يقول ابن الجوزي: الإخلاص مسك مصون في مسك القلب تنبه ريحه على حامله، العمل صورة والإخلاص روح، المخلص يعد طاعته لاحتقاره لها عرضًا وقلم القبول قد أثبتها في الجوهر خالصًا وعمل المرائي بصلة كلها قشور، المرائي يحشو جراب العمل رملًا فيثقله ولا ينفعه، ريح الرياء جيفة تتحاماها مسام القلوب، وما يخفى المرائي على مسانح الفطن.
وذات يوم قرأ عمر بن عبد العزيز قوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١] فبكى بكًاء شديدًا حتى سمعه أهل الدار، فجاءت فاطمة، فجلست تبكي لبكائه، وبكى أهل الدار لبكائهما، فجاء عبد الملك فدخل عليهم وهم على تلك الحالة يبكون، فقال: يا أبتاه ما يبكيك؟ قال: خير يا بني، ود أبوك أنه لم يعرف الدنيا ولم تعرفه، والله يا بني لقد خشيت أنْ أهلك، والله يا بني لقد خشيت أن أكون من أهل النار.
وقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣]، فكل سوء عملناه جزينا به؟!
فقال النبي - ﷺ -: "غفر الله لك يا أبا بكر، قالها ثلاثًا: يا أبا بكر ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تنصب؟ ألست يصيبك الأذى؟ ألست تصيبك اللأواء" (الشدة) قلت: نعم، قال: فما تجزون به في الدنيا" رواه أحمد.
وكان عثمان بن عفان إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: إن القبر أول منزل من
[ ١ / ١٦ ]
منازل الآخرة، فمن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه، وقال رسول الله - ﷺ -: ما رأيت منظرًا إلا والقبر أفظع منه (الترمذي).
وعن ثابت البناني قال: قال مطرف بن عبد الله: ما مدحني أحد قط إلا تصاغرت إلى نفسي.
وعن ثابت عن مطرف قال: لأن يسألني ربي ﷿ يوم القيامة فيقول: يا مطرف ألا فعلت؟ أحب إلي من قوله لم فعلت؟ وعنه قال أيضًا بعرفة: اللهم لا ترد الجميع من أجلي؟
وصلى علي بن أبي طالب ﵁ صلاة الفجر، ثم لبث في مجلسه حتى ارتفعت الشمس قيد رمح، وقد علاه كآبة، فقال: لقد رأيت أصحاب محمد فلم أر اليوم شيئا يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثًا، صفرًا، غبرًا، بين أعينهم أمثال رُكب المعزى، وقد باتوا لله سجدًا وقيامًا، يتلون كتاب الله، فإذا أصبحوا ذكروا الله، وتمادوا كما تميد الشجرة في يوم الريح، وهملت أعينهم بالدموع حتى تبل ثيابهم، والله لكأني بالقوم قد باتوا غافلين، ثم قام فما رُئى بعد ذلك ضاحكا حتى كان مقتله، - ﵁ - وأرضاه.