب الحيَّة! لا تنسيها النعمة عبادة الشكر والذِّكر والتَّفُّكر في الحال والمآل.
إنَّ عبد الرحمن بن عوفٍ - ﵁ - يضرب بهذا الموقف درسًا عمليًا لأرباب المال، الذين أحيا الله قلوبهم، فلم تُنسهم بسطة الرزق شكر المنعم، ولا تذكُّر ما سلف وما هم مقبلون عليه.
_________________
(١) انظر كلامًا قيِّما لابن الجوزي في كتابه القيم: «صيد الخاطر» (٢٨٣، ٢٨٦) حول هذه النقطة.
(٢) البخاري ح (٤٠٤٥).
[ ٧٩ ]
تأمَّل قوله: «وقد خشينا أن تكون حسناتنا- وفي روايةٍ: طيِّباتنا- عجِّلت لنا»، يقول هذا وهو المبشَّر بالجنة! يقول هذا وهو الذي أنفق في سبيل الله ما أنفق! يقوله وهو لا يشكُّ في وعد الله ورسوله .. لكنَّ المؤمن ما دام نفسه يتردَّد، فهو يطير بجناحي الخوف والرجاء، حتى إذا اقتربت ساعة الرحيل، غلَّب جانب الرجاء بربِّه الذي وفَّقه للخير، وأمدَّه بالخير، وأنعم عليه وبسط في رزقه.
وفي هذه القصة: «فضل الزهد، وأنَّ الفاضل في الدِّين ينبغي له أن يمتنع من التوسُّع في الدُّنيا؛ لئلا تنقص حسناته، وإلى ذلك أشار عبد الرحمن بقوله: خشينا أن تكون حسناتنا قد عجِّلت لنا» (١).
وفي هذه القصة تواضع عبد الرحمن بن عوفٍ، حيث ذكر مصعب بن عميرٍ، وقال: إنَّه خيرٌ منِّي، مع أنَّ ابن عوفٍ ممَّن شهد له النبي - ﷺ - بالجنة!
إنَّهم الكبار حقًّا! إذا ازداد فضل الله على أحدهم، ازداد تواضعًا لربِّه، ألا ترى كيف دخل النبيُّ - ﷺ - يوم فتح مكة متواضعًا، منكِّسًا رأسه لله تعالى، معترفًا بفضله؟ وها هو تلميذه عبد الرحمن بن عوفٍ يكرِّر المعنى ذاته.
رضي الله عن عبد الرحمن بن عوفٍ، وجمعنا به في دار كرامته، ومع سادة أوليائه الذين أنعم عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
_________________
(١) فتح الباري؛ لابن حجر (٧/ ٣٥٤).
[ ٨٠ ]