١ - صدق النية:
في يوم اليمامة أغلقت بنو حنيفة -أنصار مسيلمة الكذاب- الباب عليهم، وأحاط بهم الصحابة، فقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة فاحتملوه على ترس على أسنة رماحهم، فاقتحم عليهم الحديقة وشد عليهم وقاتل حتى فتح باب الحديقة، فجرح يومئذ بضعة وثمانين جرحًا، ولذلك قام عليه خالد بن الوليد شهرًا يداوي جرحه.
شهيد ثار الكون من أجله:
عن أبي هريرة - ﵁قال: أرسل رسول الله - ﷺ - سرية وأمر عليهم عاصم بن ثابت -وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب- فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فتبعوهم بقريب من مائة رام فاقتفوا آثارهم حتى أتوا منزلا نزلوه، فوجدوا فيه نوي تمر من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصم وأصحابه جاء القوم فأحاطوا بهم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلًا، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصمًا في سبعة نفر بالنبل وبعثت قريش إلى عاصم ليأتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل منهم عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء، وفي رواية ابن إسحاق: كان عاصم بن ثابت أعطى لله عهدًا ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا أبدا، فكان عمر يقول لما بلغه الخبر: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما حفظه في الدنيا.
[ ١ / ٤١ ]
يقول ابن الجوزي: عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح له من اسمه نصيب، عصمه ربه وثبته فأفلح، حفظ الله فحفظه الله، ثار الكون كله من أجله يوم استشهد؛ الدبابير خرجت نهارًا تحميه، والسيل انهمر ليلًا يفديه، فما استطاع أحد من الشركين مس شعرة منه، غاظ عاصم أعداءه، لأنه في الأصل فاعل ليس مفعولًا به، والفاعل دائمًا مرفوع لا يكسره شيء.
ذو الجناحين
جعفر بن أبي طالب - ﵁ - أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فآتاه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء، ويقال: إن رجلًا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين.
صدق مع الله فأعطاه جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء.
ما لي أراك تكرهين الجنة؟
في غزة مؤتة لما رأى المسلمون كثرة الأعداء قالوا: نكتب إلى رسول الله - ﷺ - فنخبره بعدد عدونا؛ فإما أن يمدنا وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له، فشجع عبد الله بن رواحة - ﵁ - قومه وقال: يا قوم إن الذي تكرهون للذي خرجتم له تطلبون .. الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما الظهور، وإما الشهادة. وبعد مقتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب - ﵄- قال عبد الله بن رواحة لنفسه وقد تردد:
أقسمت يا نفس لتنزلنه طائعة أو لتكرهنه
ما لي أراك تكرهين الجنة إن أجلب الناس وشدوا الرنة
لطالما كنت مطمئنة هل أنت إلا نطفة في شنة
ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قُتل.
صدق الله فصدقه
عن شداد بن الهادي: أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي - ﷺ - فآمن به واتبعه ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي - ﷺ - بعض أصحابه، فلما كانت غزاة غنم النبي - ﷺ -
[ ١ / ٤٢ ]
سبيًا فقسم وقسم له، فأوصى أصحابه ما يقسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه فأخذه فجاء به النبي - ﷺ - فقال: ما هذا؟ قال: "قسمت لك"، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمي إلى ها هنا، وأشار إلى حلقه، فأموت فأدخل الجنة، فقال:"إن تصدق الله يصدقك"، فلبثوا قليلًا فأُتي به النبي - ﷺ - يحُمل قد أصابه سهم حيث أشار فقال النبي - ﷺ -: أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: "صدق الله فصدقه الله" ثم كفنه النبي - ﷺ - في جبته ثم قدمه فصلى عليه فكان مما ظهر من صلاته: "اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك فقتل شهيدًا أنا شهيد على ذلك" [رواه النسائي].
كل منا يتمنى الشهادة، ولكن الله لن يرزق أحدًا هذا المنزلة إلا إذا كان صادقًا في طلبها، وعمل من أجلها.
٢ - صدق الإيمان
يقول خيثمة -وكان ابنه قد استشهد يوم بدر-: لقد أخطأتني وقعة بدر وكنت والله عليها حريصًا حتى ساهمت ابني في الخروج، فخرج سهمه فرُزق الشهادة، وقد رأيت البارحة ابني في النوم في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها يقول: الحق بنا ترافقنا في الجنة، وقد كبرت سني، ورق عظمي، وأحببت لقاء ربي، فادع الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة ومرافقة سعد في الجنة، فدعا له رسول الله - ﷺ - بذلك فقتل بأحد شهيدًا.
اختبار صعب
كان ملك الروم يسمع عن صدق الصحابة، فوقع عبد الله بن حذافة السهمي - ﵁ - أسيرًا فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد فأراد أن يختبره فقال: هل لك أن تتنصر وأعطيك نصف مالي؟ قال: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملك العرب ما رجعت عن دين محمد طرفة عين، قال: إذًا أقتلك، قال: أنت وذاك. فأُمر به فصُلب، وقال للرماة: ارموه قريبًا من بدنه، وهو يعرض عليه ويأبى، فأنزله ودعا بقدر فصب فيه ماء حتى احترقت، ودعا بأسيرين فأمر بأحدهما فألقي فيها وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى، ثم بكى عبد الله فقيل للملك: إنه بكى، فظن أنه قد جزع فقال: ردوه، وقال له: ما أبكاك؟ قال: هي نفس واحدة تلقى الساعة فتذهب، فكنت أشتهي أن
[ ١ / ٤٣ ]
يكون بعدد شعري أنفس تلقى في النار في الله، فقال له الطاغية: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك، فقال له عبد الله: وعن جميع الأساري؟ قال: نعم، فقبل رأسه وقدم بالأسارى على عمر فأخبره خبره، فقال عمر: حق على كل مسلم أن يقبل رأس ابن حذافة، وأنا أبدأ، فقبل رأسه.
إنه صدق في الإيمان لا يتزعزع في الشدائد، ولا يلين للمغريات، ولا تفتنه الدنيا، ولا ينشغل بها عن دينه ودعوته، فليحذر كل مسلم مغريات وشهوات الدنيا.
٣ - صدق العمل
في معركة نهاوند في عهد سيدنا عمر بن الخطاب - ﵁ - جاء السائب بن الأقرع إلى سيدنا عمر بخمس الغنائم فقال له عمر: ما وراءك يا سائب؟ قال: خيرًا يا أمير المؤمنين، فتح الله عليك بأعظم الفتح، استشهد النعمان بن مقرن، فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون ثم بكى عمر ثم قال: ومن؟ قال: فلان وفلان حتى عد له أناسًا كثيرين، ثم قال السائب: والله يا أمير المؤمنين أصيب أناس لا تعرفهم فقال عمر وهو يبكي: المستضعفون من المسلمين لا يضرهم ألا يعرفهم عمر، لكن الذي أكرمهم بالشهادة يعرفهم.
أخي الحبيب لا تهتم بمعرفة الناس لك، ولا تسع إلى الشهرة وتكفيك معرفة الله لك.
٤ - صدق اللسان
كان رسول الله - ﷺ - يقدس الكلمة التي يقولها وذلك إشارة إلى الرجولة الكاملة، فعن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت رسول الله ببيع قبل أن يبعث، فبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاثة فجئت فإذا هو في مكانه فقال: "يا فتى لقد شققت عليَّ! أنا ها هنا منذ ثلاث أنتظرك" [رواه أبو داود] وكان يأتي في الموعد المضروب بينهما.
فإذا أعطيت موعدًا فلابد أن تكون صادقًا في الالتزام به حفاظًا على أوقات الآخرين ولا تعتذر إلا لضرورة ويكون الاعتذار مسبقًا.
[ ١ / ٤٤ ]