الصبر لغة:
الحبس والكف، يقال: صبرت نفسي على ذلك الأمر أي: حبستها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨].
أما في الاصطلاح:
"هو حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عما يقتضيان حبسها عنه" (١).
فالصبر حبس النفس عن الجزع والتسخط، والشكوى، وعن تشويش الجوارح، وهو أنواع ثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله تعالى، وصبر على قضاء الله وقدره في البلاء.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
_________________
(١) "المفردات" (٢٧٣) للراغب.
[ ٧٥ ]
فالصبر أحد الأركان الأساسية التي يقوم عليها الخلق الحسن، والصبر يربي المرء على الاحتمال، وكظم الغيظ، وكف الأذى، والحلم، والأناة، والرفق، وترك الطيش والعجلة.
قال ابن قيم الجوزية ﵀: "حسن الخلق يقوم على أربعة أركان، لا يتصور قيام ساقه إلا عليها: الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل" (١).
وقال: "وهو على ثلاثة أنواع: صبر بالله، وصبر لله، وصبر مع الله.
فالأول: صبر الاستعانة به، ورؤيته أنه هو المُصَبِّر، وأن صبر العبد بربه لا بنفسه كما قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧].
والثاني: الصبر لله، وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله، وإرادة وجهه، والتقرب إليه لا لإظهار قوة النفس، والاستحماد إلى الخلق.
الثالث: الصبر مع الله، وهو دوران العبد مع مراد الله الديني منه، ومع أحكامه الدينية. صابرًا نفسه معها، سائرًا بسيرها .. أين ما توجهت ركائبها" (٢).
"والشكوى إلى الله ﷿ لا تنافي الصبر، فإن يعقوب ﵇ قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦].
إنما ينافي الصبر شكوى الله، لا الشكوى إلى الله" (٣) كما هو حال بعض المسيئين الأدب في شكواهم وتسخطهم من قضاء الله وقدره، فالله المستعان.
_________________
(١) "مدارج السالكين" (٢/ ٢٩٤).
(٢) "مدارج السالكين" (٢/ ١٥٦).
(٣) "مدارج السالكين" (٢/ ١٦٠) بتصرف.
[ ٧٦ ]
وقال الماوردي: "وليس لمن قل صبرُه على طاعة الله تعالى حظٌّ من بِرّ، ولا نصيبٌ من صلاح، ومن لم يَرَ لنفسه صبرًا، يكسبها ثوابًا، ويدفع عنها عقابًا، كان مع سوء الاختيار بعيدًا من الرشاد، حقيقًا بالضلال" (١).
وعلى العاقل احتساب الأجر عند الله ﷿، فهذا الأمر من أعظم ما يعين على اكتساب الأخلاق الفاضلة، وتحمل أذى الناس؛ فإذا أيقن المسلم أن الله سيجزيه على حسن خلقه ومجاهدته؛ سيهون عليه ما يلقاه في ذلك السبيل؛ قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦].
وقال سبحانه: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾ [الإنسان: ١٢].