إنَّ الحمدَ لله، نحمده ونَستعينُه ونَستغفرُه، ونعوذُ بالله من شُرورِ أنفُسِنا، ومن سَيئاتِ أعمالِنا، من يهدهِ الله فلا مُضلَّ لهُ، ومن يُضلل فلا هادي لَهُ.
وأشهدُ أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله - ﷺ -، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فقد قال رسول الله - ﷺ -: "إنّما بُعثتُ لأتمِّم صالحَ الأخلاق". وفي رواية: "مكارم" (١).
وفعلًا تمّت بإذْن الله تعالى، إذْ رَبَّى جِيلًا فاق الأمم في كل مجال، وغيَّر ملامح التاريخ، وجعلَ ذلك التاريخ يستدير ليُسطر آيات الحق ومسيرة النور الذى بدَّد الظلام والظلمات، وجاء فَيَّاضًا بِالخَيْرِ صَداعًا بالحقِّ طافِحًا بالخُلُقِ الكريم، وقد أتى منَاسِبًا لكل أمَّة، مجتازًا حدود الزَّمان والمكان؛ ليكون حلًاّ لكل ظرف ولأيِّ ظرفٍ مهما كان، وأيًّا كان، وقد سعَدت أُمَّتنا بهذا النُّور العظيم الذي منحها الهوية والكرامة.
وإنَّ الناظر في هذا الدِّين العظيم ليَعرفُ حقَّ المعرفة أنَّه وُجِدَ للبشرية
_________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٢٧٣)، وأحمد (٢/ ٣٨١)، وغيرهما عن أبي هريرة، وصححه الألباني في "الصحيحة" (٤٥).
[ ٥ ]
جَمْعَاء، ولا حياة كريمة لها بدونه، ونستَغْرب كيف يَحْيا الآخَرُون الذين حَرَمُوا أنفسهم الهدايةَ تَعَصُّبًا وضَلالًا وجَهْلًا؟! ولكن الجواب يَأتينا سَريعًا من كتاب الله الكريم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].
ومن أهم ما يُمَيّز الإنسان المسلم صورة تعَامُله مع الله سبحانه، ومع إخْوانهِ في الدين، ومع غيرهم، فإن أحسن، أرضى ربَّه ورضي عن نفسه، وأعطى صورة رائعة للآخرين عن هذا الدين، وعن معتقديه، فكأنه دعا بلسان الحال وليس بلسان المقال إلى دينه دعوة أبلغ وأوصل إلى القلب والعقل معًا.
وقد بدا انعكاس الصور السلوكية الرائعة في تأثيرها في انتشار هذا الدين في بعض المناطق التي لم يصلها الفتح الإسلامي؛ إذ دخل في هذا الدين الحنيف شعوب بكاملها لمَّا رأوا القدوة الحسنة مرتسمة خُلُقًا حميدًا يُنيرُ طريقهُ لنفسه بِمصبَاحه، فيرى الآخرون ذلك النور، ويرون به، وبناء على ذلك الإقبال سريعًا دون دافع سوى القدوة الحسنة، فَرُب صفة واحدة مما يأْمر به الدين تُتَرجَمُ حية على يد مسلم صالحٍ، يكون لها أثرٌ لا يمكن مقارنته بنتائج الوعظ المباشرة؛ لأن النفوس قد تَنْفَر من الكلام الذي تَتَصوَّر أن للناطق بهِ مصْلَحة، وأحسن تلك الصفات التَّمسك بِالأخلاق الحميدة التي هي أول ما يُرى من الإنسان المسلم، ومن خِلالِها يُحْكَمُ له أوْ عَلَيه من الله، ثم مِن قِبَلِ النَّاس.
ونظرًا؛ لما لهذا الأمر من أهمية، وحرصًا مني على الإسهام في التأكيد
[ ٦ ]
على الالتزام بالأخلاق لكل إنسان مسلم، وغيرةً على أخلاق الأمة في هذه الأيام التي لَوَت أعناقَ الأخلاق الإسلامية، أو مسختها أو قتلتها، واتبعت صرعات من شرق وغرّب، متخذةً منهم القدوة، وتحت تأثير النجَاحَات المادِّية التي حققتها الأمم غير الإسلامية، والهجمات المحمومة التي ما انفك الأعداء يُوالُونَها في كل حين، قاصدين إطفَاء هذا النُّور، وتدْجِين المسلمين، علمًا بأنَّ كل ما يقترفونه بحق هذه الأمة يَجْري في خطِّ مدروس، تَضَافَرت على إنجاحه أحقاد اليهود، والصليبية، وغيرهم، وبعد أن عَجَزوُا عن تدْمِيرِ الإسلام وأهله في ميادين الحروب، حوَّلُوا الأمر إلى حرْبِ أَخْلاقِية تجرد شبابنا من كلِّ القيم، ولن يفلحوا ما دَامَ في هذه الأمة رجالْ مُخْلِصُون، يُنَافحُونَ عن هذا الدِّين في كل مجال.
وياللأسف فإننا نجد في هذا الزمان المتأخِّر أقوامًا ادعوا التَّمكُن ورجَاحة العقل، غير أنَّهم إلى الشهوات والشُّبُهات يَركُضُون، ومع النِّفاق وسُوء الأَخلاق يَجْرونَ.
وهم بذلك يخالفون حتى مسمى العقل، فما سُمي العقلُ عقلًا إلا أنه يَمْنَعُ الإنْسَانَ مِنْ الإِقْدَامِ عَلَى شَهَوَاتِهِ إذَا قَبُحَتْ، ويلزمه صراط الله المستقيم، والعاقل مَنْ عَقَلَ عَنْ اللهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وتمسّك بشرعه.
قال العلامة ابن قيم الجَوْزية ﵀:
"وحياة العقل: هي صحة الإدراك، وقوة الفهم وجودته، وتحقق الانتفاع بالشيء أو التضرر به، وهو نور يخص الله به من يشاء من خلقه، وبحسب تفاوت الناس في قوة ذلك النور وضعفه، ووجوده وعدمه، يقع
[ ٧ ]
تفاوت أذهانهم وأفهامهم وإدراكاتهم، ونسبته إلى القلب كنسبة النور الباصر إلى العين" (١).
قال أبو حاتم:
"نبغ أقوامٌ يدَّعُون التَّمكن من العَقْل باستِعمال ضِدّ ما يُوجبُ العقل من شهَواتِ صُدُورهم، وَترْك ما يُوجِبُه نَفْسُ العقل بهجَمَات قُلُوبِهِم، جَعَلُوا أسَاسَ العقل الذي يَعقدُون عليه عند المعضلات: النِّفاق والمُدَاهَنَة، وفُرُوعه عند ورُود النائِبَات حُسنَ اللباس والفَصَاحَة، وزَعَمُوا أن من أَحْكَم هذه الأشيَاء الأرْبع فهو العاقل! " (٢).