التأني مطلوب في جميع الأحوال والمواقف التي تمر على الإنسان ومن هذه الأحوال التي يتطلب فيها التأني:
١ - عند الذهاب إلى الصلاة:
فعن أبي قتادة ﵁ قال: «بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ سمع جلبة الرجال فلما صلى قال: ما شأنكم قالوا استعجلنا إلى الصلاة قال فلا تفعلوا إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» (١).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (٢).
ففي الحديثين نهي عن الاستعجال والإسراع لإدراك الصلاة والأمر بالتأني والسكينة في المجيء للصلاة والقيام لها (٣).
٢ - عند قراءة القرآن:
عن ابن عباس ﵄، قال: «كان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي حرك به لسانه - ووصف سفيان - يريد أن يحفظه فأنزل الله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: ١٦]» (٤).
٣ - التأني في طلب العلم:
قال تعالى: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: ١٦].
قال ابن القيم في هذه الآية: (ومن أسرارها – سورة القيامة - أنها تضمنت التأني والتثبت في تلقي العلم وأن لا يحمل السامع شدة محبته وحرصه وطلبه على مبادرة المعلم بالأخذ قبل فراغه من كلامه بل من آداب الرب التي أدب بها نبيه أمره بترك الاستعجال على تلقي الوحي بل يصبر إلى أن يفرغ جبريل من قراءته ثم يقرأه بعد فراغه عليه فهكذا ينبغي لطالب العلم ولسامعه أن يصبر على معلمه حتى يقضي كلامه) (٥).
٤ - التأني عند مواجهة العدو في ساحة القتال:
قال النعمان بن مقرن للمغيرة بن شعبة ﵃ في تأخير القتال يوم نهاوند: «ربما أشهدك الله مثلها مع النبي ﷺ، فلم يندمك، ولم يخزك، ولكني شهدت القتال مع رسول الله ﷺ كان إذا لم يقاتل في أول النهار، انتظر حتى تهب الأرواح، وتحضر الصلوات» (٦).
قال ابن حجر: (قوله فلم يندمك أي على التأني والصبر حتى تزول الشمس) (٧).
وقال الشافعي ﵀: (لا ينبغي أن يولي الإمام الغزو إلا ثقة في دينه، شجاعا ببدنه، حسن الأناة، عاقلا للحرب بصيرا بها، غير عجل ولا نزق، ويتقدم إليه أن لا يحمل المسلمين على مهلكة بحال) (٨).
٥ - التأني في الإنكار في الأمور المحتملة:
فعن أبي ابن كعب ﵁ عن النبي ﷺ - في قصة موسى والخضر ﵉ وفيه-: «فعمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة، فنزعه، فقال موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ قال: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا؟ قال: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا» (٩).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٣٥).
(٢) رواه البخاري (٦٣٦).
(٣) انظر: «فتح الباري شرح صحيح البخاري»،لابن حجر (٢/ ١١٨)، «عمدة القاري شرح صحيح البخاري»، لبدر الدين العيني (٥/ ١٥٠)
(٤) رواه البخاري (٤٩٢٧).
(٥) «التبيان في أقسام القرآن» لابن القيم (١/ ١٥٩)
(٦) رواه البخاري (٣١٦٠).
(٧) «فتح الباري شرح صحيح البخاري» لابن حجر (٦/ ٢٥٦)
(٨) «السنن الكبرى» للبيهقي (٩/ ٧٠)
(٩) رواه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠)، واللفظ للبخاري.
[ ١ / ١١٩ ]
قال ابن حجر: (إن الذي فعله الخضر ليس في شيء منه ما يناقض الشرع فإن نقض لوح من ألواح السفينة لدفع الظالم عن غصبها ثم إذا تركها أعيد اللوح جائز شرعا وعقلا ولكن مبادرة موسى بالإنكار بحسب الظاهر وقد وقع ذلك واضحا في رواية أبي إسحاق التي أخرجها مسلم ولفظه فإذا جاء الذي يسخرها فوجدها منخرقة تجاوزها فأصلحها فيستفاد منه وجوب التأني عن الإنكار في المحتملات) (١).
٦ - التأني في التحدث مع الآخرين:
عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «إن النبي ﷺ كان يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه» (٢). وفي لفظ: «إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم» (٣).
قال بدر الدين العيني: (لم يكن يسرد أي: لم يكن يتابع الحديث استعجالا، أي: كان يتكلم بكلام متتابع مفهوم واضح على سبيل التأني لئلا يلتبس على المستمع) (٤).
٧ - عند الفصل في المنازعات وإنزال العقوبات:
ففي قصة أمير المؤمنين عمر في قضائه بين علي بن أبي طالب والعباس ﵄ في فيء الرسول ﷺ من بني النضير قال لهما عمر ﵁: (اتئدوا) (٥).
قال ابن حجر: (قوله اتئدوا المراد التأني والرزانة) (٦).
وقال أبو عثمان بن الحداد: (القاضي شأنه الأناة والتثبيت ومن تأنى وتثبت تهيأ له من الصواب ما لا يتهيأ لصاحب البديهة) (٧).
وقال مالك بن أنس: (العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخرق، قال: وكان يقال: التأني من الله والعجلة من الشيطان) (٨).
وقال الأصفهاني: (قال بعضهم: ينبغي للسلطان أن يؤخر العقوبة حتى ينقضي سلطان غضبه، ويعجل مكافأة المحسن، ويستعمل الأناة فيما يحدث، ففي تأخير العقوبة إمكان العفو إن أحب ذلك، وفي تعجيل المكافأة بالإحسان مسارعة الأولياء إلى الطاعة) (٩).
أسباب الوقوع في عدم التأني
١ - الغضب والحزن الشديد:
روى ابن عباس عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵃ في قصة اعتزال النبي ﷺ نساءه وفيه: «اعتزل النبي ﷺ أزواجه فقلت: خابت حفصة وخسرت فخرجت فجئت إلى المنبر، فإذا حوله رهط يبكي بعضهم، فجلست معهم قليلا، ثم غلبني ما أجد، فجئت المشربة التي فيها النبي ﷺ، فقلت لغلام له أسود: استأذن لعمر» (١٠).
قال ابن حجر: (الغضب والحزن يحمل الرجل الوقور على ترك التأني المألوف منه لقول عمر ثم غلبني ما أجد ثلاث مرات) (١١).
وقال ابن الجوزي: (أشد الناس تفريطا من عمل مبادرة في واقعة، من غير تثبت ولا استشارة، خصوصا فيما يوجبه الغضب، فإنه طلب الهلاك أو الندم العظيم. وكم مَن غَضب فقتل، وضرب، ثم لما سكن غضبه؛ بقي طول دهره في الحزن والبكاء والندم! والغالب في القاتل أنه يقتل، فتفوته الدنيا والآخرة) (١٢).
٢ - استعجال نتائج الأمور:
٣ - التفريط:
وذلك إذا فرط المرء فيما ينبغي عليه القيام به فإنه يضطر للقيام به على وجه السرعة والعجلة حتى يتدارك الأمر فيسبب له نتائج سلبية.
_________________
(١) «فتح الباري شرح صحيح البخاري» لابن حجر (١/ ٢٢٢)
(٢) رواه البخاري (٣٥٦٧)، ومسلم (٢٤٩٣).
(٣) رواه البخاري (٣٥٦٨)، ومسلم (٢٤٩٣).
(٤) «عمدة القاري شرح صحيح البخاري» لبدر الدين العيني (١٦/ ١١٥)
(٥) رواه البخاري (٤٠٣٣).
(٦) «فتح الباري شرح صحيح البخاري» لابن حجر (١/ ٩١)
(٧) «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر (٢/ ١١٢٧)
(٨) «إعلام الموقعين» لابن القيم (٢/ ١٢٨)
(٩) «الذريعة إلي مكارم الشريعة» للراغب الأصفهاني (١/ ٢٤٢)
(١٠) رواه البخاري (٥١٩١).
(١١) «فتح الباري شرح صحيح البخاري» لابن حجر (٩/ ٢٧٩) والحديث أخرجه البخاري (٥١٩١).
(١٢) «صيد الخاطر» لابن الجوزي (١/ ٣٨٥).
[ ١ / ١٢٠ ]
٤ - إجابة داعي الشهوات:
وقد يكون في إجابته الهلاك فكم من شهوة أورثت حزنا وندامة.
٥ - ترك استشارة ذوي الخبرة في أمور يجهلها:
وهذا الجهل يجعل الإنسان لا يحسن التعامل مع الأمور، فربما يعجل فيما حقه التأني، أو يتأني فيما حقه التعجل، وهكذا.
الوسائل المعينة على اكتساب صفة التأني
١ - الدعاء:
كان النبي ﷺ يدعو الله بأن يهديه إلى أحسن الأخلاق فكان من دعائه: «واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت» (١).
٢ - النظر في عواقب الاستعجال:
قال أبو إسحاق القيرواني: (قال بعض الحكماء: إياك والعجلة فإنّ العرب كانت تكنيها أم الندامة؛ لأنّ صاحبها يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أن يفكّر، ويقطع قبل أن يقدّر، ويحمد قبل أن يجرّب، ويذمّ قبل أن يخبر، ولن يصحب هذه الصفة أحد إلّا صحب الندامة، واعتزل السلامة) (٢).
٣ - معرفة معاني أسماء الله وصفاته:
فمن أسمائه سبحانه الحليم والرفيق ومن معانيهما التأني في الأمور والتدرج فيها، وترك التعجل في أخذ الظالمين واختبارا لصدق من انتسب للإيمان وذلك إقامة للحجة وقطع للمحاجة وليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة. (٣).
قال تعالى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [يونس: ١١].
٤ - قراءة سيرة النبي ﷺ:
فنستفيد من سنته ﷺ التأني والصبر على الإيذاء، قال خباب بن الأرت ﵁: «شكونا إلى رسول الله ﷺ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» (٤).
٥ - قراءة سيرة السلف الصالح:
سيرة سلفنا الصالح نجد فيها تحليهم بخلق التأني والتريث في أمورهم فقراءة سيرتهم فيها دروس وعبر.
٦ - استشارة أهل الصلاح والخبرة:
إذا أقدم الشخص على أمر يجهله فعليه أن يستشير أهل الصلاح والخبرة ولا يتعجل في أمره، قال تعالى لنبيه ﷺ: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: ١٥٩].
قال الماوردي: (الحزم لكل ذي لب أن لا يبرم أمرا ولا يمضي عزما إلا بمشورة ذي الرأي الناصح، ومطالعة ذي العقل الراجح. فإن الله تعالى أمر بالمشورة نبيه - ﷺ - مع ما تكفل به من إرشاده، ووعد به من تأييده، فقال تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ .. وقال الحسن البصري - رحمه الله تعالى -: أمره بمشاورتهم ليستن به المسلمون ويتبعه فيها المؤمنون وإن كان عن مشورتهم غنيا) (٥).
نماذج في التأني
نماذج من تأني الأنبياء والمرسلين ﵈
نبي الله يوسف ﵇:
_________________
(١) رواه مسلم (٧٧١).
(٢) «زهر الآداب وثمر الألباب» لأبي إسحاق القيرواني (٤/ ٩٤٢).
(٣) انظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٦/ ٥٥٧)، «صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة» لعلوي السقاف (١/ ١٣٩، ١٨٠).
(٤) رواه البخاري (٣٦١٢).
(٥) «أدب الدنيا والدين» للماوردي (١/ ٣٠٠).
[ ١ / ١٢١ ]
تأنى نبي الله يوسف ﵊ من الخروج من السجن حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته، ونزاهة عرضه، وامتنع عن المبادرة إلى الخروج ولم يستعجل في ذلك.
قال تعالى: وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٠].
قال ابن عطية: (هذا الفعل من يوسف ﵇ أناة وصبرا وطلبا لبراءة الساحة) (١)
نماذج للتأني من سير الصحابة ﵃
- تأني أبي ذر الغفاري في قصة إسلامه:
قال ابن عباس: (لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ بمكة قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء، فاسمع من قوله ثم ائتني، فانطلق الآخر حتى قدم مكة، وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاما ما هو بالشعر، فقال: ما شفيتني فيما أردت فتزود وحمل شنة له، فيها ماء حتى قدم مكة، فأتى المسجد فالتمس النبي ﷺ ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، حتى أدركه - يعني الليل - فاضطجع، فرآه علي فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، فظل ذلك اليوم، ولا يرى النبي ﷺ، حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمر به علي، فقال: ما آن للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه، فذهب به معه، ولا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان يوم الثالث فعل مثل ذلك، فأقامه علي معه، ثم قال له: ألا تحدثني؟ ما الذي أقدمك هذا البلد؟ قال: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدني، فعلت، ففعل. فأخبره فقال: فإنه حق وهو رسول الله ﷺ، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك، قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي، ففعل، فانطلق يقفوه، حتى دخل على النبي ﷺ ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه) (٢).
فنجد في هذه القصة أن أبا ذر ﵁ لم يظهر ما يريده حتى يتحصل على بغيته وقد تأنى ﵁ في البحث عن النبي ﷺ والسؤال عنه حتى لا تعلم به قريش وتثنيه عن هدفه الذي من أجله تحمل المشاق والمتاعب.
_________________
(١) «المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» لابن عطية (٣/ ٢٥٢)
(٢) رواه مسلم (٢٤٧٤).
[ ١ / ١٢٢ ]