هناك أسباب كثيرة تؤدي إلى الألفة والمحبة، منها مواقف جادة وأفعال تثبت وتقوي الألفة في المجتمع المسلم فمنها:
١ - التعارف ومعاشرة الناس:
قال ﷺ: «الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» (١).
٢ - التواضع:
إن (خفض الْجنَاح ولين الْكَلِمَة وَترك الإغلاظ من أَسبَاب الألفة واجتماع الْكَلِمَة وانتظام الْأَمر وَلِهَذَا قيل من لانت كَلمته وَجَبت محبته وَحسنت أحدوثته وظمئت الْقُلُوب إِلَى لِقَائِه وتنافست فِي مودته) (٢).
قال ابن عثيمين: (وظيفة المسلم مع إخوانه، أن يكون هينًا لينًا بالقول وبالفعل؛ لأن هذا مما يوجب المودة والألفة بين الناس، وهذه الألفة والمودة أمرٌ مطلوب للشرع، ولهذا نهى النبي ﵊ عن كل ما يوجب العداوة والبغضاء) (٣).
٣ - إفشاء السلام:
قال ﷺ: «يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» (٤).
(قال الإمام الرازي: الحكمة في طلب السلام عند التلاقي والمكاتبة دون غيرهما أن تحية السلام طلبت عند ما ذكر لأنها أول أسباب الألفة ولا السلامة التي تضمنها السلام هي أقصى الأماني فتنبسط النفس عند الاطلاع عليه أي بسط وتتفاءل به أحسن فأل) (٥).
قال ابن عثيمين: (فهذه الحقوق التي بينها النبي ﷺ كلها إذا قام بها الناس بعضهم مع بعض، حصل بذلك الألفة والمودة وزال ما في القلوب والنفوس من الضغائن والأحقاد) (٦).
٤ - الكلام اللين:
فالكلام اللين والطيب من الأسباب التي تؤلف بين القلوب، قال تعالى: وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا [الإسراء: ٥٣].
٥ - التعفف عن سؤال الناس:
قال ﷺ: «وازهد فيما أيدي الناس يحبك الناس» (٧).
(السعي في مصالح الناس وقضاء حاجاتهم:
قال ﷺ: «من حفر ماءً لم تشرب منه كبد حري من جن ولا إنس ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة» (٨).
٦ - السعي للإصلاح بين الناس:
قال تعالى: فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ [الأنفال: ١].
٧ - الاهتمام بأمور المسلمين والإحساس بقضاياهم:
قال ﷺ: «المؤمنون كرجل واحد، إذا اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (٩).
٨ - زيارة المسلم وعيادته إذا مرض:
_________________
(١) رواه البخاري (٣٣٣٦)، ومسلم (٢٦٣٨).
(٢) انظر «التيسير بشرح الجامع الصغير» للمناوي (١/ ٤٣٤).
(٣) «شرح رياض الصالحين» لابن عثيمين (٢/ ٥٤٤).
(٤) رواه الترمذي (٢٤٨٥)، وابن ماجه (١٣٣٤) من حديث عبدالله بن سلام ﵁. وصححه الترمذي، وقال الحاكم (٣/ ١٤): صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وصححه البغوي في «شرح السنة» (٤/ ٤٠).
(٥) «فيض القدير» للمناوي (١/ ٤٣٧).
(٦) «شرح رياض الصالحين» لابن عثيمين (٢/ ٦٠٦).
(٧) رواه ابن ماجه (٤١٠٢)، والحاكم (٤/ ٣٤٨)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٦/ ١٩٣) من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁. وضعف إسناده البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٤/ ٢١٠)، وصححه السيوطي في «الجامع الصغير» (٩٦٠)، والألباني في «صحيح الجامع» (٩٢٢).
(٨) رواه ابن خزيمة (٢/ ٢٦٩) (١٢٩٢)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٣٣٢) من جابر بن عبد الله ﵄. وصححه الألباني في «صحيح الترغيب» (٢٧١).
(٩) رواه مسلم (٢٥٨٦).
[ ١ / ٧٩ ]
فزيارة المسلم لأخيه المسلم تبعث على الحب والإخاء ولا سيما عند المرض، قال ﷺ: «من عاد مريضًا أو زار أخًا له في الله، ناداه مناد بأن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلا» (١).
٩ - التهادي:
لا شك أن تقديم الهدية يزيد من الألفة والمحبة والتقارب بين المهدي والمهدى إليه، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «تهادوا تحابوا» (٢).
وقد حسر الماوردي أسباب الألفة على خمسة أسباب رئيسية: وهي: الدين والنسب والمصاهرة والمودة والبر، قال:
١ - (فأما الدين: وهو الأول من أسباب الألفة فلأنه يبعث على التناصر، ويمنع من التقاطع والتدابر. وبمثل ذلك وصى رسول الله - ﷺ - أصحابه، فروى سفيان عن الزهري عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» (٣).
وهذا وإن كان اجتماعهم في الدين يقتضيه فهو على وجه التحذير من تذكر تراث الجاهلية وإحن الضلالة. فقد بعث رسول الله - ﷺ - والعرب أشد تقاطعا وتعاديا، وأكثر اختلافا وتماديا، حتى إن بني الأب الواحد يتفرقون أحزابا فتثير بينهم بالتحزب والافتراق أحقاد الأعداء، وإحن البعداء
٢ - وأما النسب: وهو الثاني من أسباب الألفة فلأن تعاطف الأرحام حمية القرابة يبعثان على التناصر والألفة، ويمنعان من التخاذل والفرقة، أنفة من استعلاء الأباعد على الأقارب، وتوقيا من تسلط الغرباء الأجانب. وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن الرحم إذا تماست تعاطفت» (٤)
٣ - وأما المصاهرة: وهي الثالث من أسباب الألفة فلأنها استحداث مواصلة، وتمازج مناسبة، صدرا عن رغبة واختيار، وانعقدا على خير وإيثار، فاجتمع فيها أسباب الألفة ومواد المظاهرة. قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم: ٢١] يعني بالمودة المحبة، وبالرحمة الحنو والشفقة، وهما من أوكد أسباب الألفة
٤ - وأما المؤاخاة بالمودة، وهي الرابع من أسباب الألفة؛ لأنها تكسب بصادق الميل إخلاصا ومصافاة، ويحدث بخلوص المصافاة وفاء ومحاماة. وهذا أعلى مراتب الألفة، ولذلك آخى رسول الله - ﷺ - بين أصحابه؛ لتزيد ألفتهم، ويقوى تظافرهم وتناصرهم
٥ - وأما البر، وهو الخامس من أسباب الألفة فلأنه يوصل إلى القلوب ألطافا، ويثنيها محبة وانعطافا. ولذلك ندب الله تعالى إلى التعاون به وقرنه بالتقوى له فقال: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: ٢].
لأن في التقوى رضى الله تعالى، وفي البر رضى الناس. ومن جمع بين رضى الله تعالى ورضى الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته. وروى الأعمش عن خيثمة عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها» (٥).
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٠٠٨)، وابن ماجه (١٤٤٣) من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: غريب. وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٣٨٧).
(٢) رواه البخاري في «الأدب المفرد» (٥٩٤)، وأبو يعلى (١١/ ٩) (٦١٤٨)، والبيهقي (٦/ ١٦٩) (١١٧٢٦). قال العراقي في «تخريج الإحياء» (٢/ ٥٣): إسناده جيد، وحسن إسناده ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٣/ ١٠٤٧)، وحسنه محمد جار الله الصعدي في «النوافح العطرة» (١٠٨)، وقال السفاريني في «شرح كتاب الشهاب» (٤١٥): إسناده جيد، وقال الرباعي في «فتح الغفار» (٣/ ١٣١٧): [روي] بإسناد حسن، وحسنه الألباني في «صحيح الأدب المفرد».
(٣) رواه البخاري (٢٠٧٦) ومسلم (٢٥٥٨) بلفظ آخر.
(٤) «أدب الدنيا والدين» (١/ ١٤٩).
(٥) رواه أبو نعيم في «الحلية» (٤/ ١٢١). وضعفه السيوطي في «الجامع الصغير» (٣٥٨٠)، وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٦٢٥): موضوع مرفوعا وموقوفا.
[ ١ / ٨٠ ]