لقد أثبتت الأيام أننا في حاجة إلى إخلاص الأعمال لله ﵎، وكان صحابة الني - ﷺ - يحرصون على إخلاص أعمالهم لربهم، ويجددون نياتهم في كل وقت وحين، ومن ظن أن في إخلاصه إخلاصًا فإخلاصه يحتاج إلى إخلاص، ولذا لابد أن يراقب كل منا نيته: ماذا أريد بأكلتي؟ ماذا أريد بكلمتي؟ فإن أراد بها وجه الله أمضاها وإلا تركها ثم جدد نيته.
وقد وردت الآيات والأحاديث التي تحض على الإخلاص نذكر منها قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١].
وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢]، إلى غير ذلك من الآيات.
ومن الأحاديث قوله - ﷺ - في الحديث المشهور "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرله إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" [متفق عليه].
وقوله - ﷺ -: "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" [متفق عليه].
وسئل الني - ﷺ - عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال - ﷺ -:" من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" [متفق عليه].
قال أبو عثمان: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق فقط.
قال الفضيل: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما.
فقد انكشف لأرباب القلوب ببصيرة الإيمان وأنوار القرآن أن لا وصول إلى السعادة إلا بالعلم والعبادة، فالناس كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا
[ ١ / ٩ ]
العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم.
فالعمل بغير نية عناء، والنية بغير إخلاص رياء، والإخلاص من غير تحقيق هباء، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
قال بعض السلف: رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية.
وقال بعض العارفين: إني أستحب أن يكون لي في كل شيء نية حتى في أكلي وشربي ونومي ودخولي إلى الخلاء.
وقال أبو الدرداء: إني لأستجم نفسي بشيء من اللهو فيكون ذلك عونًا لي على الحق، وقال علي كرم الله وجهه: روحوا القلوب فإنها إذا أكرهت عميت.
ولقد كان معروف الكرخي -رحمه الله تعالى- يضرب نفسه ويقول: يا نفسي أخلصي تتخلصي.
وقال يعقوب المكفوف: المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته.
وقال سليمان: طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا الله تعالى.
وكتب عمر بن الخطاب -﵁- إلى أبي موسى الأشعري: من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس وكتب بعض الأولياء إلى أخ له: أخلص النية في أعمالك يكفك القليل من العمل.
وقال أيوب السختياني: تخليص النيات على العمال أشد عليهم من جميع الأعمال.