وعن ابن مسعود - ﵁ - أنه ارتقى الصفا، فأخذ بلسانه فقال: يا لسان قل خيرًا تغنم، واسكت عن شرِ تسلم، من قبل أن تندم. ثم قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " أكَثَرُ خَطَايَا ابنِ آدمَ فِي لِسَانِهِ" (٣).
وقال مالك بن دينار ﵀: "رحم الله عبدًا قال لنفسه النفيسة: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله،
_________________
(١) "مدارج السالكين" (١/ ١٨٧).
(٢) "تفسير ابن كثير" (٨/ ٣٠١).
(٣) صحيح. أخرجه الطبراني (٢٤٣/ ١٠)، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" (٢٨٧٢).
[ ١٠٠ ]
فكان لها قائدًا" (١).
وقال الحسن البصري ﵀: "لا تلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه: ماذا أردت بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والعاجز يمضي قدمًا لا يعاتب نفسه" (٢).
فلوم النفس وتأنيبها هذه هي حكمة القلب، وما يسمى بتأنيب الضمير، وهذا ينبغي إحياؤه، فعلى الإنسان إذا وقع بعمل سوء أن يشعر بإحساس داخلي أنه قد أساء، وأنه قد أخطأ ويلوم نفسه هذا اللوم القلبي يدفعه إلى كراهيه هذا الخلق السيء، فهو دائم المحاسبة قبل العمل وبعده فهو بين محاسبتين.
قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: "حَاسِبُوا أَنفُسَكُم قَبلَ أَن تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنفُسَكُم قَبلَ أَن تُوزَنُوا" (٣).
وقال ابن أبي مُلَيكَةَ: "أدركتُ ثَلاثِينَ مِن أصحابِ النبي - ﷺ - كلُّهم يخافُ النِّفاقَ على نَفسِهِ" (٤).
فمحاسبة النفس أمر ضروري، وهذا اللوم والندم جزء من التوبة، بل
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس" (٣٨)، وينظر "إغاثة اللهفان" (١/ ١٥٧).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس" (٣٤).
(٣) سنده جيد. أخرجه أحمد في الزهد (٦٣١)، وابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس" (٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٥٢).
(٤) أخرجه البخاري في الإيمان (١٠٩/ ١ - الفتح) تعليقًا بصيغة الجزم، وساق سنده في "التاريخ الكبير" (١٣٧/ ٥) ترجمة رقم (٤١٢)، ووصله الحافظ ابن حجر في "تغليق التعليق" (٥٢/ ٢).
[ ١٠١ ]
توبة كما جاء في الحديث: "النَّدمُ تَوبةٌ" (١).
وهذا اللوم هو الندم، وهو أحد شرائط التوبة، ومحركات القلوب، فهو من الإيمان.
وعن أبي أمامة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إِذا سَرَّتَكَ حَسَنَتُكَ وَساءَتكَ سَيئَتُكَ، فَأنتَ مُؤمِن" (٢).
قال الناظم:
عجبت لمن يبكي على موت غيره دموعًا ولا يبكي على موته دما
وأعجبُ من ذا أن يرى عيب غيره عظيمًا وفي عينيه عن عيبه عمى