إخفاء الطاعات:
قال رجل لتميم الداري: ما صلاتك بالليل؟ فغضب غضبًا شديدًا، ثم قال: والله لركعة أصليها في جوف الليل في سر أحب إلي من أن أصلي الليل كله ثم أقصه على الناس.
وعن أبي بكر المروزي قال: كنت مع أبي عبد الله (يعني الإمام أحمد) نحوًا من أربعة أشهر، فكان لا يدع قيام الليل، وقراءة النهار، فما علمت بختمة ختمها .. كان يسر ذلك.
صاحب النقب:
حاصر مسلمة بن عبد الملك حصنًا فندب الناس إلى نقب منه، فما دخله أحد حتى جاء رجل من عرض الجيش فدخله وعالج الباب فكسره، ففتحه الله عليهم. فنادى مسلمة على صحب النقب، فما جاء أحد، قال: فليدخل على ساعة يأتي.
فأتى رجل فقال للحاجب: استأذن لي على الأمير.
فقال: أنت صاحب النقب؟ قال: أنا أخبركم عنه.
[ ١ / ١١ ]
فأتى مسلمة فأخبره الحاجب فأذن له فقال له: إن صاحب النقب يأخذ عليكم ثلاثًا.
- ألا تسودوا اسمه في صحيفة الخليفة.
- ولا تأمروا له بشيء.
- ولا تسألوه من هو.
فقال مسلمة: نعم، فمن هو؟ قال الرجل: أنا هو. ثم اختفى.
فكان مسلمة لا يصلي صلاة إلا قال: اللهم اجعلني مع صاحب النقب.
ويقول عمرو بن العاص: ركعة بالليل خير من عشر بالنهار.
وُيروي أن إبراهيم النخعي كان إذا دخل عليه رجل وهو يقرأ في المصحف غطاه.
الخوف من الشهرة:
قال إبراهيم بن أدهم: ما قرت عيني يومًا في الدنيا قط، إلا مرة واحدة: بت ليلة في بعض مساجد قرى الشام، وكان بي البطن (مغص)، فجاء المؤذن وجرني برجلي حتى أخرجني من المسجد.
وإنما قرت عينه لأن الرجل لم يعرفه، ولذا عامله بعنف، وجره من رجله كأنه مجرم، وهو الذي ترك الإمارة والثروة لله تعالى.
وقال سليم بن حنطلة: بينما نحن حول أُبي بن كعب نمشي خلفه، إذ رآه عمر فعلاه بالدرة، فقال: انظر يا أمير المؤمنين ما تصنع؟ فقال عمر: إن هذه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع. وهي لفتة عمرية نفيسة إلى ما قد تحدثه هذه المظاهر البسيطة في بدايتها من عواقب وآثار بعيدة الغور في نفسية الجماهير التابعة، والقادة المتبوعين.
وعن الحسن قال: خرج ابن مسعود يومًا من منزله فاتبعه ناس، فالتفت إليهم، فقال: علام تتبعوني؟ فوالله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي ما اتبعني منكم رجلان.
وخرج أبو أيوب السختياني في سفر، فشيعه ناس كثيرون فقال: لولا أني أعلم أن الله يعلم من قلبي أني لهذا كاره لخشيت المقت من الله ﷿.
[ ١ / ١٢ ]
ولا يفهم من هذه الآثار الدعوة إلى الانطوائية والعزلة، فإن الذين رُويت عنهم إنما هم أئمة ودعاة مصلحون. والشهرة في ذاتها ليست مذمومة، ولكن المذموم هو طلب الشهرة والزعامة والجاه والحرص عليها.
ويقول الجنيد: إن لله عبادًا عقلوا، فلما عقلوا عملوا، فلما عملوا أخلصوا، فاستدعاهم الإخلاص إلى أبواب البر أجمع. وقال بشر الحافي: ما اتقى الله من أحب الشهرة.
ويقول أبو حامد الغزالي في باب محاسبة النفس: (ولعلك يا نفس أسكرك حب الجاه أو ما تتفكرين أن الجاه لا معنى له إلا ميل القلب من بعض الناس إليك، فاحسبي أن كل من على وجه الأرض سجد لك أو أطاعك، أفما تعرفين أنه بعد خمسين سنة لا تبقين أنت، ولا أحد ممن على وجه الأرض ممن عبدك وسجد لك؟ وسيأتي زمان لا يبقى ذكرك، ولا ذكر من ذكرك، كما أتى على الملوك الذين كانوا من قبلك".
ويقول وهيب بن الورد: خالطت الناس خمسين سنة، فما وجدت رجلًا غفر لي ذنبًا فيما بيني وبينه، ولا وصلني إذا قطعته، ولا ستر عليَّ عورة، ولا أمنته إذا غضب، فالاشتغال بهؤلاء حمق كبير.
وقال الشافعي: من طلب الرياسة فرت منه، وإذا تصدر الحدث فاته علم كثير (١).
فإذا قلت: أي شهرة تزيد على شهرة الأنبياء والخلفاء الراشدين وأئمة العلماء! فكيف فاتهم فضيلة الخمول؟ فاعلم أن المذموم طلب الشهرة، فأما وجودها من جهة الله سبحانه من غير تكلف من العبد فليس بمذموم. نعم فيه فتنة على الضعفاء دون الأقوياء، وهم كالغريق الضعيف إذا كان معه جماعة من الغرقى، فالأولى به أن لا يعرفه أحد منهم فإنهم يتعلقون به، فيضعف عنهم فيهلك معهم، وأما القوي فالأولى أن يعرفه الغرقى ليتعلقوا به فينجيهم ويثاب على ذلك.
وقال ابن مسعود: كونوا ينابيع العلم مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب، تعرفون في أهل السماء وتخفون في أهل الأرض.
_________________
(١) صفة الصفوة (١/ ٤٧٨).
[ ١ / ١٣ ]
اتهام النفس:
عن كنانة بن جبلة السلمي قال: قال بكر بن عبد الله: إذا رأيت من هو أكبر منك، فقل: هذا سبقني بالإيمان والعمل الصالح فهو خير مني، وإذا رأيت من هو أصغر منك فقل: سبقته إلى الذنوب والمعاصي فهو خير مني.
وعن يونس قال: سمعت محمد بن واسع يقول: لو كان يوجد للذنوب ريح ما قدرتم أن تدنوا مني، من نتن ريحي.
وقال مالك بن دينار: والله لو وقف ملك بباب المسجد وقال: يخرج شر من في السجد، لبادرتكم إليه.
وقال أيضًا: خرج أهل الدنيا من الدنيا ولم يذوقوا أطيب شيء فيها، قالوا: وما هو؟ قال: معرفة الله ﷿.
وقال له رجل: يا مرائي، قال: متى عرفت اسمي؟ ما عرف اسمي غيرك.
وقال عبد الرحمن بن مهدي ﵀: مات سفيان الثوري عندي، فلم اشتد به جعل يبكي، فقال له رجل: يا أبا عبد الله، ما أراك كثير الذنوب؟ فرفع سفيان شيئًا من الأرض، فقال: والله لذنوبي أهون عندي من ذا، إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت.
وها هو الإمام ابن الجوزي يبكي عند الموت فيقول له تلاميذه: يا إمام ألست قد فعلت كذا وكذا؟ فقال: والله إنني أخشى أن أكون فرطت ونافقت فيحق عليَّ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)﴾ [الزمر: ٤٧ - ٤٨].