تقوية إرادة الإنسان، وتمرين النفس على فعل الخير وترك الشر، حتى
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥/ ٧٥، ٨/ ٨٧ - فتح)، ومسلم (١٧٦٤) في كتاب الجهاد.
[ ٤٤ ]
تصبح سجية في النفس نحو الفضيلة حتى تتحقق السعادة، ولكن كم من الناس عن سعادتهم غافلون! وقد يحرمون نفوسهم من خير كثير بسبب قلة أدبهم.
قال العلامة ابن القيم ﵀: "وانظر قلة أدب عوف مع خالد: كيف حرمه السَّلَب بعد أن بَرَد بيديه؟ " (١).
أي عندما غضب عوف ولم يملك نفسه، حرم الخير.
عن عوف بن مالك، قال: قَتَلَ رَجُلٌ مِن حِميَرَ رَجُلًا مِنَ العَدوِّ، فأَرَادَ سَلَبَهُ، فَمَنَعَهُ خَالِدُ بنُ الوليدِ، وَكَانَ وَالِيًا عَلَيهِم، فَأتَى رسُولَ اللهِ - ﷺ - عَوفُ بنُ مَالِكٍ، فَأخبَرَهُ، فقال لِخَالِدٍ: "مَا مَنَعَكَ أَن تُعطِيَهُ سَلَبَهُ؟ " قال: استَكثَرتُهُ، يَا رَسُولَ اللهِ! قال: "ادفَعهُ إلَيهِ"، فَمَرَّ خَالِدٌ بِعَوفٍ فَجَرَّ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قال: هَلْ أَنجَزتُ لَكَ مَا ذَكَرتُ لَكَ مِن رَسُولِ اللهِ؟ فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَاستُغضِبَ. فقال: "لَا تُعطِهِ يَا خَالِدُ، لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ، هَلْ أَنتُم تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي؟ إنَّمَا مَثَلُكُم وَمَثَلُهُم كَمَثَلِ رَجُلٍ استُرعىَ إِبِلًا أَو غَنَمًا فَرَعَاهَا، ثُمَّ تَحَيَّنَ سَقْيَهَا، فَأوَردَهَا حَوْضًا، فشَرَعَت فِيهِ فشَرِبَت صَفوَهُ وَتَرَكَتْ كَدرَهُ، فَصَفوُهُ لَكُم وَكَدرُهُ عَلَيهِم" (٢).
ما أجمل الأدب بالأفعال! وهكذا يصنع العقلاء، فقد خاصم رجل الأحنف فقال الرجل: لئن قلتَ واحدة لتسمعنَّ عشرًا، فقال الأحنف: لكنَّك إن قلتَ عشرًا، لم تسمع واحدة (٣).
_________________
(١) "مدارج السالكين" (٢/ ٣٦٩).
(٢) أخرجه مسلم (١٧٥٣) في كتاب الجهاد، باب: استحقاق القاتل سلب القتيل.
(٣) "سير أعلام النبلاء" (٤/ ٩٣).
[ ٤٥ ]
فالواجب على العاقل أن يحرص على تقوية أرادته، ويؤدب نفسه على الأخلاق الحسنة، ويحملها على العدل، ولا يكن أول الظالمين لها.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر: ٣٢].
فالظالم لنفسه هو المقصر في عمله تجاه ربه الذي أحسن إليه، أو نبيه، أو أحدًا ممن يجب عليه بره، والمقتصد هو العامل في أغلب الأوقات، وأما السابق بالخيرات فهو العامل والمعلم لغيره والمجاهد لدينه.
فالواجب أن يكون لنفسه من أعدل الناس، فمن عدل مع نفسه، فهو العاقل السابق بالخيرات، ومن دساها فهو الظالم لنفسه.
قال الماوردي: "فأَمَّا عدلُهُ في نفسهِ فيكُونُ بحملها على المصالح، وكفَّها عن القبائحِ، ثُمَّ بالوُقُوفِ فِي أَحوالها على أَعدل الأمرين من تجاوُزِ أَو تقصيرِ. فإِنَّ التجاوُزَ فيها جورٌ، والتقصيرَ فيها ظُلمٌ، ومن ظلم نفسهُ فهو لغيره أَظلمُ، ومن جار عليها فهو على غيرهِ أَجوَرُ" (١).
ولهذا قال بعض الحُكماء: لا ينبغي للعاقلِ أَن يطْلُبَ طاعة غيره، ونفسهُ مُمتنعةً عليه.
_________________
(١) "أدب الدنيا والدين" (٢٢٦).
[ ٤٦ ]