مَنْ تَأَنىَّ نَالَ مَا تَمَنىَّ:
============
مِن أَدَقِّ وَأَرَقِّ الحِكَمِ الَّتي قِيلَتْ في التَّأَنيِّ قَوْلُهُمْ:
" مَنْ تَأَنىَّ نَالَ مَا تَمَنىَّ " ٠
وَقَوْلُهُمْ: إِذَا أَتَاكَ أَحَدُ الخَصْمَينِ وَقَدْ فُقِئَتْ عَيْنُه؛ فَلاَ تَقْضِينَّ لَهُ حَتىَّ يَأْتِيَكَ الخَصْمُ الآخَر؛ فَلَعَلَّهُ فُقِئَتْ عَيْنَاه ٠٠!!
وَهَذَا مَا قَالَهُ ﷺ في الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِه، وَصَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر: عَنِ الإِمَامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ:
" إِذَا جَاءكَ الخَصْمَانِ فَلاَ تَقْضِ لِلأَوَّلِ حَتىَّ تَسْمَعَ مِنَ الآخَر؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يَبِينَ لَكَ القَضَاء " ٠
وَمِنَ الْكَلِمَاتِ المَأْثُورَةِ الَّتي يَتَنَاقَلُهَا النَّاسُ عَنِ التَّأَنيِّ قَوْلُهُمْ: كُنْ كَالنَّجَّارِ المَاهِر، الَّذِي يَقِيسُ عَشْرَ مَرَّات؛ لِيَقْطَعَ مَرَّةً وَاحِدَة ٠٠!!
فَإِنَّ الشَّخْصَ الَّذِي يَتَّخِذُ قَرَارَهُ بِصُعُوبَة: محَالٌ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ بِسُهُولَة ٠
وَمِن أَطْرَفِ الأَمْثَالِ الَّتي قِيلَتْ في مَدْحِ التَّأَنيِّ وَذَمِّ الْعَجَلَةِ قَوْلُهُمْ:
أَيْنَ كُنْتِ يَا " لاَ " عِنْدَمَا قُلْتُ " نَعَمْ " ٠٠؟!
وَأَمَّا عَنِ الأَشْعَار؛ فَمِن أَجْمَلِ مَا قِيلَ في التَّأَنيِّ: قَوْلُ الشَّاعِرِ القَرَوِيّ / رَشِيد سَلِيم الخُورِي:
إِذَا رُمْتَ أَمْرًَا فَلاَ تَعْجَلَنَّ * وَإِلاَّ نَدِمْتَ عَلَى فِعْلِهِ
فَمَا كَبْوَةُ المَرْءِ قَتَّالَةً * إِذَا كَانَ يَمْشِي عَلَى مَهْلِهِ
وَقَوْلُ بَهَاءِ الدِّينِ الزُّهَير:
احْسِبْ حِسَابَكَ لِلخُرُوجِ مُقَدَّمًَا قَبْلَ الدُّخُول
وَمِمَّا يَنْبَغِي الإِشَارَةُ إِلَيْه: أَنَّ العَرَبَ قَدْ أَطْلَقُواْ مُسَمَّيَاتٍ كَثِيرَةً عَلَى الأَنَاةِ وَالتَّأَنيِّ: مِنهَا: التُّؤَدَةُ، وَالتَّرَيُّث، وَالرِّفْق، وَالتَّرَفُّق ٠
[ ٥٧ ]
أَمَّا عَنِ الأَدَبِ النَّبَوِيِّ الَّذِي جَرَى مجْرَى الحِكَمِ وَالأَمْثَالِ عَنِ الأَنَاةِ وَالتُّؤَدَةِ وَالرِّفْق:
قَوْلُهُ ﷺ في هَذَا الحَدِيثِ الَّذِي حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَة وَقَالَ فِيهِ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيح: عَن أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" التَّأَنيِّ مِنَ الله، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَان " ٠
وَقَوْلُهُ ﷺ في هَذَا الحَدِيثِ الَّذِي صَحَّحَهُ الأَلْبَانيُّ في غَايَةِ المَرَامِ وَفي سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيّ:
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًَا مَا؛ عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًَا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًَا مَا؛ عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًَا مَا " ٠
[ ٥٨ ]
وَقَوْلُهُ ﷺ في الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِه، وَصَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَة، وَقَالَ فِيهِ الإِمَامُ الهَيْثَمِيّ: رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيح: عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِذَا أَرَادَ اللهُ ﷿ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًَا؛ أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْق " ٠
وَقَوْلُهُ ﷺ في هَذَا الحَدِيثِ الَّذِي صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَة، وَفي سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُد، وَقَالَ فِيهِ الإِمَامُ الذَّهَبيّ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين:
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " التُّؤَدَةُ في كُلِّ شَيْءٍ خَير، إِلاَّ في عَمَلِ الآخِرَة " ٠
وَقَوْلُهُ ﷺ في الحَدِيثِ الَّذِي حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيّ:
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " السَّمْتُ الحَسَنُ وَالتُّؤَدَةُ وَالاِقْتِصَاد: جُزْءٌ مِن أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًَا مِنَ النُّبُوَّة " ٠ [السَّمْتُ الحَسَن: لِينُ الجَانِبِ وَحُسْنُ المَعْشَر، وَالاِقْتَصَاد: الاِعْتِدَالُ وَالتَّوَسُّط]
وَتَحِيَّاتي لِهَذَا البرْنَامجِ الهَادِفِ وَالمُفِيدِ، وَمِنْ نَجَاحٍ إِلى نَجَاحٍ لِلأُسْتَاذَة جِيهَانَ الرِّيدِي ٠
يَاسِر الحَمَدَاني
[ ٥٩ ]
التَّقْلِيدُ الأَعْمَى
========
إِنَّ شَبَابَنَا الْيَوْمَ نَظَرَ إِلى الْغَرْبِ بِطَرْفٍ مَفْتُون؛ وَلِذَا عِنْدَمَا أَخَذَ مِنهُ أَخَذَ أَسْوَأَ مَا عِنْدَهُ ٠٠
نَظَرَ إِلى كُلِّ شَيْءٍ عَار: وَاتخَذَهُ شِعَار ٠٠!!
فَتَشَبَّهُواْ بِالغَرْبِ حَتىَّ أَوْشَكُواْ * أَنْ يَعْبُدُوهُ عِبَادَةَ الأَصْنامِ
تَقْلِيدَ أَعْمَىً قَلَّدُواْ وَلِذَا فَقَدْ * تَبِعُواْ نِظَامَهُمُ بِغَيرِ نِظَامِ
كُلَّ هَذَا لِيَكُونُواْ مِثْلَهُمْ، وَشَتَّانَ بَيْنَ جَرَّةِ الجُبْنِ القَدِيمِ وَجَرَّةِ العَسَل ٠٠!!
[ ٦٠ ]
فَلوْ لَبِسَ الحِمَارُ لَنَا حَرِيرًَا * لَقَالَ النَّاسُ يَا لَكَ مِن حِمَارِ
حَتىَّ في اللَّعِبِ مِنْ شِدَّةِ خَيْبَتِنَا لاَ نَسْتَطِيعُ تَقْلِيدَهُمْ فِيه ٠٠!!
عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: " لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، شِبْرًَا شِبْرًَا، وَذِرَاعًَا بِذِرَاع، حَتىَّ لَوْ دَخَلُواْ جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٧٣٢٠ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٦٦٩ / عَبْد البَاقِي]
[ ٦١ ]
وَهَذِهِ العِبَارَةُ الأَخِيرَة: بحَثْتُ عَنهَا في مَعَاجِمَ كَثِيرَة، حَتىَّ عَثَرْتُ عَلَيْهَا أَخِيرًَا في كُتُبِ الحَيَوَان، بَدَأْتُ أُفَكِّرُ مَا هُوَ السَّيِّئُ في حَيَاةِ الضَّبِّ حَتىَّ يَضْرِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِهِ المَثَل ٠٠؟!
[ ٦٢ ]
اتَّضَحَ الآتي ٠٠ أَوَّلًا: الضَّبُّ هَذَا حَيَوَانٌ كَالتِّمْسَاحِ في الشَّكْل، أَمَّا مِن حَيْثُ الطُّولِ فَهُوَ نِصْفُ مِتْرٍ تَقْرِيبًا، يُؤْكَلْ لَحْمُه، إِلاَّ أَنَّهُ حَيَوَانٌ ضَعِيف، لَيْسَ لَهُ فَكٌّ كَفَكِّ التِّمْسَاحِ وَلا مخَالِبُ كَمَخَالِبِ النَّمِرِ يُدَافِعُ بِهَا عَنْ نَفْسِه؛ فَمَاذا يَصْنَع ٠٠؟!
يَأْوِي إِلى جُحْرِهِ الحَيَّاتِ وَالعَقَارِبَ وَالثَّعَابِين؛ وَمِن هُنَا ضَرَبَ رَسُولُ الله ﷺ بِهِ المَثَل فَقَال: " حَتىَّ لَوْ دَخَلُواْ جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ " ٠
[ ٦٣ ]
وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى التَّقْلِيدَ الأَعْمَى ٠٠!!
يَا أُمَّةً ضَحِكَت مِنْ جَهْلِهَا الأُمَمُ
في كُلِّ يَوْمٍ نَرَى لِلْغَرْبِ خَارِقَةً وَلَيْسَ لِلشَّرْقِ إِلاَّ السَّمْعُ وَالبَصَرُ
القَوْمُ يَبْتَكِرُونَ المُعْجِزَاتِ لَهُمْ وَنحْنُ نمْدَحُ مَا اخْتَرَعُواْ وَمَا ابْتَكَرُواْ
فَهَلْ بِذَا الشَّرْقُ قَدْ أَدَّى رِسَالَتَهُ وَهَلْ تَرَى أَنْبِيَاءَ الغَرْبِ قَدْ ظَهَرُواْ
وَاأَسَفَا عَلَى قَوْمِي ٠٠
[ ٦٤ ]
تَقَدَّمَ كُلُّ بَطِيءِ الخُطَا * وَهُمْ وَحْدَهُمْ رَجَعُواْ القَهْقَرَى
أَذَلَّهُمُ كُلُّ شَعْبٍ ذَلِيلٍ * وَكَانَ لَهُمْ أَمْسِ مُلكُ الثَّرى
وَمَن خَطَبَ المجْدَ شَدَّ الرِّحَالاَ * إِلَيْهِ وَخَاضَ الدَّمَ الأَحْمَرَا
نَعَمْ نحْنُ أَبْنَاءُ حَضَارَةٍ عَاشَتْ خَمْسَةَ آلافِ سَنَة، وَوَهَبَنَا اللهُ حَضَارَةً أَعْظَمَ مِنهَا هِيَ الحَضَارَةُ الإِسْلاَمِيَّة، وَلَكِن هَلْ كُلُّ مَا نَمْلِكُهُ مِنَ المجْدِ هُوَ افْتِخَارُنَا بِالآبَاءِ وَالأَجْدَاد ٠٠؟!
مَنِ اتَّكَلَ عَلَى شَرَفِ آبَائِهِ فَقَدْ عَقَّهُمْ ٠٠
مَنْ يَقْتَرِبْ مِن أَمْسِ يَبْعُدْ عَن غَدٍ * وَيَعِشْ مَعَ المَوْتَى وَيُصْبِحْ مِنهُمُ
*************
[ ٦٥ ]
إِنِ افْتَخَرْتُمْ بِآبَاءٍ ذَوِي حَسَبٍ * نِعْمَ الأَبَاءُ وَلَكِنْ بِئْسَ مَا وَلَدُواْ
رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ؛ مَاتُواْ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَات ٠٠!!
جَنَواْ لَكُمُ أَنْ تُمْدَحُواْ وَجَنَيْتُمُ * لَهُمْ أَنْتُمُ أَنْ يُشْتَمُواْ في المَقَابِرِ
لأَنْ تَكُونَ أَحْسَابُنَا عَارًَا عَلَيْنَا؛ خَيرٌ مِن أَنْ نَكُونَ عَارًَا عَلَى أَحْسَابِنَا، بِئْسَ السَّالِفِينَ بَدَلا ٠
وَهَكَذَا: جَعَلْنَا مِنَ القَدَرِ " شَمَّاعَةً " عَلَّقْنَا عَلَيْهَا تخُلُّفَنَا عَنْ سَائِرِ الأُمَم ٠٠!!
[ ٦٦ ]
نِمْنَا فَخِلْنَا كُلَّ طَرفٍ نَائِمًَا * مَا أَجْهَل الوسْنَانَ بِاليَقظَان
تَعِسَ الَّذِى رَضِىَ الأَمَانِيَ ثَرْوَةً * إنَّ الأَمَانيَ ثَرْوَةُ الكَسْلاَنِ
مَا بَالُ قَوْمِى نَائِمِين عَنِ العُلاَ * وَلَقَدْ تَنَبَّهَ لِلْعُلاَ الثَّقَلاَنِ
لَوْ تَعْقِلُونَ عَمِلْتُمُ لِخَلاَصِكُمْ * مِنْ عَالَمِ الجَبَرُوتِ وَالطُّغْيَانِ
حَرْبٌ تُلاحِقُنَا بِغَيرِ هَوَادَةٍ * يجْني الشُّيُوخُ بِهَا عَلَى الشُّبَّانِ
وَمَدِينَةٍ زَهْرَاءَ آمِنَةِ الحِمَى * هُدِمَتْ مَنَازِلُهَا عَلَى السُّكَّانِ
[ ٦٧ ]
خَرِسَتْ بَلاَبِلُهَا الشَّوَادِي في الرُّبى * وَعَلاَ صِيَاحُ البُومِ وَالغِرْبَانِ
سَحَقَ القَوِيُّ بِهَا الضَّعِيفَ وَدَاسَهُ * وَمَشَى عَلَى أَرْضٍ مِنَ الأَبْدَانِ
بِئْسَ الوَغَى يَجْني الجُنُودُ حُتُوفَهُمْ * في سَاحِهَا وَالفَخْرُ لِلتِّيجَانِ
مَا بَالُكُمْ لاَ تَغْضَبُون لِدِينِكُمْ * غَضْبَاتِ مَلْطُومِ الجَبِينِ مُهَانِ
يَا قَوْمُ هُبُّواْ وَانهَضُواْ نحْوَ الْعُلاَ * وَتَشَبَّهُواْ بِالصِّينِ وَاليَابَانِ
يَا أُمَّةً لَعِبَتْ بِدِينِ نَبِيِّهَا * وَشَفِيعِهَا كَتَلاَعُبِ الصِّبْيَانِ
[ ٦٨ ]
تَرَكَ المَسِيحِيُّونَ مَا أُمِرُواْ بِهِ * وَالمُسْلِمُونَ بَغَوْاْ عَلَى القُرْآنِ
لاَ ذَنْبَ لِلأَقْدَارِ في إِذْلاَلِنَا * هَذَا جَزَاءُ الغَافِلِ المُتَوَانِي
[ ٦٩ ]